إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الرفيق علـي عـزالديـن

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2025-04-04

إقرأ ايضاً


عائلة الشيخ محمد عزالدين الذي يقول عنه الشيخ محمد سبيتي(1) ان منزله، ومن قبله منزل والده العلامة الشيخ عزالدين عزالدين محطة ومركز التقاء لعدد كبير من مناضلي جبل عامل وعلمائه وأدبائه من مفكرين وشعراء ورجال سياسة، وفيها خمسة شباب: الأمينان مصطفى وغسان، والرفقاء علي، أحمد ويوسف، وفتاتان: الرفيقتان انصاف ونازك، تستحق منا ان نحكي عنها الكثير، لما قدمت في تاريخ الحزب من وقفات نضالية يجب ان تُعرف، ان تحتذى وان تبقى للأجيال الطالعة قدوة وأمثولة.

عن أحدهم، علي، نعرّف اليوم. اذ معظم الرفقاء وقد عرفوا جيداً الأمينين مصطفى وغسان، وشقيقهما الرفيق أحمد، لم يعرفوا الكثير عن الرفيق علي، ولم يصلهم انه انتمى عام 1948 في بيت سعاده وعلى يده، وعمل ناموساً في مكتب الزعيم، وتولى مسؤولية مدير مديرية الموظفين.

*

علي عزالدين: ثقافـة العيش

تحت هذا العنوان نشر الكاتب والأديب محمد علي فرحات الكلمة التالية بعد رحيل الرفيق علي صباح يوم الجمعة 07 حزيران 1978 في العدد 587 تاريخ 1/07/1978 من مجلة "البناء – صباح الخير".

"علي عزالدين، من الشرفة الواسعة لمدرسة رأس بيروت الرسمية القديمة، الى "الهورس شو" وملتقيات الأدباء والفنانين، عاش المعلم المثقف حياته البيروتية الهادئة، وطرّزها باللغات الأجنبية التي تناسب المقيم في عاصمة بحرية، اتقن من اللغات ستاً وسافر الى متكلمي هذه اللغات في أوطانهم.

كان علي عزالدين مثقفاً، لم يكتب ثقافته على الورق بل مارسها في عيشه وسلوكه وحديثه الشفهي، وجه من مرحلة نشوء تيار الحداثة في بيروت، قليل يعرفه بالإسم والجميع يعرفه بالشكل، ذلك الشاب الأنيق الهادىء الذي يمشي كما في مراسم صارمة، ويجلس كما في مكانه الخشوع، يتلفت في المحل المقفل دائماً كأنه في شرفة تطل على بحر واسع أو على احتفال، ونكرر: اناقته، كأن القيافة لديه هي فعل حضارة في الدرجة الأولى وبوابة الوصول.

وكان مرض علي عزالدين مديداً، كنت اراه في هزيعه الأخير في "الاكسبرس"، وباستثناء مدهش كنا نتحدث عن مرضه كما لو أننا نتحدث عن شخص آخر، كان يفصل بينه وبين جسده، يصف مواضع ضعف هذا الجسد ومواضع مقاومته، يتحدث بعقل بارد دفعني الى سؤاله: أليس الأمر مؤثراً.. فلنبدل من حديثنا؟.

"وكان علي يجيبني انه لم يسيء الى جسده بشيء حتى يحس بالندم والأسى، كل ما في الأمر أن عضواً في جسده مصاب بعطب أصلي، ولأنه ليس مذنباً فقد أعان هذا الجسد على مقاومة المرض، ولبى أنظمة صارمة في الطعام والشراب امتدت لأكثر من عشرة أعوام.. كنت أحثه على الكتابة ولا يلبي، وحثثته على إكمال مسيرته القديمة في نقل الشعر الأجنبي الى العربية، قال لي مرة انه يفعل، ولعل في مكتبته البيتية بعض ترجمات تركها علي عزالدين الذي مات هادئاً كما عاش هادئاً، ولم يتقبل جسده الهدهدات والعنايات فهمد الى الأبد.

"في عدد خريف 1962 من مجلة "شعر" نشر علي عزالدين ترجمات عن الشعر الأميركي اللاتيني ذي اللغة الاسبانية، لعلها الأبرز في ذلك الوقت المبكر، كان علي تلك الأيام في ذروة اهتمامه باللغة الاسبانية من بين اللغات التي يتقنها ويهتم بها، والقصائد المترجمة هي لاوكتافيو بات والكسندر بيتارنيك وروبرتو خواروث واغوسطو لونيل.

علي عزالدين: الإنسان، الشهيد المدني الراحل، لاعب اللغات في المدينة البحرية، وموزع الالوان فوق جسده، وباعث جو الأناقة في محيطه، نقدم منه باقة من صنع يديه مقطعاً من قصيدة روبرتو خواروث التي نقلها علي الى العربية:

سنذهب الى الموت

والجسد مغلف بالقبل

والجسد متمدد

والجسد متلتفت نحو الاشارة.

سنذهب الى الموت

راقصين بجسدنا المغلف بالقبل

جسدنا المعرى

جسدنا الذي لا موت فيه

سنذهب الى الموت

وسنعود.

**

لا يمكن ان نحيا حياة واحدة

نأمة تغمر النهار بالصمت الذي يسنده

الإشراق الغضوب لكل عضو

يستشعر إشراقاً غيره دقيقاً

حتى انه قد يصطدم به.

**

نافذة يديك

تحجب أقدم منظر في العالم

لكي يسيل من خلاله

أبعد ما في المستقبل من حظوظي

جانبي الأيسر يدعو جانبي الأيمن

والجسر بين الاثنين يؤدي الى جسر آخر

وفي الطرف الأكثر عزلة

وجد الطيف الأكثر تشبثاً،

وفي الفم الكبير لم تكن هنالك الكلمات.

**

عندما ينتهي شيء ما

ربما لا يبقى اي شيء

عدا تلك الشفافية الخداعة

التي نسميها: الغياب.

ولكن عندما تنتهي أشياء متنوعة معاً

ينبت ما يشبه شيئاً آخر

رباط ضيق من الحضور

أو على الأقل، تشقق ضد الغياب

في الحيز ذاته لما يمكن أن يسمى.

لو اتفقت كل الأشياء على ان تنتهي

ربما بدأ كل شيء من جديد او ربما استمر ببساطة.

***

قبل ذلك كانت جريدة "اللواء" نشرت ضمن ملف الترجمة الشعرية حديثاً مع الرفيق علي، ننقله للاضاءة على ما كان عليه في عالم الشعر والأدب والترجمة (2).

وهنا نص المقابلة كما ظهرت في عدد جريدة "اللواء" 2468 تاريخ 30/11/1977.

• هل يترجم الشعر؟... وماذا يبقى منه عندما ينتقل الى لغة اخرى؟

الجواب بنعم ولا... يترجم الشعر اذا اعتبرنا الترجمة مهمة لا بد من انجازها بأي شكل كان، أو بأي ثمن كان ندفعه من رصيد الأثر الأدبي الأصلي دون ان يرفّ لنا جفن او تهتز لنا يد موهمين النفس بأننا نؤدي قسطنا للثقافة والأدب بوصل تيار الشعر العالمي بسلك نتاجنا الشعري وبالتالي فإننا نؤدي خدمة عظيمة لحركة الشعر الحديث حين نغذيه بدم جديد متعدد الفصائل ينشطه ويقويه ويبعد عنه أخطار "الأنيميا" وسوء التغذية.

وحين تكون قناعاتنا بأننا نؤدي مهمة مقدسة نحو الأدب واهله حين نمارس الترجمة الشعرية فإن تصدينا لهذه العملية يبدو امراً طبيعياً لا نتردد امامه ولا نتقاعس بل نقبل عليه بنفس راضية وضمير مرتاح غير عابئين بالمسؤولية الخطيرة التي ينطوي عليها فعل الترجمة الأدبية. بحيث لا يجوز في حال من الأحوال ان يكون عملاً موصى عليه من قبل دار للنشر أو صاحب جريدة أو مجلة.

أما ماذا يبقى من الشعر حين ينتقل الى لغة اخرى فهو ما يبقى من قصر شامخ وقعت عليه غارة جوية فأصيب إصابة مباشرة حطمت منه الأبواب والنوافذ والشرفات وتركت جدرانه جاحظة فاغرة كانها الدهشة متجسدة، الا ان بعض غرفه وأجنحته سلمت ولم يلحق بها دمار خطير.

ذلك هو مشهد الديوان الشعري الذي يبتلي بالترجمة في أغلب الحالات فقد يوفق المترجم في نقل مقاطع أو ابيات نقلاً معقولاً مقبولاً يوصل الى القارىء بعض خلجات وأحاسيس وتململات نفسية ولكن هذا النجاح الجزئي والنسبي لا يغير من الحقيقة المرة شيئاً كبيراً هي حقيقة الفشل والاخفاق، وما تقتضيه من وقفة شجاعة اكاد أقول "بطولية" حين نقر ونعترف بعقم المحاولة ونتراجع عن تنفيذ الترجمة متخلين عن العناد والغطرسة والاستعلاء والقضية لا تجد لها حلاً بمجرد أن المترجم يتقن اتقاناً جيداً اللغة الأجنبية واللغة الأم ولا لمجرد ان المتصدي للترجمة الشعرية هو نفسه الشاعر. وليس القصد من ذلك تثبيط الهمم ولا اعطاء حكم مبرم على كل الترجمات الشعرية او تصنيفها في سجل الجهد الضائع والمحاولات الفاشلة اليائسة وانما لنعيد للأذهان ما تنطوي عليه من مسؤولية تحتم توفر شروط متنوعة وظروف محددة تدفع بها نحو الأحسن والأفضل والأجمل.

واول باب للأمل يشرع في وجه المقبلين على ترجمة الشعر حين يعتمدون العفوية والتلقائية فلا يترجمون الا ما ترتاح اليه قلوبهم وأفئدتهم وحين يتحلون بالصبر والإناة والمثابرة وإعادة الكرة المرة تلو المرة بل حين ينغمسون انغماساً كلياً في الشعر الأجنبي يتشبعون به الى درجة يكادون ينسون معها ان امامهم مادة جاهزة يحاولون ان يضعوها في قوالب اللغة الأم. حينئذ تتحول عملية الترجمة الى معاناة داخلية تؤدي الى ولادة شاقة مؤلمة وباعثة على الغبطة والرضى في آن معاً.

عملية تجربة داخلية تنطوي على كل عناصر الخلق والإبداع فكأنما يقول المترجم شعراً أصيلاً صادراً عن نفسه وليس مجرد صياغة ونقل تعابير معينة، وهنا لا بد من توضيح نقطة هامة وهي ان هذا المخاض العسير وهذه الولادة الصعبة لا تعني بحال من الأحوال أن يتصرف المترجم بالأثر الشعري او ان يستبيح لنفسه أي تحوير او تبديل كرمى للايقاع والموسيقى وللكلمة الأنيقة المغرية.


• نلاحظ ان الشعراء الذين قاموا بترجمات كثيرة قد تأثروا الى حد ما بهذه الترجمات... ونذهب أكثر من ذلك فنقول: انها تركت بصمات واضحة في أعمالهم.. وقد تبرز الفكرة التالية: ان كل هذه الترجمات القائمة في مجلات شعر وحوار ومواقف، وغيرها قد ساهمت وتساهم بالتأثير الخطير على حركة الشعر العربي الحديث: نطلب التعليق.

لا يأتي أحدنا بأي جديد حين يقرر أن الشعراء الذين قاموا بترجمات كثيرة قد تأثروا الى حد بعيد بهذه الترجمات.. اما أهمية تلك البصمات وعمقها فإنها مسألة لا يدرك دقائقها وأبعادها الحقيقة الا المتتبعون لحركة الشعر العربي الحديث على نطاق واسع وبشكل شامل ومكثف.

أما الشيء الجلي الواضح فهو ان تلك الترجمات قد ساهمت وتساهم بتأثير خطر وخطير على الحركة الشعرية المعاصرة.

ولا بد من التذكير بأن التأثير الخطر يقوم على صعوبة وضع حدود فاصلة بين تأثير ملهم ينطوي على الإخصاب والإغناء وتوسيع أفق الشاعر ومده بأجنحة إضافية تساعده على التحليق والإبداع ومن تأثير يعيق الحركة ويخنق الموهبة إذ يؤدي بالشاعر الى طلب السهولة والاستقراب، ومد اليد سواء فعل ذلك سهواً أو واعياً متعمداً أو حين لا يستطيع مقاومة الذاكرة أو ما هو في جوار الذاكرة.

وفي مطلق الأحوال فإن الشاعر الأصيل الذي يمارس الترجمة فهو مهما تورط ومهما انحى تحت عبء الذاكرة فإن أبواب النجاة والإنقاذ تظل مفتوحة امامه إذ يظل قادراً على القيام بعملية كبح حاسمة تعيده الى أصالته وعفويته وخصائصه وتحرره من الديون التي بدأ يرزح تحت أثقالها.

أما اين يكون الأمر في منتهى الخطورة والايذاء فذلك عندما يكون وهج الشعر المترجم موجّه الى الشعراء الناشئين الذين لا يتقنون أي لغة أجنبية عند ذلك يكون تأثرهم وإنفعالهم بالشعر المترجم تأثر حاسم لا فكاك لهم من أسره لأنه يقوم على المحاكاة والتقليد والتمحور على أشكال وقوالب وتشبهات وانماط من التعبير لا تنفذ الى الجوهر والأصل ولا الى شفافية التلميح ودقائق المعاني وبلاغة الصور.

من هنا فإن المراهنة على نجاح اي متأدب أو شاعر ناشىء في "انتاج" قصيدة غامضة محتشمة المظهر معقولة التركيب والإخراج هي مراهنة مامونة العواقب.

وخلاصة القول ان تأثير الترجمات الشعرية هو سيف ذو حدين: حد يقطر خيراً وبركة بالنسبة للشعراء الذين يحاسبون انفسهم حساباً عسيراً فلا يمدون أقلامهم الى قرائح الغير واملاكه لا سهواً ولا عن سابق تصور وتصميم وحد يقطر سماً زعافاً اذا انصرف الشاعر الى النسج على منوال الشعراء الأجانب بسطحية وتقليد ووصف للتعابير في اطار من الغرابة والكلمات المفاجئة المذعورة السائبة.

وأخيراً فما من أحد يتخذ هدفاً له بعث اليأس وتثبيط همم الشعراء الناشئين فإن بينهم من يعد الحصاد الجيد الوفير والنتاج الملهم المضيء. أن هي الا كلمة تحذير وتبيه بدافع الحرص على أن لا يتعجل أحدهم خنق براعم موهبة متفتحة لديه حين يلجأ الى السهولة والتقليد والمحاكاة فيخسر خصائصه وفرادته ولا يلبث أن يؤدي به ذلك الى التعب واللهاث والإنهيار قبل أن يدرك أي قمة كان مؤهلاً لبلوغها.

هوامش:

(1) نقلاً عن الكتاب الذي صدر عام 2002 بعنوان "مصطفى عزالدين، ستون عاماً من النضال القومي والوفاء والحب".

(2) كان الرفيق علي يتقن اربع لغات أجنبية هي: الفرنسية، الانكليزية، الاسبانية، والايطالية، ويلم بلغات ثلاث اخرى هي: البورتغالية، الرومانية، والدانماركية. وهو يبحث في علم النفس والعلوم الاجتماعية والتاريخ الانساني. له عدة ترجمات لكبار الشعراء الاسبان والالمان.





 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2025