إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الفساد سياسي.. ويتفرّعْ.. فهل تُقلّصهُ الحكومة الجديدة؟

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2018-06-01

الارشيف

أطروحة محاربة الفساد ليست مسألة روتينية وصغيرة في نظام يعمل بأسلوب «ميثاقي» على تنظيم محاصصة بين سبع عشرة طائفة. ولا يلجأ إلى الحلّ القانوني إلا مع الضعفاء غير المحظيّين.

لذلك فهو فساد تاريخي يكاد يصبح النمط الشرعي الذي يوزّع المال العام، حسب أهميّات الطوائف وقياسات زعمائها. وهو أيضاً سياسي من إنتاج الطبقات الحاكمة التي تتوزّع الريوع والعائدات من حركتها في الإدارات العامة والصفقات، عبر مقاولين وسماسرة يتقاضون عمولات ويُسَددّون الباقي «لأهل السياسة».

يتبيّن إذاً، أن لا عفة في أسواق الفساد السياسي. هناك متورّط ومتعامل وصامت، لأن لا قدرة له فقط على منافسة «أهل القوة». فيستكين تربّصاً لفرص أفضل. ولم يكتفِ الفساد السياسي باستملاك القطاع العام. فوضع يده على علاقة القطاع الخاص بالدولة عبر التراخيص والالتزامات والتعهّدات، وما يحتاجه من معاملات قانونية. حتى استطاع أنّ يُلحقه بالقطاع العام من ناحية وضع اليد والابتزاز.

هذا هو الحال في لبنان موديل 1990 ـ 2018. لكن ربط الفساد بزمن معيّن ليس عدلاً. لأنه موجود منذ تأسيس الدولة، لكنّه ظلّ يشكل استثناء على القاعدة ولم يتعمّم. أما اليوم فأصبح هو القاعدة، مع استثناءات لم تفسُد لعجزها.. الأمر الذي يُفسّرُ إدراك الدين العام عتبة التسعين مليار دولار ليس لها ما يوازيها من إنفاقات وإنشاءات وبنى تحتية في المرحلة المتزامنة.. حتى أنّ الناس باتت تعتقد أنّ هذا الفساد هو ثمرة شجاعة من الزعماء المذهبيّين الذين يُحصّلون حقوق طوائفهم «المسروقة» كما يعتقدون ومن طوائف أخرى.

كما أنّ إمساك الطبقة السياسية بالتوظيف في القطاع العام وحركة توزيع المال ووسائل الإعلام والمؤسّسات الدينية «الداعية للسمع والطاعة» فتح لها أبواب المال العام من دون حسيب أو رقيب وبغطاء شعب سبّبه إحساس كلّ طائفة أنها مستهدَفة من الطائفة الأخرى، فتحتاج بالتالي إلى قوة الزعيم للاحتماء من الآخر. وهذا ما يشرح أسباب تصعيد الزعماء للاشتباكات الإعلامية بينهم لاستفراس الناس في وجه بعضهم بعضاً واستنزاف طاقاتهم على التمرّد أو المساءلة، عما يجري. أما الآن فقد أصبحت محاربة هذا الفساد عنواناً لقوى سياسية متنوّعة تحاول المشاركة في الحكومة المرتقبة لضرب الفساد كما «تقول». إحداها هو حزب الله الذي عيّن النائب الدكتور حسن فضل الله مسؤولاً حزبياً عن محاربة الفساد في الدولة.

بيد أنّ المشكلة ليست هنا، لأنّ الحزب ذو توجّه صادق، والنائب فضل الله أكثر خبرة في مجابهة الفساد خلال ولايته النيابية السابقة وكان شديد البراعة…

بذلك يقاتل الحزب نوعين من الإرهاب في آن: الخاص بالجماعات الإرهابية في عمليات مستمرة لا تتوقف، وإرهاب الفساد الداخل في لبنان.

فهل هذا ممكن؟

يستطيع حزب الله أنّ يعلن لكلّ القوى الحليفة وغير الحليفة أنه حوَّل مؤسّساته الخاصة والنيابية أجهزة رقابة هدفها تقليص الفساد إلى الحدود الدنيا. فالأوضاع الاقتصادية وصلت مرحلة ما قبل انهيار الدولة. ما يعني أنّ الاستمرار في السكوت يؤدّي إلى خلخلة الدولة وتهشيمها. وهذا لا يمنع الحزب من محاربة الفساد فقط بل الإرهاب أيضاً. لذلك فإنّ معركته في وجه الفساد إنما هي حرب مفتوحة لحماية أدواره في لبنان والإقليم. بما يؤكد أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إليه ويؤسّس عنده استعداداً بنيوياً غير عابر لبناء أسس دائمة للمجابهة تبتدئ من الطبقة العليا إلى متابعة انعكاسات فسادها على الإدارات والصفقات.

فهل هذا ممكن؟

المستحيل غير موجود في السياسات. ومن هنا تبدأ المعاناة.. وتتأسس الضرورة لعقد مؤتمر للقوى السياسية اللبنانية، يتمّ فيه تبنّي وثيقة تاريخية لإنقاذ الدولة اللبنانية، تبتدئ بإعلان رفع الغطاء السياسي عن كلّ أنواع الفاسدين على المستويات السياسية أولاً وتشعّباتها في الإدارة والقضاء والجيش والجامعة والتعليم الرسمي ثانياً.

وتتطلّب إجازة هذه الخطة، مستويات عدة من المراقبة الدقيقة على وضع الموازنة العامة وتشعّبها موازنات وزارات وإدارات وتغطية حاجات والتزامات وإنشاءات ورواتب.

ثانياً: إقرار أسلوب واضح للمناقصة والشراء وتحديد الحاجات، على أن تكون الشركات المتنافسة لحيازتها لا تقّلّ عن خمس.. ولمنعها من توافقات سرية متروبدل احتكارية تتقاسم بموجبه الأرباح مع التغطية السياسية، تتوجب المقارنة بين الأسعار المرسو عليها والأسعار في البلدان الخارجية المماثلة بواسطة لجان نزيهة تجمع بين المعرفة وتنويع الأعضاء والنزاهة.

أما عن الصفقات الخارجية، فهي الأسهل لأنّ مقارنة الأسعار بمثيلاتها في بلدان مشابهة تكشف الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

إنّ منع التوظيف العشوائي «المسيّس» ينشر العدل في الإدارات فتميل إلى الولاء للدولة وتنفذ سياساتها بشكل دقيق. وتؤدّي إلى توفير المال على توظيفات غير مجدية.

وهذا يقود إلى القول إنّ الفساد نوعان:

مالي ـ وزبائني، وفيما يتعلّق الأول بالسطو على المال العام بمختلف الأشكال، يندرج النوع الثاني في إطار تعزيز الولاءات للسياسيين ويسبّب بدوره نزفاً للمال العام.

فما إن يتسلّم سياسي وزارة حتى يملأها بسيول من المتقاعدين بذريعة حاجة يختلقها ويغطيها له السياسي الأكبر.. ما يُراكم من عشرات آلاف المتعاقدين ليس للدوائر والوزارات حاجات فعلية لهم، وقد تكون بحاجة لموظفين متخصّصين في أنواع معينة، فتحتال لتؤمّن متعاقدين ميزتهم أنهم يوفرون ولاءات سياسية للزعماء على حساب الموازنة العامة. وهذا يسري على معظم أنواع التعيينات القديمة والحديثة. الأمر الذي يدفع باتجاه التحديد الأمين والدقيق للحاجات الوظيفية من متعاقدين وموظفين، في إطار مباريات متعدّدة المستويات بإشراف مجلس خدمة مدنية، يجري تربويون «متعدّدون» وضع عشرات النماذج للأسئلة الموجّهة للمتبارين. فيُنتقى واحد منها صباح الامتحان الذي يجب أنّ يُجرى بأجواء جدية وتحت رعاية كاميرات مراقبة.

وهكذا فلا ينجح إلا الأكفاء في الإدارة والجيش والقضاء والجامعة.. فلا تمرّ مناقصة إلا بالعرض الأفضل.. ولا يتعين متعاقد أو موظف إلا بالمستوى الموازي للمطلوب إدارياً. وينجو الجيش والقضاء ويعود «العدل أساس الحكم».

أهذه مجرد أحلام عشية تشكيل حكومة جديدة؟

إنها أكثر من أحلام لأنّ «الإصلاح هم المصلحون». ومجرد تبني حزب الله لمثل هذه العملية، تكشف أنّ هناك اتجاهاً جدياً لإنقاذ الدولة.. فما مصلحة حزب يجاهد مقاتلوه في صحاري المشرق، أن يضع سمعته تحت رحمة «فساد لبناني قد لا يستطيع تقليصه»؟ ولو لم يكن متمكّناً من مجابهة هذه الآفة بالتعاون مع حلفائه في الأحزاب الوطنية والقومية، لِم تبنّى هذه الحملة معيّناً مسؤولاً منه عنها، في دوائر حزبه، أصبح محترفاً في هذا النوع من الرقابة وهو النائب حسن فضل الله.

وأخيراً لا بدّ من التفاؤل، بأدوار إضافية لوسائل الاتصال الاجتماعي التي تؤدّي تغطيتها الوطنية إلى تعميم فضائح الفساد بأقلّ قدر ممكن من المحاسبة القانونية. فترفد أعمال المتطوّعين لمكافحته. لذلك فإنّ الحكومة المقبلة لن تكون إلا مسرحاً لصدامات بين القوى السياسية قد تدفع نحو لجم أكبر حركة فساد في العالم العربي أو… تفجير الحكومة والاحتماء بجلابيب رجال الدين.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018