إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

أوباما ندم بعد فوات الأوان

د. خيام الزعبي - البناء

نسخة للطباعة 2016-10-12

إقرأ ايضاً


أكثر من خمس سنوات من الحرب على سورية، هدفت إلى السيطرة على دمشق وإغراق سورية في صراعات وهمية مخطط لها مسبقاً. واليوم ظهرت تداعيات الفشل وبدأت تتكشف الأقنعة عن أميركا وحلفائها. وأدركت واشنطن أنّ رهاناتها على العملاء والمرتزقة، رهانات خاسرة، لم يحقق أيّ تقدّم على الأرض. وكلّ ما تستطيع أن تفعله هو محاولة الحفاظ على بقايا من ماء الوجه، إذا تبقى، عبر أكاذيب وهدن ومزاعم إعلامية فاشلة. فالذي يجري في سورية، هو نتيجة متوقعة. وأن استراتيجية أوباما لمواجهة «داعش» قد فشلت. وأدركت الشعوب الأوروبية، وحتى الشعب الأميركي أيضاً، خصوصا بعد التفجيرات الأخيرة، حجم التهديد الفعلي الذي يمثله الإرهاب على دولهم.

منذ اليوم الأول للحرب على سورية، والجميع يدرك جيداً، أنّ أميركا هي من تقود هذه الحرب وهي من تخطط وتنفذ عبر أدواتها المعروفه «داعش وأخواتها». والكلّ يعلم أنّ أجهزة أميركا قامت بعمليات مشبوهة كثيرة، لزعزعة الأمن والإستقرار هناك، عن طريق دعم الإرهاب الممنهج، ليس في سورية وحسب، بل على مستوى العالم، لا سيما أوروبا. وهذا ما يؤكده قيام واشنطن بتزويد الإرهابيين بالسلاح والدعم اللوجيستي وإعتمادها سياسة الإشغال والإستنزاف في سورية. فما أن تهدأ جبهة مواجهة، حتى يفتحوا لها أخرى، كي تنصرف عن الإهتمام بالتطور وإمتلاك القوة.

تواجه واشنطن تحديات كبيرة في سورية، حيث تجري حرب متعددة الأطراف. فهي متردّدة في القيام بتدخل عسكري مباشر، لإسقاط النظام السوري، بسبب التحذيرات الروسية والإيرانية وخشية السقوط في مستنقع مواجهة جديدة، كالذي تعرفه في العراق منذ سنة 2003 وفي أفغانستان منذ سنة2001 . ومن أجل تمرير مشاريع ومخططات لها في المنطقة، أوجدت التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش». وهذا السمّ الذي تنشره أميركا وتسقيه للعالم، جاء الدور اليوم على الشعب الأميركي، لأن يذوق طعم مرارته. والذي يؤكد ذلك، ما ذكره الأميركي كريستوفر كورنيل، الموالي لتنظيم «داعش»، بوجود هذا التنظيم في كلّ أنحاء الولايات الأميركية. وأنّ هناك خلايا نائمة تنتظر الوقت المناسب للقيام بـ«الجهاد» في أميركا ونشر الفوضى هناك. لذلك، أصبحت واشنطن الداعمة لـ«داعش» وأخواتها، تتخبّط في قراءة مستقبل التهديدات لها. وأهمّ مشاهد التخبّط على الساحة الأميركية، ما حدث فيها من تفجيرات إرهابية وتغييرات سياسية، نجمت عن الموقف الدولي والإقليمي والنظرة إلى ما يحدث في المنطقة برمتها.

من الطبيعي أن يعيش البيت الأبيض، في هذه المرحلة، بين مطرقة أخطائه وسندان تمويله لتنظيم «داعش»، من خلال الدعم المالي وتسهيلات عبور الحدود وتسليم أسلحة، الذي ساهم بتعزيز ارتباك دول المنطقة. وإنعكاس ذلك على الداخل الأميركي. وقد بدأت الدول الغربية بحصاد نتائج الإرهاب، الذي دعمته وموّلته في سورية. وبذلك، يتوقع الخبراء هجمات أخرى على الولايات المتحدة، التي وفرت تربة خصبة للتنظيم، أزالت الصعوبات أمام تجنيده عناصر جديدة، في مناطق مختلفة من العالم.

اليوم، أصبح بنك المعلومات السوري غزيراً بالمعلومات والتحركات التي تتعلق بـ«داعش» وأخواتها، لمواجهة المخططات التي يمكن أن تدفع هذه المجموعات باتجاه الشروع بمخطط خلط الأوراق، أو استهداف أماكن معينة من بلدان مختلفة. وما حصل بفرنسا مؤشر حول الاستنفار الأوروبي، الذي يتعلّق بإعادة الحسابات نحو سورية، التي استطاعت، بقدرة جيشها، احتواء شبكات «القاعدة». ومن هنا، بدأت الدول، التي ساعدت ودعمت الإرهاب، تهرول مستجدية سورية وتطلب من القيادة السورية المساعدة لكبح جماح «داعش» والقوى المتطرفة الأخرى، من خلال كشف مخزون المعلومات المتوفر الذي أستطاعت المخابرات السورية الحصول عليه.

وفي السياق ذاته، تعدّ هذه الدلالات تحوّلاً نوعياً كبيراً تجاه سورية. وهي تعني أنّ الموقف الأميركي الجديد، هو اعتراف واضح بشرعية الحكومة السورية، سياسياً. وهو أمر فرضته عوامل مختلفة، من أهمّها: صمود النظام السوري ومؤسساته المختلفة، فشل الولايات المتحدة والغرب فى مواجهة «داعش» وتوابعه في سورية والعراق وعدم الوثوق بالمعارضة السورية في الخارج، بالإضافة الى أن التدخل الروسي ـ الإيراني لمحاربة الإرهاب وحماية سورية من السقوط وضع أميركا في موقف محرج أمام شعوب دول المنطقة والعالم.

بالاجمال، إنّ الرهانات الأميركية ـ الغربية على وكلائها الإقليميين والمحليين لإسقاط سورية، فشلت. ولم يبق أمام واشنطن إلاّ التسليم بهذا الفشل. وعندما أدركت بأنّ دعم حلفاء سورية لها لم يتوقف تحت ايّ ظروف كان، إضطرت الی تغيير سياساتها والإعلان أنّ الحوار السياسي هو الأفضل لتحقيق الأمن والإستقرار في سورية. ومن هنا، إقتنع أوباما بشكل كامل، بأن لا مخرج له من مستنقع الفشل، الذي انغمس فيه في المنطقة، إلا بالعودة إلى دمشق، فهي صاحبة النفوذ الواسع والعلاقات المؤثرة في المنطقة والحليفة الأولى لإيران وروسيا، الثابتتين في وجه المؤامرات الدولية.

في هذا السياق، تعدّ أميركا من أهمّ الخاسرين في المنطقة، لا سيما بعد صمود الجيش السوري وطرد «داعش» من بعض المناطق السورية. إلا أنّ الخسارة الأكبر التي مُنيت بها أميركا وحلفاؤها، هي انتقال تداعيات الأزمة السورية الى داخل مدنها، بشكل أكبر. والدليل على ذلك العمليات الإرهابية الضخمة التي حصلت قبل أسابيع عدة والتي بثت الذعر والخوف بين مواطنيها. وباختصار شديد، لم يبق أمام أوباما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن يتراجع عن سياساته الداعمة لـ«داعش» وأخواتها والانخراط في التسويات والترتيبات الإقليمية والدولية، التي تهدف لمواجهة هذا الخطر الوجودي. ومن ثم إعادة النظر في خريطة تحالفاته ورهانه السياسي والعسكري الخاطئ، قبل فوات الأوان،

يبقى التساؤل المهمّ هنا، هو: هل ندم أوباما على اتخاذه قرار الحرب على سورية، التي امتدّت تداعياتها إلى معظم دول المنطقة؟ وهل أدرك بأنه دفع ثمناً سياسياً وشعبياً باهظاً، جراء وقوفه إلى جانب «داعش» وأخواتها؟

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021