إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

لمـاذا المطالبـة بتحصيـن القضـاة فـي المحكمـة الدوليـة الخاصـة بلبـنان؟

علي الموسوي - السفير

نسخة للطباعة 2011-06-04

إقرأ ايضاً


لم يكن بريئاً السؤال الذي طرحه أحد نوّاب 14 آذار على المشاركين في فعاليات مؤتمر المحكمة الجنائية الدولية خلال انعقاده في لبنان، باستفساره عمّا إذا كانت لدى المحكمة الخاصة بلبنان إجراءات لحماية القضاة اللبنانيين المعيّنين فيها بعدما تنتهي مهامهم وتلفظ الأحكام.

لم يلق هذا النائب جواباً واضحاً وناصحاً، لأنّ مسألة استمرار الحماية للقضاة اللبنانيين والدوليين على حدّ سواء وبما يشبه الحصانة المستمرّة، غير منصوص عليها لا في نظام هذه المحكمة، ولا في مرفقاته، ولا ملحقاته، ولا في القواعد التي ترعى إجراءاتها، ولا في أيّة محكمة دولية أخرى وجدت وانتفت، أو لا تزال موجودة، على خريطة الكرة الأرضية، بدءاً من محكمة نورمبورغ، ومروراً بالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ورواندا، وانتهاء بمحاكم سيراليون وليبيريا وكمبوديا.

فالقضاة اللبنانيون المنضوون في سلك السلطة الثالثة لا يتمتّعون بأيّة حصانة بعد خروجهم من وظيفتهم بفعل التقاعد، أو الاستقالة، أو الطرد، على غرار امتلاكهم حصانة قويّة خلال ممارستهم مهامهم، في ظل نصوص قانونية واضحة في متن قانون العقوبات اللبناني تحمي القاضي العامل من أيّ اعتداء، سواء كان خلال جلوسه إلى «قوس المحكمة» مستجوباً ومستمعاً ومحقّقاً ومديراً جلساته وملفّاته ومحكمته، أو خلال جلوسه في دائرته، أو خارج أوقات العمل وأداء الوظيفة سواء أكان في مكان عام أم خاص.

وهناك قضاة لبنانيون كثيرون يتعرّضون لمضايقات واعتداءات وشتائم أثناء القيام بالوظيفة، وذلك نتيجة لاعتبارات مختلفة منها تلمّس أخطاء في قراراتهم، أو تلكؤهم عن تطبيق القانون بحذافيره على المحظيين والمنسيين من المواطنين على حدّ سواء، أو شعور أصحاب الدعاوى بالغبن، أو تحمّلهم المماطلة، أو اتصافهم بالغضب، أو محاولتهم التأثير على الدعوى بالاسـتفزاز والصـراخ بوجـه القاضي، فيحال المعتدي إلى المحاكمة بجرائم التحقير والقدح والذم، وثمّة شواهد كثيرة في هذا الصدد موجودة في غير ملفّ في قصور العدل.

ولكن، بعد الانتقال إلى خارج الجسم القضائي يفقد القضاة الحصانة أو الحماية الأمنية المعطاة لهم والمتوافرة لهم لدرء أيّة مخاطر وعواقب محتملة تثنيهم عن ممارسة دورهم في إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه.

وهناك قضاة كثر في المجلس العدلي ومحاكم التمييز والجنايات والمحكمة العسكرية، أصدروا أحكاماً مبرمة، أو قابلة للتمييز، في ملفّات قتل ومخدّرات وإرهاب وتجسّس وجرائم أخرى من العيار الثقيل والمخيف، وبمجرّد خروجهم من وظيفتهم سحبت العناصر الأمنية المولجة بحمايتهم وحراستهم.

اذاً كيف تتمّ المطالبة بمنح الحماية الأبدية للقضاة اللبنانيين المعيّنين بشكل مؤقّت وغير نهائي بحسب نظام المحكمة، في محكمة دولية مختلطة أنشئت بقرار دولي للنظر في جريمة واحدة فقط؟ وكيف تعطى لهؤلاء حماية غير متوافرة لزملائهم في السلك ممن يتحمّلون وزر ملفّات كثيرة وخطيرة لا ملفّ واحد فقط؟

أليس الأولى أن ينال القضاة العاملون في لبنان هذه الحصانة الأمنية قبل سواهم؟ وهل هذه المطالبة تخفي وراءها ما تخفيه؟ وهل الهدف من المطالبة بهذه الحصانة منع إخضاع هؤلاء القضاة للمساءلة والمحاسبة في حال ارتكابهم أخطاء، أو جنوحهم، أو حصول ميل وانزياح لديهم عن طريق إحقاق الحقّ؟ وهل الهدف أيضاً الحؤول دون محاكمة أحد منهم عن تورّطه بطريقة من الطرق في ملفّ شهود الزور أو المضلّلين، أو المفترين جنائياً، وانقياده للإغراءات السياسية، فسارع عن سابق إصرار وترصّد إلى ردّ (تنحية) زميل له كان يتولّى التحقيق العدلي؟

إنّ القول بإجراءات حماية لا يفهم منه فقط، اقتصار الأمر على الحماية الأمنية والعسكرية، بل يراد منه تأمين حصانة طوال العمر، وهو غير متوافر لأيّ شخصية لبنانية انضوت في الخدمة العامة، فكيف يراد تفصيلها على مقياس قضاة في محكمة يشتمّ منها رائحة سياسية فاقعة حتّى ولو افترضنا أن القضاة اللبنانيين بعيدون عن الضغوطات السياسية.

إنّ الحصانة، بحسب المفهوم القانوني، تعطى للقاضي والدبلوماسي خلال ممارسة الوظيفة ولا تستمرّ مع أيّ واحد منهما بعد تقاعده، ومهما كان وزنه وحجمه وخطورة الملفّات والأسرار المؤتمن عليها والتي نظر فيها أو عرف بها، وإلاّ فإنّه يصبح هؤلاء أكبر من رئيس جمهوريتهم الذي يعتبر رمز البلاد، ويكوّنون شريحة واسعة من المحصّنين فوق القانون والدستور، وهو ما لا يقبل به عاقل.

إنّ الحصانة، أو بالأحرى التحصين المعنوي المعطى للقضاة، هو لمنع التعسّف والممارسات الاعتباطية بحقّهم خلال وجودهم في الوظيفة، وعادة تكون الحصانة جزائية فقط، أيّ أنّه يمكن تنفيذ أيّ دعوى مدنية أو تجارية بحقّ قاض خلال ممارسته وظيفته بعكس ما هو شائع خطأ بأنّه لا يمكن لصاحب شقّة أو عقار على سبيل المثال، الادعاء على قاض مستأجر منه ولا يدفع له بدل المأجور.

وسبق أن طرح مشروع قانون على مجلس الوزراء لتشديد العقوبات بحقّ كلّ من يتناول القضاة، وذلك بغية الحدّ من التعرّض لهم، ولكن رُفض هذا المشروع داخل مجلس الوزراء.

إنّ الحصانة والحماية تتأتّى بالدرجة الأولى من الشخص نفسه، فإذا عمل بنزاهة وشرف وكفاءة عالية وبضمير مهني حرّ، ولم يتلفّت لا نحو اليمين ولا نحو اليسار، تصبح أعماله حصانته وتحميه من ردّات الفعل، أمّا إذا اشتغل بعكس ما يوحيه له ضميره وقناعته، فلا أحد يحميه حتّى ولو وضع في ثكنة عسكرية وتحت حراسة آلاف العناصر المدجّجة بالأسلحة الثقيلة والصواريخ والدبّابات، لأنّ القلق والأرق اللذين يعيش في كنفهما، سيعجّلان في إنهاء مصيره، والموت برصاص القلق لا يقلّ بشاعة عن الاغتيال السياسي والقتل الدموي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026