إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

مقارنة مقصودة بين «محكمة لبنان» و«عدلية بيروت»

علي الموسوي - السفير

نسخة للطباعة 2010-12-04

إقرأ ايضاً


المكان: ضاحية لايدسندام في مدينة لاهاي الهولندية حيث كان المبنى المؤلّف من ثماني طبقات، مقرّاً للاستخبارات، مع ما تعنيه هذه الكلمة عالمياً، من أسرار وتجسّس وتنصت وتركيب ملفّات وتعذيب نفسي وجسدي.

بينما أنشئ قصر العدل في العاصمة بيروت في العام 1964، ليكون بطوابقه الخمسة، وما زيد على أطرافها وأجنحتها مع توالي الأيّام، صرحاً للعدالة التي يفترض أن تكون مهابة على الصعيدين الإداري والعدلي بشقّيه الجزائي والمدني.

أمام الواجهة الرئيسية للمحكمة الخاصة بلبنان، أقيم مجرى مياه متحرّكة على شكل بركة، يزيد من رونق مكانها الهادئ وجمال الطبيعة المحيطة بها، حيث تسرّح الأشجار أوراقها، ويلاعب الهواء العشب المنبسط على مرمى النظر، ويغتنم رفّ من البطّ المتفاوت الأحجام والألوان، أناقة المشهد، ويسبح براحة تامة لا ينغّصها شيء، ومن دون إزعاج أحد، لا من السكّان القاطنين قبالة المبنى، ولا العابرين بسيّاراتهم ودرّاجاتهم الهوائية، وعلى أقدامهم.

بينما قصر عدل العاصمة، شيّد على مجرى مياه نهر بيروت حتّى باتت إنشاءاته وأساساته مع مرور الزمن، متصدّعة ومخلخلة، وتتهاوى سنتيمتراً تلو سنتيمتر، وبما يهدّد ليس حياة روّاده اليوميين من قضاة ومحامين ومتقاضين، بل حياة العابرين والمارين بالقرب منه، سواء أكانوا مواطنين عاديين، أم مسؤولين غير مسؤولين، ويسبح في محيط هذا القصر الذي هو اسم على غير مسمّى، رتل من السيّارات المركونة كيفما اتفق وبطريقة غير متناسقة يفقد معها صاحب السيّارة، الكثير من الوقت حتّى يستطيع الخروج من هذا المأزق اليومي.

لا يمكن لأيّ شخص الدخول إلى مبنى المحكمة ما لم يكن موظّفاً فيها، أو زائراً مسجّلاً أعطى اسمه في وقت مسبق، ويبرز الموظّف بطاقته يومياً وبرضى تام أمام الحرّاس الدوليين المناوبين، ويخضع للتفتيش الآلي، وهو إجراء عادي روتيني بات من يوميات الموظّفين الذين لا يتأفّفون ولا يملّون ولا يتذمّرون ولا يتضايقون، بل تعلو الابتسامة وجوههم، وهم مقتنعون بأنّ هذا الفعل من أجل سلامتهم وحمايتهم، في وقت تشخص فيه الأنظار إلى هذه المحكمة، ويخشى فيه من تعرّضها لأعمال إرهابية وإنْ كانت في مدينة لم يمسّ الإرهاب شعرة من كيانها، بل على العكس، تعتبر عاصمة القانون في العالم.

ولا تقتصر التدابير الأمنية على الموظّفين، بل تطال رئيس المحكمة القاضي الإيطالي انطونيو كاسيزي والمدعي العام القاضي الكندي دانيال بيلمار وسائر القضاة وكبار المحقّقين الذين يخضعون لإجراءات التفتيش بشكل عادي ومثل بقيّة خلق الله.

ودخول الزوّار محصور ببوّابة جانبية يمرّ فيها المرء بغرفة ضيّقة مدجّجة بقوس إلكتروني وكاميرات تصوّر المحكمة من اتجاهاتها المختلفة، وحرّاس مسلّحين بإشارات دولية، وصبر لا ينفد على الملل والضجر من قلّة الحاضرين.

بينما الولوج إلى العدلية مباح في أيّ وقت لكثرة أبوابها ومداخلها، ويقتصر تسجيل الأسماء في المدخل المؤدّي إلى مخفر الدرك، ولا يشمل القضاة والمحامين والإعلاميين والموظّفين الذين باتوا معروفين من سيماهم على وجوههم. وإذا ما أخطأ عنصر الأمن بحقّ قاض أو محام وطلب منه إبراز هوّيته، أو بطاقته النقابية، انهمر الغضب الساطع عليه، وبدلاً من أن يكون محقّاً، يلام على حقّ يراد منه تأمين السلامة العامة، وإذا ما استطاع شخص ما، إدخال سكّين، أو مسدّس، أو قطعة سلاح حربي، واقترف اعتداءه أو جريمته، أو رفع صوته بوجه أحد، استنفرت الدولة خطاباتها وتصريحاتها وتنديداتها المعدّة مسبقاً.

بابتسامة ساحرة أو ماكرة، يستطيع المرء الدخول إلى العدلية، بينما التفتيش الجسدي اليدوي والآلي مفتاح العبور إلى المحكمة الخاصة بلبنان.

وكلّ شيء في مكاتب المحكمة مجهّز بكلّ المستلزمات والتقنيات ووسائل الراحة من مكيّفات وحواسيب، ويوثّق بطريقة علمية متطوّرة تتخذ من الثورة الرقمية مثالاً أعلى لها في ترتيب ملفّاتها وأوراقها ومستنداتها.

بينما الوضع مغاير في العدلية، فالمكاتب المرفّهة من نصيب القضاة المحظيين فقط، بدءاً من «الباركيه» والدهان السنوي والفرش الوثير، وكثيراً ما يفتقد قضاة ومساعدوهم في أقلامهم، أوراقاً بيضاء رسمية يكتبون عليها وقائع الاستجوابات وسماع الشهود، فيضطرّون إلى تصوير ورقة عادية للكتابة عليها، وتحفظ في مغلّفات سمراء سرعان ما ينتقل البقّ والبرغوث والاصفرار إليها، ثمّ ترمى في مستودعات النسيان في الطوابق السفلى المحاذية لمجرى مياه النهر ذاته.

المحكمة لا تعمل إلا إدارياً منذ افتتاحها أمام الجمهور المتعطش «للعدالة الدولية» في الأوّل من آذار 2009، بانتظار ما سيحمله القرار الاتهامي من أدلّة وقرائن ومعلومات واتهامات ارتقى الشكّ إليها بسبب كثرة التسريبات حولها وعنها، واستخدامها في الصناعة السياسية المحلّية والإقليمية والدولية.

بينما تعجّ العدلية بآلاف الدعاوى والقضايا في ميادين جرمية متنوّعة بدءاً من الشيك بلا رصيد، وضربة الكفّ، وانزعاج الجار من عصفور جاره، وصولاً إلى الأعمال الإرهابية، وتصدر الأحكام والقرارات «باسم الشعب اللبناني» حتّى ولو كانت خلافاً لوجهة نظره ورأيه، وحتّى ولو لم يكن مقتنعاً بنتيجتها، فالاقتناع نسبي، ونادراً ما تجد الشعب متوحّداً حول حكم مبرم. أمّا السياسة فتلعب بحسب قدرتها على اللعب، وقدرة المتصدّي على منعها من خدش حرمة ضميره، مع أنّ القضاء في لبنان سلطة بحسب الدستور ولكنّ السياسة رأس حربة في تركيبة الدولة، لذا حدّث ولا حرج.

ويبدو أنّ تقديم مذكّرة أو لائحة أمام قلم المحكمة في لاهاي أسهل من تقديمها في قلم محكمة التمييز على سبيل المثال، في العدلية، ففي الحالة الأولى يرسلها المحامي بواسطة البريد الإلكتروني، من وراء مكتبه، ولا يحتاج إلا إلى كبسة زرّ، لتصل ويأتيه الجواب سريعاً مع إشعار بالاستلام، بينما في الحالة الثانية، يهدر ساعتين وأكثر لتسليمها للموظّف المعني، هذا إن سمح وقت الأخير وكثرة انشغالاته في القيام بواجبه واستلامها.

يحظى القضاة اللبنانيون في المحكمة بامتيازات معنوية ومادية لم تكن تخطر ببال أحد منهم، حتّى أنّ الشهر الواحد قد يوازي عاماً من الكدّ والجهد في العمل القضائي في لبنان، لذا فهم موضع حسد «أبناء جلدتهم» القانونية الذين يسعون وراء الهجرة إلى بلاد النفط العربي لتجميع ثروة تقيهم سواد أيّامهم، بسبب قلّة ذات يد الدولة في زيادة رواتبهم، مع أنّهم موظّفون في الفئة الأولى، ولكنّ كثيرين من هذه الفئة من غير القضاة تزيد رواتبهم عن معاشات هؤلاء.

كما يستفيد القضاة في المحكمة من حماية أمنية خاصة يشرف عليها «جو» الذي أنعم الله عليه بأنّه لم يجعله عنصراً في جهاز أمني لبناني لكي يرسله القضاة في العدلية، لشراء حاجيات زوجاتهم من سوق الخضر والفواكه، أو لإيصالهن إلى «الكوافير»، أو لاصطحاب الأولاد إلى المدرسة ذهاباً وإياباً...

يدفع لبنان 49% من ميزانية المحكمة التي تحمل اسمه إلى عالم العدالة الدولية، والتي بسببها صار معروفاً أكثر فأكثر، وقد دفع مئة مليار ليرة خلال العامين 2008 و2009 (من دون احتساب تكاليف لجنة التحقيق الدولية)، ولا يتلقّى مقابل هذا البذخ المقتطع من ضرائبه ورسومه المباشرة وغير المباشرة على شعبه المنهك والمثخن بكلّ أوجاع الفقر والمرارة، أيّ شيء سوى شهرة عالمية وماركة مسجّلة في متاحف التاريخ، بينما بلغت ميزانية وزارة العدل في العام 2009، 83 ملياراً و783 مليوناً و300 ألف ليرة. وتدخل أموال طائلة إلى خزينة الدولة من خلال صناديق القبض الموجودة في مختلف قصور العدل والمحاكم، والمتأتية من تحصيل أموال عن إخلاءات سبيل وغرامات ورسوم بأسماء وأوصاف متعدّدة، وتستفيد الدولة من العدلية كثيراً، ولكن بلا جدوى، في بلد غرباله مثقوب.

لو دفعت الدولة اللبنانية جزءاً ممّا تدفعه للمحكمة الخاصة بلبنان، لما تعرّت العدالة في هذه الجمهورية العائمة على صفيح الطائفية.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026