إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

لماذا يستعجل بيلمار إرهاق فرانسين بقرار اتهامي تلو آخر؟

علي الموسوي - السفير

نسخة للطباعة 2011-05-09

إقرأ ايضاً


كلّما تفتّقت تحقيقات المدعي العام الدولي القاضي دانيال بيلمار عن معلومة جديدة، أو دليل مادي حديث، رفعهما، فوراً، ضمن ما يسمّيه قراراً اتهامياً، إلى قاضي الإجراءات التمهيدية البلجيكي دانيال فرانسين، مختاراً التوقيت السياسي الذي يلائمه، من دون أن يترك للمتلقي، وهو الرأي العام اللبناني في الدرجة الأولى، حقّ مناقشته، أو مقاربة فحوى ما توصّل إليه، ولو من باب فضولي، تحت وطأة التهديد بجرم تحقير المحكمة الخاصة بلبنان.

ويحقّ للقاضي بيلمار أن يختار الموعد الزمني المناسب لتوقيع قرار اتهامي إضافي، أو الزيادة على قرار اتهامي سبق له أن رفعه للقاضي فرانسين، ما دامت قواعد الإجراءات والإثبات في المحكمة، تخوّله هذا الحقّ وتمكّنه منه، ويستطيع بحكم هذه الصلاحية، أن يصدر كلّ ساعة، وكلّ يوم، وكلّ أسبوع، وكلّ عشرة أيّام، وكلّ شهر، قراراً اتهامياً، ما دام فريقه «غارقاً» في التفتيش عن «الحقيقة» من رأسه حتّى أخمص قدميه، وهو ما يضع الشعب اللبناني أوّلاً، تحت رحمة بيلمار وقراراته، فيعيش هاجس ما صدر عنه وما قد يصدره، ممّا يعني أنّه لا فكاك من الترقّب والانتظار والقلق، وبطبيعة الحال ينعكس هذا الوضع سوءاً على حال لبنان كلّه دولة وحكومة ومؤسّسات وشعباً.

يحقّ لبيلمار أن يتلاعب بمصير شعب برمّته، ولكن لا يحقّ لهذا الشعب أن يسأله عمّا فعله ولا يزال يفعله، من دون أن يتجرأ هذا المدعي العام على مفاتحته بنتائج عمله القائم منذ حزيران 2005، باعتبار أنّ عمله هو استمرار لعمل لجنة التحقيق الدولية التي افتتحها القاضي الألماني ديتليف ميليس، حتّى ولو تغيّرت أساليب التحقيق، وفريق العمل، وطريقة التفكير.

ولكنّ وظيفة بيلمار هي البحث عن مرتكبي جريمة 14 شباط 2005، وليس إبقاء شعب بكامله تحت رحمة تحقيق بدأ منذ أكثر من 2250 يوماً، ولا يعرف أحد متى ينتهي، لأنّه بمقدور بيلمار أن يقدّم قراراً اتهامياً تلو قرار اتهامي بموازاة جلسات المحاكمات العلنية، أو إجراء تعديلات جزئية أو شاملة على قرار سابق، أيّ أنّ الفيلم مستمرّ ما دامت الرغبة السياسية قائمة ولم تقنع بالمكتسبات السياسية التي جنتها.

والسؤال الأساسي، لماذا يستعجل بيلمار إرهاق فرانسين بقرار اتهامي تلو قرار اتهامي آخر، في مدّة زمنية وجيزة لا تتعدّى المائة وعشرة أيّام، ولا يترك له الوقت الكافي لكي يقول كلمته المنتظرة سلباً أو إيجاباً، بفحوى القرار الأوّل الذي أعطاه إيّاه في 17 كانون الثاني 2011؟

وما دام بيلمار غير واثق من إمكانية مرور قراره الاتهامي الأوّل من تحت مجهر فرانسين، من دون طلب ردّه لتعديله، أو توسيعه، أو تعزيزه، وهو ما أظهرت الأيّام ضعفه ولذلك أتبعه بقرار ثان وقرار ثالث تحت حجّة تعديل في مضمونه، فلماذا يصدر قرارين متتاليين أو تعديلين وبسرعة قياسية؟ ألا يخشى أن يؤثّر ذلك على سمعته وصيته ومكانته القانونية كقاض دولي، علماً أنّ أيّ قاض في منصب المدعي العام هو أقرب إلى السياسة من قاضي الحكم، وهذا ما تدلّ عليه شواهد كثيرة مستقاة من قلب التاريخ؟.

أليس المنطق يقول أنّه لو كانت بحوزة بيلمار قرائن صلبة لا يمكن التشكيك فيها، لصادق فرانسين عليها بمجرّد قراءته لها واقتناعه بها؟.

وأليس المنطق يقول أنّه لو لم يكن القرار الاتهامي الأوّل هشّاً وضعيفاً وبالياً، لما تعمّد بيلمار إصدار قرار اتهامي ثان يغطّي على هفواته المسكونة في الأوّل، تحت صيغة تعديل، وما ينطبق على الثاني يجوز قوله بحقّ القرار الثالث، أو التعديل الجديد الصادر يوم الجمعة في 6 أيّار 2011، ما دامت الكلمة الفاصلة بحقّها لم يتفوّه بها فرانسين الذي تعود له وحده صلاحية إعطائها الحياة لترفع إلى محكمة الدرجة الأولى، أو وأدها لتقديم قرارات أخرى أكثر تماسكاً وإقناعاً؟.

وعلى هامش هذه الأسئلة، مسموح للمحكمة أن تهدّد الناس العاديين وخصوصاً الصحافيين، بالمحاكمة بجرم تحقيرها في حال سوّلت لهم أنفسهم كشف معلومة واحدة، أو تفصيل صغير عن مضمون قرار الاتهام الصادر بطبعته الثالثة المنقّحة عن بيلمار، والواصل إلى يد فرانسين لتحديد مساره القضائي، إمّا بقبوله ليفتح طريق المحاكمات الغيابية على أقلّ تقدير في ظلّ عدم وجود متهمين موقوفين، وإبقاء التهمة موجّهة إلى «حزب الله»، وإمّا برفضه وإعادته «مع الشكر الجزيل» لصاحبه لكي يتوسّع فيه، أو يصحّحه، أو يدعّمه بالأدلّة والإثباتات المُحْكَمة لئلا يكون حبراً على ورق ومجرّد كلمات وروايات وسيناريوهات غير واقعية تفقد بيلمار والمحكمة معاً مصداقيتهما الدولية.

فهل تريد المحكمة أن تستعيض عن محاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري بمحاكمة الصحافيين والمواطنين العاديين لكي تؤكّد بأنّها تعمل مثل أيّة محكمة محلية أو دولية، وبأنّها انتقلت من الشؤون الإدارية البحتة والأمور القلمية والبيانات، إلى الشغل الفعلي، وذلك إرضاء للدول المموّلة التي تريد نتائج عملــية ومردوداً سياسياً لمساهماتها المادية المتفاوتة؟.

ولماذا حصّنت المحكمة نفسها ضدّ التحقير الذي قد يأتي من هذا اللسان، أو ذاك القلم، انتقاداً لتصرّفاتها وأدائها وسلوك قضاتها وموظّفيها، ولم تتحرّك إزاء التحقير الآتي ضد عملها بالدرجة الأولى، من شهود الزور وشركائهم، مع أنّهم هم أصحاب البليّة الكبرى باعتراف قضاتها سيرج برامرتز، ودانيال بيلمار، ودانيال فرانسين على التوالي، في ما أصدروه من تقييمات وقرارات أظهرت على مدى السنوات الخمس الماضية، فساد هؤلاء الشهود وكذب ادعاءاتهم؟.

إشارة صغيرة فقط، فليتذكّر المسؤولون والقضاة والموظّفون في المحكمة، بأنّه سيأتي يوم تتوقّف فيه دول كثيرة عن دفع مستحقّاتها المالية، وفي مقدّمتهم الولايات المتحدة الأميركية، على غرار ما فعلته مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، بعدما استنفدت غايتها السياسية منها، وهو مصير المحكمة الخاصة بلبنان المولودة بطريقة ملتبسة أقلّ ما يقال فيها أنّها غير دستورية، فكيف يحفظ القضاة سمعتهم إن دخلوا التاريخ على شاكلة هذه الطريقة الخاطئة؟.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026