إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

العلاقات الروسية - الإيرانية بين الثابت والمتحرك

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2018-07-27

إقرأ ايضاً


دارت العلاقات الروسية الإيرانية غموضاً بعد مسألتين مستجدتين: تحرير الجيش السوري لمناطق بلاده المتاخمة لفلسطين المحتلة والأردن والعراق وتوصّل قمة هلسنكي الأميركية الروسية الى تحقيق تفاهمات لا يزال معظمها سرياً.

فهل يمكن للعلاقات الجيدة بين موسكو وطهران أن تسجّل تدهوراً كبيراً؟

هناك مَن يربط بين ضغطين اثنين يتعرّض لهما القيصر بوتين من الأميركيين و»الإسرائيليين»: فمقابل إيلاء روسيا الدور الأول والحصري في سورية يريد البيت الأبيض أن يقضي على النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وذلك بخنقه بواسطة الروس في سورية وتحالف الحريري القوات اللبنانية في لبنان وتفجير الأوضاع الاجتماعية في كلّ من العراق وإيران والاستمرار في تجويع اليمن حتى إسقاطه… ويتطلّب هذا السيناريو تواطؤاً روسياً صينياً، يغضُّ الطرف على هذه الهمجيات الأميركية وصولاً إلى حدود تأييدها في مجلس الأمن… فهل هذا ممكن؟

سياسياً، يُمثّل هذا الدور الروسي المفترض انصياعاً للجيوبولتيك الأميركي وإعادة ترميم له. الأمر الذي يعني في جدلية بسيطة إلغاء كاملاً للصعود الروسي الراهن. فلا يمكن لموسكو إعادة ضخ النفوذ الأميركي المترنّح بجرعات تنشيط تعيده الى التفرّد السريع في شؤون العالم، لأنّ مَن يدواي الذئب عليه أن يحتاط من عضاته بعد إبلاله من الإصابة.

منطقياً، لا يمكن لموسكو أن تقايض على نفوذها السوري بمنح البيت الأبيض سلطة اجتياح العالم. فما تحقق في سورية هو إنجاز روسي ضخم لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية، متجسّداً بمئات آلاف الغارات التي شنّتها أحدث القاذفات الفتاكة بالتحالف مع الجيش السوري الذي اجتاح نحو مئة ألف كيلومتر مربّع متعاوناً مع حزب الله وقوات استشارية إيرانية وميلشيات إقليمية ورديفة متعاونة.

لذلك فإنّ الإنجاز السوري ليس من «حسنات الأميركيين» ولا هدايا من «إسرائيل»… ويشكل تحالفاً عميقاً عسكرياً وسياسياً بين ثلاث قوى هي سورية وروسيا وإيران، لكن صاحب الدور الأكبر هو الدولة السورية التي لولا صمودها وتماسكها وحمايتها لمئات آلاف الجنود لما تمكّن الروس والإيرانيون من العمل على طرد أوسع إرهاب عالمي لم يتشكّل مثله في التاريخ متمتعاً بدعم ومشاركة من الخماسي الإسرائيلي والأردني والأميركي والسعودي والتركي وحلفائهم، الأمر الذي يدفع الى التساؤل عن جدوى هذه الصفقة بين روسيا وأميركا، وهل هي حقيقية أم أنها مجرد اعتراف بالدور الروسي المنتصر ومحاولة إيقاع خلاف بينه وبين الدور الإيراني في سورية؟

تبدو المحاولة الأميركية «الإسرائيلية» وكأنّها محاولة لتأجيج فتنة بين موسكو وطهران أكثر من اعتراف بدور روسي استحصلت عليه روسيا بالقوة المسلّحة وليس بالابتهالات الإسرائيلية الأميركية.

بأيّ حال يرى القيصر أنّ إعادة بناء الدولة السورية تتطلب إنتاج سيادة واسعة لها على قاعدة الاستقرار والبناء… وهلسنكي أشارت الى شيء من هذا عندما اعتبرت أنّ المشاركة الأميركية الروسية في إعادة بناء الأسس التحتية السورية ضرورية، لذلك تقف موسكو عند حدود الموافقة على نشر الجيش العربي السوري على طول حدوده من لبنان إلى تركيا مروراً بالجولان السوري المحتلّ والأردن والعراق. وهذا يعني سحباً للقوات الأميركية الفرنسية – والتركية من الجنوب والشرق والشمال، وعندما ينحسب كلّ هؤلاء فما لزوم نشر قوات حليفة للجيش السوري؟

لأنّ التحالف السوري الإيراني هو تحالف استراتيجي سياسي ينحو نحو الأسلوب العسكري المتحالف تارة ويتمسكُ بالتحالف الاستراتيجي السياسي دائماً، على قاعدة أنّ النفوذ الأميركي و»إسرائيل» عدُوّان دائمان الى أن يتحقق النصر بإزالتهما من العالم الإسلامي والشرق الأوسط.

وحتى يجري إنجاز هذا الأمر يجب البدء بإعادة بناء الدولة السورية وفق مواصفات الأمم المتحدة لا ضرورات العمل التحريري الذي ينتظر، كما قال الراحل الكبير حافظ الأسد، الذي أشار الى أنّ صراعنا مع «إسرائيل» هو صراع أجيال، لأنه صراع مع «إسرائيل» وأميركا والأوروبيين وقسم هام من المستعربين.

أما مطالبة «إسرائيل» بسحب القوات الإيرانية الى ما هو أبعد من مئة كيلومتر بذريعة أنها قادرة على إصابتها بالصواريخ فاعتبرتها موسكو ذريعة كاذبة، لأنّ لإيران القدرة على قصف تل أبيب من صواريخ لها مدى يزيد عن الألف كيلومتر أيّ بالإمكان قصفها من ايّ نقطة داخل إيران. وهذا يكشف أنّ الأهداف الأميركية الإسرائيلية بإعادة إيران الى عمقها الداخلي فقط، إنما ترمي الى ضرب النفوذ الإيراني السياسي وتحالفاته في الشرق الأوسط وليس الانتشار العسكري الإيراني.

هناك نقطة أخرى، لا تمرّ على الذكاء الروسي. وهي أنّ حزب الله ليس ميليشيا إيرانية ولا الحشد الشعبي في اليمن أتى بالمظلات الى اليمن السعيد من بلاد فارس، كما أنّ الحشد الشعبي في العراق هم بقايا «المناذرة» الذين حكموا جنوب العراق قبل الإسلام في أول دولة عربية في التاريخ، وهل الجيش السوري إيراني؟ هؤلاء قوى متجذرة في انتماءاتها القومية والايديولوجية لا تستطيع أيّ تفاهمات دولية أن تقضي عليها. والدليل أنها لا تزال موجودة وتجاهد وسط استعمارات تدكّ المنطقة منذ آلاف السنين. وبالتتابع، وكذلك فإنّ الهزارة في افغانستان حلفاء إيران هم أبناؤها منذ آلاف السنين أيضاً، وكذلك نحو 30 في المئة من الباكستانيين ومثلهم من مسلمي الهند.

هذه هي الحقائق التي يفهمها الروس بدقة عالية ويعرفون أنّ تحالفات إيران لا تستهدفهم لأنهم سوية معرّضون لاستراتيجية أميركية تستفرد بكلّ تحالف معادٍ لها بتفتيته أولاً واختيار طرف واحد، وذلك بإيهام الطرف الآخر أنه غير مستهدَف.

هذا ما تطبّقه السياسة الأميركية حالياً فهي تنقض تارة على كوريا الشمالية وسرعان ما تهادنها… وتتوجه نحو استعداء الصين والاتحاد الاوروبي وكندا والمكسيك وتتمسك بالعقوبات على روسيا وتفتح حرباً اقتصادية وسياسية ضروساً على إيران قد تنتقل بغفلة من الزمن إلى حرب عسكرية قاسية وعالمية.

لجهة ضرورات الحلف الروسي الإيراني فيتعلّق بمسألتين: بنيوية واستراتيجية.

ويذهب البنيوي نحو تأكيد عامل الجوار بين بلدين تعاديا طويلاً في التاريخ قبل انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية؟ وجاءت الفرصة لتركيب منطقة متجاورة تفتح على الصين من جهة والشرق الأوسط من جهة أخرى، أي من لبنان وسورية والعراق وإيران وروسيا والصين وآسيا الوسطى..

والعنصر الاستراتيجي هنا يكشف أن هذا الخط الاستراتيجي هو بديل الخط الروسي التقليدي الذي يصل إلى طرطوس السورية بعد اجتيازه مضائق وبحاراً تحت سيطرة الحلف الأطلسي. وهي على التوالي: بحار آزوف الروسي الأوكراني الأسود مرمرة وايجه التركيان والأبيض المتوسط.

وهذه نقاط مراقبة أطلسية لا تعطل المرور، لكنها تضعها تحت عين المراقبة الساهرة لحلف الأطلسي.

هناك عناصر إضافية تفرض التقارب الروسي الإيراني وأولها التنسيق في السيطرة على الغاز، بما هو طاقة العشرين سنة المقبلة الأساسية والمعروف أن روسيا هي البلد الاول احتياطاً وإنتاجاً تليها إيران المرشحة لأن تصبح الأولى بعد الاكتشافات في حقول باريس مع قطر وهناك سورية ولبنان والعراق من البلدان الغازية، أيضاً لذلك يبدو التنسيق الروسي الإيراني محتماً من دون نسيان إمكانية تعاون روسي إيراني عميق في مجال إعادة إعمار منطقة تبدأ من سورية الى العراق فإيران واليمن. وهذا يحتاج الى دعم سياسي إيراني وإمكانات روسية وصينية.

هذه هي العوامل التي ترجّح فرضية العمق في العلاقات الإيرانية الروسية وبنيويتها.

أما المتحرك فيها فهي سياسات اضطرارية للجم العدوانيات الأميركية الإسرائيلية مع محاولة استيعابها سلماً، وإلا فإن المجابهة الحربية موجودة في كل وقت.

إنّ القرار الدولي الذي أصبح ثنائياً بين الأميركي والروسي لا يستطيع العمل بنجاح من دون الارتكاز على قوى إقليمية، وإيران هي واحدة من أهم القوى الإقليمية التي تعمل على وجهتين: حماية ثورتها من الحملة الأميركية الإسرائيلية السعودية ومحاولات الارتقاء نحو وضعية عالمية لا يزال الحصار الأميركي وغضّ الطرف الروسي يمنعانها من تكريس نفسها في القرار الدولي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018