إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

آل اليازجي في الحزب السوري القومي الاجتماعي

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2026-02-13

إقرأ ايضاً


تحتل عائلة اليازجي حضوراً حزبياً بارزاً. من أهم رجالات الحزب: الأمين رامز اليازجي، الرفيق رجا اليازجي، الرفيق عيسى اليازجي.

نورد ما لدينا عن رفقاء من آل اليازجي، آملين ممن لديهم معلومات تُضاف عن رفقاء من آل اليازجي ان يكتبوا الى لجنة تاريخ الحزب.

*

لمع اسمه في آواخر الخمسينات من القرن الماضي، متولياً المسؤوليات الحزبية، منها مسؤولية عميد الداخلية. بهذه الصفة شارك في العديد من المهرجانات الحزبية في فترة تولي الأمين عبدالله سعاده رئاسة الحزب.

منذ آواخر السبعينات توطدت علاقتي بالأمين رامز اليازجي. أقصده في مكتبه في بناية السارولا، وأتفقده في منزله مطمئناً على صحته وقد بدأت تتراجع.

لفتني الى أصالة انتمائه الحزبي، ثقافته المعمقة المتنوعة. فقد كان يطلعني على الكثير من المؤلفات التي بدأ ينصرف الى إعدادها. وكان يُمني النفسَ ان يطول به العمر، فينجزها او معظمها. إلا أن القدر كان أسرع. فلم يتمكن الأمين رامز من أن يقدم لحزبه ولمحبيه من رفقاء وأصدقاء، أي من الدراسات التي كان يحدثني عنها، وأرى مجموعات منها فوق طاولة غنية بالأوراق والملفات.

عرفته صادقاً، صريحاً لا يهوى الكلام المتأنق ولا يعتمد الرياء والخبث في تصرفاته. من كان مثله، تثق به وترتاح اليه، فهو مكشوف لك. فإن وافقته الرأي أو عارضته، فمن ضمن اواصر الاحترام وأخلاق الحزب.

*

وفاته

غيب الموت الأمين رامز اليازجي مساء السبت 31 آذار 2001، فأوردت عنه نشرة "صوت النهضة" الصادرة عن عمدة الإذاعة، الكلمة التالية:

غيّب الموت احد المناضلين القوميين الاجتماعيين الذين تميزوا بنضالهم منذ خمسة وخمسين عاماً، وتولوا في الحزب مسؤوليات قيادية في السلطتين التشريعية والتنفيذية وقد عرفتهم السجون والمعتقلات وتشردوا خارج ارضهم. إلا انهم بقوا على ايمانهم واستمروا في حمل مشعل النهضة متابعين المسيرة بكل صدق وعزيمة. نعني به الامين رامز اليازجي.

ويوم الاثنين 2 نيسان كان الموعد الاخير للأمين رامز مع آله ورفقائه وأصدقائه ومحبيه. فجرى تشييعه في كنيسة سيدة النياح، رأس بيروت، وسط حشد من الرفقاء والأصدقاء يتقدمهم رئيس الحزب الأمين جبران عريجي، نائب الرئيس الأمين محمود عبدالخالق وعدد من أعضاء المجلس الأعلى والعمد والأمناء.

بعد الصلاة على روح الأمين الفقيد ألقى عميد الإذاعة الأمين أنطون غريّب كلمة مركز الحزب وجاء فيها:

من مرمريتا الى بيروت فعمّان. فعودة الى بيروت. حملتَ القضية، وهبتها سني عمرك بذلاً وعطاء. أنشأتَ أجيالاً هي اليوم تحمل راية النضال، تواصل المسيرة مؤتمنة على القضية.

أمين رامز اليازجي، الكلام يعجز عن الإحاطة بمفاصل نضالاتك منذ العام 1945، فالجراح ما زالت نديّة يوم قدت التظاهرات ضد الانتداب الفرنسي في حمص، وهي جراح عزيزة أبية. والسجون عجزت أسوارها السوداء عن حجب إيمانك عن الانطلاق في رحاب الوطن الكبير.

تقلبت في المسؤوليات حتى مراتبها العليا فكنت الإداري الموجّه والمخطط، وما توانيتَ يوماً عن حلبة النضال وما تقاعست عن واجب دعيت إليه، فحتى ساعات عمرك الأخيرة كنتَ في هيئة منح رتبة الأمانة ضميراً وميزان حق.

أمين رامز، من كان بمثل إيمانك وعطائك لا يرحل، لا يغادر ذاكرة رفقائه وعارفيه، فأنت دوماً مقيم في الوجدان القومي بقيمك وأخلاقك وعطائك، مثالاً لاجيال النهضة القومية الاجتماعية يتمثلون بسيرتك ويسيرون على الدرب التي سلكت.

أمين رامز غادرتنا، تركتَ في نفوسنا وحشة وفي صفوفنا فراغاً. ولكنك مقيم دوماً في الوجدان والذاكرة واحد من القادة، مثالاُ لحمل الأمانة نضالاً وسع سنوات عمرك.

نبذة عن حياته

وأوردت النشرة النبذة التالية عن الأمين رامز اليازجي:

- ولد الأمين رامز اليازجي في مرمريتا، الشام عام 1931

- اقترن من روز أسعد صليبا ورزق منها ابناً د. كمال وابنة د. مايا.

- انتمى الى الحزب اواخر العام 1945 في منفذية حمص، بمرسوم خاص من رئيس الحزب آنذاك نعمة تابت وحضوره مع وكيل عميد الإذاعة وديع الأشقر، منفذ عام حمص صفوح الدروبي ومنفذ الطلبة عبدالله دندشي.

- تولى العديد من المسؤوليات الحزبية:

• مندوب مركزي في الجزيرة (الشام). ناموس عمدة الاذاعة. عميد الداخلية. ناموس مجلس العمد. عضو وناموس المجلس الأعلى. ناموس القيادة المركزية المؤقتة في عمان (بعد انقلاب 1961، 1962) مندوب مركزي في البرازيل، وبعض دول أميركا اللاتينية. مسؤول في مكتب الشام، وفي مكتب الداخل. عضو هيئة منح رتبة الأمانة.

- منح رتبة الأمانة عام 1960

- سجن في سجن القلعة في دمشق وفي سجن المزة عدة مرات، وصدرت بحقه أحكام متفاوتة لمدة شهر وثلاثة أشهر وأربعة أشهر وسنة.

- عمل في حقل التدريس في كل من مدرسة برمانا العالية، وفي ثانوية الروم الكاثوليك في مدينة الزرقاء -الاردن.

- عمل في الصحافة الحزبية فتولى إدارة التحرير في كل من "الزوابع" و" البناء" .

- شارك في الثورة الانقلابية عام 1961-1962 وكان يتولى مسؤولية عميد الداخلية.

- تمكن من الإفلات من رقاب السلطات الأمنية ووصل الى عمّان وعمل على تشكيل القيادة الحزبية هناك، التي تولت إدارة الحزب، ومن خلال مسؤوليته تمكن من تخليص عدد وفير من الأمناء والرفقاء الذين كانوا بقوا في لبنان ولم تتمكن السلطات من اعتقالهم.

- بعد عودته الى لبنان عمل شريكاً ومديراً لشركة أعمال وهندسة.

- انصرف في السنوات الأخيرة الى التأليف وكان يهيئ عدداً من الكتب الفكرية والتاريخية لإصدارها، إلا ان يد المنون كانت أسرع، فاختطفته وهو في أوجّ عطائه الفكري ".

*

ذكرى الأربعين

في ذكرى أربعين الأمين رامز اليازجي، أقامت منفذية الوادي احتفالاً تأبينياً في مرمريتا، أوردت عنه نشرة حزيران 2001 من "صوت النهضة" بالقول:

" حضر الاحتفال ناموس مجلس العمد عميد القضاء الرفيق رياض نسيم (الأمين لاحقاً)، العميد الرفيق غسان أبي جابر، رئيس الشعبة السياسية في الشام الأمين عصام المحايري ومنفذ عام منفذية الوادي وعدد من المسؤولين وجمع كبير من الرفقاء والمواطنين.

استهل حفل التأبين بكلمة ألقاها الرفيق سليم البيطار، فاستذكر مسيرة نضال الأمين اليازجي الذي كان هاجس القضية القومية يسكن وجدانه.

ثم ألقى الرفيق الياس مسوح كلمة قال فيها: " كنا أشبالاً وكان هو قيدوم بيننا، يعلمنا ويشرح لنا كيف تكون سوريانا لنا، وكيف ينبغي وفق المعلم الكبير سعاده، أن تكون أمة واحدة عظيمة وفذة... وحين ذهبنا الى لبنان في أواسط الخمسينات، ظل هو قيدوماً بين المناضلين وكاتباً بارزاً بين الكتّاب.. في خمسينات وستينات القرن الماضي في لبنان، كنا لا نعرف أن نفترق، فقد كانت رابطة الحزب بالغة القوة ".

ثم ألقى الرفيق ظافر اليازجي (شقيقه الأمين، عضو هيئة منح رتبة الأمانة)، كلمة جاء فيها: "... رامز... من يعرفك أكثر مني، وخاصة في السنوات الأخيرة، صبرك الطويل، توترك الدائم، قلقك وحزنك التاريخي، ورجاء القيامة لهذه الأمة ... حلمك الجميل بالمستقبل. اصرارك على الرحيل، وقلم الحركة القومية الاجتماعية في يدك، صدقك ومصداقيتك، عقلك الوضّاء، ارادتك الحازمة المحبّة، احتضانك القريب والغريب... قلبك المتعب المشرّع الأبواب في زمن التمزق ".

كلمة مركز الحزب

وألقى العميد الرفيق رياض نسيم (الامين لاحقاً) كلمة المركز قال فيها: " نلتقي اليوم في هذا الوادي الجميل، وبناسه الطيبين، لنؤبن ولنكرم مناضلاً عريقاً من مناضلي الحزب، إنه الأمين الراحل رامز اليازجي. إنه واحد من الذين أدركوا إن الأفكار الكبيرة لا تتحقق إلا بمزيد من الوعي والإدراك في مسيرة الصراع لتحقيق سيادة الأمة وعزتها في الوحدة والحرية.

وإنه واحد من الذين آمنوا بعقيدة، مدركاً أنها لا تتحقق إلا بقدر كبير من التضحية، وقهر الذات. ونكرانها، فانطلق الى ميادين النضال ناسياً جراحه النازفة ليضمد جراح أمته البالغة.

وقال: منذ ستة وخمسين عاماً، والأمين الراحل رامز اليازجي في ساحة الحزب، مقاتلاً منتظماً، مبشراً، داعياً الى عقيدة تساوي كل وجوده، تراه صريحاً كالحقيقة واضحاً كسطوع الشمس. جريئاً كالمغامر. شجاعاً كالمقاتل. يحمل دمه على كفه لا يهاب الموت. كونه مؤمناً أن الموت هو الطريق للحياة.

وقال: نلتقي اليوم في حضرتك وأمام رفقائك وفي حضرة هذا الوادي المهيب الذي أنجبك، لنقول إننا سنبقى نحن السوريين القوميين الاجتماعيين في ساحة الصراع، لأنها ساحة الحياة. سنبقى نقاوم المخرز الصهيوني حتى نحقق الانتصار الكبير لشعبنا وأمتنا.

نأتيك اليوم يا حضرة الأمين الراحل وساحتنا القومية تشهد أشرس الهجمات السياسية وأكثر المعارك العسكرية. كل ذلك بهدف تطويقنا والسيطرة على مواردنا وخيراتنا والقضاء على مستقبلنا.

وتابع: ان زيارة البابا الى الشام أبرزت وجهنا الحضاري وتراثنا العريق، وأن سورية هي مهبط الديانات ومركز انبعاث الإشعاع الفكري، وحامية المقدسات الإسلامية والمسيحية. بالأمس مشى قداسة البابا على درب القديسين فتأكد للعالم أجمع أهمية هذه الأمة في نشر الحضارة الإنسانية وفضلها في تحقيق قيم الحياة. وبالأمس أيضاً كان خطاب الرئيس الدكتور بشار الأسد يؤكد للحبر الأعظم أن سورية هي أرض التاريخ، وأنها الوطن الذي احتضن أقدم حضارات العالم.. وكان منارة من منارات المعرفة أضاءت للبشرية خلال قرون كثيرة، كان العالم خلالها، في معظم بقاعه. من هنا، من أرضنا. من شعبنا. انطلق هذا التراث العالمي الذي يدعو الى الأخوة والعدالة والمساواة. هال هذا الكلام بعض دول الغرب ومنها الولايات المتحدة وفرنسا. ورئيس أساقفة باريس لوستبييه الذي اسفاقت به عنصريته اليهودية. فانبروا، للإلتفاف على هذه الزيارة الناجحة. التاريخية. المميزة. فقادوا حملة منظمة على الجمهورية العربية السورية وخطاب رئيسها المتمسك بالثوابت القومية، وبسيادتنا، وبحضارتنا السورية العريقة، ولطمس ما يجري في فلسطين من مجازر بحق الأطفال والرضّع على يد العدو اليهودي. ونذكر هنا أن المجتمع الدولي عاقب الولايات المتحدة. فمنعها من الدخول في لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة جزاء على موقفها الداعم للعنصرية.



الرفيق رجـا اليازجي


نعاه الحزب بالكلمة التالية:

" كانت حياته عبرة في النضال الـدائب في سبيل امته ووطنه ومثالا وقدوة في جميع المناطق التي عمـل فها.

ساهم مساهمة فعالة في افتتاح المدارس القومية، وكان مديرا لثانوية النهضة ومشرفاً على بقية المدارس.

قام بمسؤوليات عديدة، فمن منفذ عام الى مندوب مركزي الى عميد للداخلية وناموس لمجلس العمد، وعميد مدير لمكتب الرئاسة، وعميد للثقافة ورئيس للجنة المؤتمرات النوعية، وفي كل هذه المسؤوليات كان القادر والمجلي الناجح. الى نضاله الحزبي، كان المثقف الاديب والمفكر السياسي العميق الواسع الاطلاع.

تقبل التعازي في قاعة سعيد تقي الدين: ندوة بيروت للانماء والثقافة والفنون قرب البريستول يومي الثلاثاء والاربعاء 21 و22 تشرين الثاني 1955 اعتبارا من الساعة العاشرة صباحا وحتى السادسة مساء.

وتجري مراسم الدفن في مرمريتا يوم الخميس الموافق فيه الثالث والعشرين من الشهر الجاري السماعة الثانية بعد الظهر، وتقبل التعازي بعد الدفن وفي ايام الجمعة والسبت والاحد 24 و25 و26 الجاري في منزله في مرمريتا".

وفيه قال الامين بشير موصلي في "الديار" بعد رحيله:

"عمر الرفقة خمسون عاما تقريبا. التقينا ونحن اعضاء في الحزب على مقاعد المعهد العربي بدمشق عام 1948. منذ ذلك الوقت ما عرفت الا ان الحزب همه الاكبر.

واستمر الحزب همه الكبير حتى غاب".

*

ولد الرفيق رجا عبد الكريم اليازجي في مرميتا عنام 1930.

اقترن بالسيدة دينا عبود عام 1942 ورزق منها جهاد، مريم وحنان.

ثقافته العامة عالية، مجاز في الفلسفة ورجل اعمال ناجح. تمتع بحضور مميز في بلدته، كما في كل مكان تواجد فيه.

انتمى الى الحزب عام 1944، وتدرج في المسؤوليات الحزبية الى ان تولى مسؤولية عميد الثقافة.

شارك في الثورة الانقلابية، وتمكن من الانتقال الى الاردن وفيها انضم الى الادارة العامة المؤقتة التي قادت الحزب في غياب مؤسساته الشرعية الدستورية. ثم انتقل الى غانا فالى نيجيريا حيث اسس مصنعا (اخشاب والمنيوم) وشارك في الانشطة الحزبية الى جانب رفقائه في افريقيا، الى ان صدر العفو وامكنه العودة الى الوطن فمتابعة نضاله الحزبي في شتى الميادين، وقد بقي وجهاً حزبياً قيادياً بارزاً الى ان غلبه ضعف في قلبه فاجرى عملية قلب مفتوح عام 1995 بعد عملية سابقة في العام 1979 .

في 19 تشرين الثاني 1995 غاب الرفيق رجا اليازجي ليوارى الثرى في بلدته مرمريتا، انما ليبقى حاضرا في تاريخ الحزب وفي وجدان كل من عرفه من رفقاء ومواطنين.



الـرفـيـق الكاتب والمؤرخ عيـسى الـيـازجـي وصـفحات من حيـاتـه

عرفت الرفيق عيسى اليازجي مقيما في اسبانيا، واطلعت باهتمام وتقدير على سيرته الحزبية وعلى الوفير من انتاجه الثقافي وهو كان اصدر على التوالي:

1- مآثر سورية في العصر الروماني- دار فكر للأباث والنشر- 1991.

2- سعادة والفكر السياسي- منشورات النهضة- 1994.

3- أضواء على فكر سعادة- بيسان للنشر والتوزيع- 1997.

4- آفاق الفكر السياسي، من سرجون حتى سعادة- بيسان للنشر والتوزيع- 1998.

5- دراسة تناولت المقاطعة العربية لإسرائيل والقوانين المضادة، بطلب من رئاسة مكتب جامعة الدول العربية في واشنطن دي سي – الدكتور كلوفيس مقصود.

6- المسيحية المتهودة في خدمة الصهيونية- 2004.

7- اعرف عدوّك: الصهيونية ثمرة اليهودية ونتاجها 13/12/2008.

8- الصهيونية الأنجلو – أميركية- 13/ 10/ 2008.

إلى ذلك هو مناضل قومي اجتماعي تولى مسؤوليات محلية ومركزية وعايش أحداثاً حزبية عديدة، رغب أن يسطرها في كتاب صدر مؤخراً بعنوان " صفحات من حياتي".

الرفيق عيسى كان اقام في اسبانيا، وقد سبق أن نشرنا عنه في أكثر من مناسبة، وتكلمنا عن مؤلفات قيمة أصدرها، من "صفحاته"، اخترنا الصفحات ادناه للإطلاع، وفيها إضاءة على جزء من تاريخنا الحزبي الذي نأمل أن يهتم بتدوينه كل من رافق الحزب في معاركه ونضاله ونشوئه القومي.

*

انتسـابي للحـزب السـوري القـومي الاجتمـاعي

وتـاريـخ ولادتـي الـثـانـيـة

أفلح نسيبي المرحوم رجا اليازجي(1) أن يقنعني بفساد الشيوعية كعقيدة، لأنها تدعو إلى حرب الطبقات الاجتماعية بينما يدعو الحزب السوري القومي إلى إلغاء الإقطاع وإقامة اللحمة الاجتماعية متمثلة بالوحدة القومية وإزالة التعصب الطائفي وسائر الأمراض التي يعانيها مجتمعنا، وأعطاني مبادئ الحزب، وكان رحمه الله يوضح لي ما خفي عليّ من مبادئه، كما حدثني عن سعادة وحربه على الانتداب الفرنسي وعملائه في سورية ودعوته إلى وحدة سورية قومية لسورية الطبيعية: الجمهورية الشامية ولبنان والأردن والعراق وفلسطين، وهكذا أقسمت اليمين الحزبية في حرج الصنوبر في البلدة بتاريخ 24/7/1946 وهو الموافق ذكرى تاريخ ميلادي، وأذكر أنني خاطبت القوميين بالقول:

" أشعر بعد انتسابي للحزب وأدائي القسم أنني أصبحت إنساناً جديداً، فقد مات فيّ الإنسان القديم وانعدمت فيّ الولاءات العائلية والطبقية والمذهبية وانتصر فيّ الولاء لأمتي ووطني سورية".

لم يمضِ أسبوعان على انتمائي للحزب حتى دعينا إلى اجتماع في حرج الصنوبر أيضاً، وإذا بثلة من الدرك تفاجئنا وتحاول التحقيق معنا وتنظيم ضبط يدعو إلى توقيفنا وإحالتنا إلى القضاء، ومنهم من أشهر السلاح علينا، وانتهى الأمر بوعدنا لهم أن لا نعود إلى الإجتماع إلا بموافقة مسبقة من مختار القرية الشيخ مراد اليازجي.

بدا لنا بوضوح أن الواشي ومدبر الفعلة هو المختار نفسه وذلك بسبب إنتماء ابنه يوسف وزوجة ابنه زكية الخضر إلى الحزب وخروجهما على سلطانه الأبوي.

كان منفذنا العام هو المرحوم يوسف المعماري المتقاعد من الجيش وناظر دفاعنا هو المرحوم حبيب أسعد اليازجي وهو متقاعد من الجيش أيضاً(2)، وكان الحزب يدير (ثانوية النهضة)(3) ويوليها جلّ اهتمامه، كانت مدرسة نموذجية درّس فيها على ما أظن المرحوم الرفيق السابق ميشيل أديب والرفيق الأمين والعميد السابق حيدر حاج إسماعيل(4).

*

زيـارة الزعـيـم إلى مدينـة الـلاذقـية:

منزل عبد الغني اسرب

في نيسان من عام 1948 زار الزعيم مدينة اللاذقية، وهي زيارة لا ولن أنساها على امتداد عمري مهما طال، نظراً للأحداث التي أحاطت بها ولتواجدي الدائم قربه وبرفقته والتعرف إلى شخصه ونظراً للحوادث البارزة التي رافقت تلك الزيارة والأحاديث التي تحدّث بها والآثار التي ترتّبت عليها....

لقد تعرفت على سعادة عن كثب، وأدركت بدون عناء تميّز هذه الشخصية وفرادتها فكراً وأخلاقاً وبلاغة وجاذبية.

ما أرغب في التحدث عنه وإبلاغه للقارئ، هو بعض الوقائع التي عشتها خلال هذه الزيارة، وعرّفتني بالمستوى الأخلاقي الرفيع الذي عليه سعادة، والتواضع الجّم الذي ملك علي نفسي وهزّ وجداني وتذكّرت قولاً قيل من مطرود من الحزب وهو (جبران مسوح): " أن بطون النساء ينبغي أن ترتاح مائة عام لتلد إنساناً بكبر سعادة وفكر سعادة وبطولة سعادة".

والقول بأن سعادة لم ينصفوه لا حياً ولا ميتاً، وتآمروا عليه حياً وميتاً هو بعض الحقيقة لا كلها، فقد تآمروا عليه حياً وميتاً، وأرادوا أن يتخلّصوا منه ليطمئنوا على مواقعهم السياسية التي بلغوها أفكاً وضلالاً على ظهر الشعب، فاستغلوا جهله واستغلوا المفاسد التي نخرت جلده حتى بلغت أعماق نفسه، وأشاعوا عليه الضلال ليضلّوا الشعب ويبعدوه عن قضيته، واستباحوا لأنفسهم الطائفية الخبيثة والمقيتة والبغيضة ليحاربوه بها، والإقطاع الفكري والسياسي والاجتماعي لينقصوا من عظيم عقيدته وريادته، فأرادوا ذلّه وأراد رفعتهم، كان النور والهداية التي أطفأوها بأحقادهم ومكرهم وخبثهم، فلم يتركوا حيلة إلا واحتالوا عليه بها، ولا مكراً إلا ومكروا عليه به، فما استطاعوا أن يبلغوا شسع نعله... كان صوته يملأ الأسماع ويجلجل في الآكام والوديان، فما استطاعوا أن يتمكنوا منه، وتآمرت عليه صهيون وعملاؤها من يهود الداخل، حتى أوقعوا به غدراً، فانتصر على كيدهم حتى في موته، وأعطى دمه زكياً طاهراً فداء لأمته وقضيتها، (فالدماء التي تجري في عروقنا ليست لنا، بل لأمتنا، نردّها للأمة متى كانت بحاجة للذود عنها والموت في سبيلها)....

هذه بعض الوقائع التي عشتها في هذه الزيارة التاريخية للاذقية، أرويها للقارئ ليطّلع عليها لتكون له ذخراّ وهداية:

كان الزعيم يزور حلب قبل توجّهه إلى اللاذقية، وكان منفذها آنذاك الأمين المرحوم نوري الخالدي، وكان من المقرر أن يحلّ طيلة فترة إقامته في اللاذقية في دار المرحوم عبد الغني أسرب أبي رفيقنا المرحوم عبد القادر، ناظر التدريب في منفذية اللاذقية، وأحد وجهاء اللاذقية المعروفين، وقائداً من قادة حزب الشعب فيها.

وفيما نحن نعّد لقدوم الزعيم، إذ بنا نفاجأ بزيارة وفد يمثل السيدين المرحومين عبد القادر شريتح رئيس الحزب الوطني، الكتلة الوطنية سابقاً في اللاذقية، والمرحوم أسعد آغا هارون المعروف بانحيازه إلى كتلة المرحوم خالد العظم في البرلمان الشامي.

عرض علينا وفد يمثل شريتح وهارون أن يمتنع الزعيم عن" الإقامة" في دار" عبد الغني إسرب" ويختار أي مكان آخر، وبالمقابل فإن شعب اللاذقية بقضّه وقضيضه سيسعى إلى لقائه واستقباله عند "مقص حلب" أي مفرق حلب، حسب اللغة العامة في اللاذقية.

لا أخفي القارئ أن العرض استهواني لدرجة أنني ذهلت عن نفسي، وتمثلت الزعيم في موكب تحفّ به الألوف من البشر والسيارة التي تقلّه محمولة على الأكتاف... ولم أستفق من ذهولي إلا على صوت المرحوم الأمين عيسى سلامة يستحثني على وجوب القبول، إلا أنني رأيت أن مسؤوليتي لا تخوّلني أن أقرّر موقفاً بهذه الدرجة من الأهمية ويخصّ الزعيم وحده.... وتحدثت مع الأمين الخالدي وسألته عن الزعيم، فأفادني أن الزعيم موجود الآن في جسر الشغور وهو مدعوّ للغداء على مائدة رفيقنا الشامي (نجدة النجاري) وأعطاني رقم هاتفه.

موقف الزعيم كان واضحاً غاية الوضوح، قولوا للوفد: " إن الزعيم لا يحلُّ ضيفاً على السيد عبد الغني إسرب، بل على ابنه عبد القادر ناظر التدريب"، طبعاً هذا لم يقنع (شريتح) و (هارون) فقررا مقاطعة الزيارة.

وأتى الزعيم، وكان القوميون الاجتماعيون وأصدقاؤهم في لقائه، أما الجموع فقد احتشدت في الشوارع لرؤيته، كان يمثل ضمير الشعب ومصدر عزّته وارتقائه.... ونزل الزعيم من السيارة التي كانت تقلّه وسط عاصفة من التصفيق ترحيباً، وتعالت الأصوات بحياة سورية وحياة سعادة..... وفي البهو الفسيح الذي كان يغصّ بالقوميين وحلفائهم وأنصارهم، شقّ الزعيم الطريق وسط عاصفة من التصفيق والتهليل بحياته وحياة سورية....

كلمة الترحيب بالزعيم ألقاها المنفذ العام جميل مخلوف، تبعه الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) الذي ألقى قصيدة بمناسبة زيارة الزعيم لا أزال أحفظ منها هذين البيتين من الشعر:

زعـمـوا أنـك انـكـمـاش وفـي نفـسك للفيـض ألـف هـادٍ وهادي

كـل غـازٍ لا يُنْـهل الحق منـه هــو أقـصـوصـة الـرؤى والســواد

ثم وقف الزعيم ليلقي خطابه التاريخي، الذي أُعدُّه من أروع خطبه وأبلغها.

تحدّث عن النهضة ومفهوم الصراع ونظرته إلى الحياة والموت، وكأنه كان يتنبأ بمصيره الذي كان يعدّه له المتآمرون، يهود الداخل.

أما بشأن ما دعا إليه متزعّمو اللاذقية لمقاطعة استقبال الزعيم، فلم يكن مجدياً ومقنعاً للشعب، فقد غصَّ المكان على رحبه بالقوميين الاجتماعيين وأصدقائهم، كما غصّت الشوارع القريبة من المكان الذي حلَّ فيه، وبالألوف. كان من بينهم من أتى لسماع خطبته، ومنهم من أتى لرؤيته وقد سمع عنه الكثير، ومنهم من أتى ليرى عمّا إذا كان سعادة يلحِنُ في اللغة العربية، وعلى رأسهم، المرحوم إدوار مرقص عضو المجمع العلمي العربي وكان كهلاً في الثمانين من العمر، ومنهم من أتى إعجاباً به، وعلى رأسهم الشيخ (الحكيم) – لا أذكر اسمه الأول- صاحب جريدة (الصباح) اللاذقانية.

في اليوم التالي لوصول الزعيم عقدت هيئة المنفذية اجتماعاً، وقيّمت الاحتفال وقرّرت، وكان قرارها صائباً، أن تخصّص للزعيم غرفة في (الكازينو) فندق السياحة والاصطياف حالياً، مكاناً لاستقبال الوفود التي ترغب بالتعرف عليه ولقائه والتحدث معه وسؤاله بل واستيضاحه عن شؤون قومية وفكرية وسياسية وفنية وأدبية يريدون التعرّف بها من فمه وليس من أفواه آخرين.

ووافق الزعيم على قرار المنفذية، وهكذا أخذت الجموع البشرية تتوافد، ليس من اللاذقية، فقط بل من المدن والقرى التي تحيط بها والقريبة منها.

ودارت أحاديث، كم كان من المفيد تسجيلها نظراً لأهميتها وتنوّعها، وأذكر أن السيّد مظفر الياس، أخ رفيقنا سهيل، وجّه للزعيم سؤالاً عن (الموسيقى الشرقية) والتي يدعونها بالعربية وعن إمكانية تطويرها لتصبح موسيقى على مستوى عالمي.

إلتمعت عينا سعادة ببريق غريب، وقد سُرّ سروراً بالغاً بالسؤال، وسأل مظفّر إذا كان يعرف الموسيقى أو أنه موسيقي، ولما أجابه بالنفي، بدأ الزعيم يتحدث عن الموسيقى العالمية وكأنه يحاضر فيها، وسُمّرت العيون فيه وشخصت إليه، حتى الموسيقى فإنه العارف بها وبأسرارها ولغتها وتاريخها وتطورها وأساطيرها، ولم يشذ عما ذكره في قصته (عيد سيدة صيدنايا) وما قاله (سليم) بطل القصة بكيفية تطوير موسيقانا.

ثم سأل المرحوم الأمين عيسى سلامة عن قضية (فايز الصايغ) وما رافقها من إشكالات حزبية وفلسفية، وكان عيسى من المنحازين له والدّاعين لعدم طرده من الحزب، كان الزعيم على علم بموقفه، فلم يظهر أي انفعال أو ردود أفعال، بل أخذ يوضح لعيسى الامور التي فاته النظر فيها بجوانبها الدستورية والفلسفية وعدم تراجع صايغ عن موقفه وإصراره على نظرته أو بالأحرى التي نقلها عن فلسفة (الأنا الفردية) المتمثلة بأنبيائها (كير كيغارد) و (برد يايف).

لم يتوان سعادة عن إيضاح ما غَمُض، فسأل إذا كان يريد أن يستوضح عن شيء فلم يبد عيسى أي اعتراض بل وافق تمام الموافقة على قرار الزعيم بإعادة الوحدة الفكرية للحزب، فنصحه سعادة أن يدقِّق في الأمور قبل أن يحكم عليها، ولا يتخذ مواقف مسبقة متسرعة.

في اليوم التالي لوصول الزعيم دعاه المرحوم الأمين فؤاد الشوّاف لتناول طعام الفطور (الترويقة) في بيته، وكنت من جملة المدعوين.

لحظت أن سعادة يحجم عن استعمال السكر لتحلية الشاي والحليب ويستعمل بدلاً عنه العسل، وسألته عن السبب، فأفادني أن كبده ليس على ما يرام وأن الأطباء نصحوه باستعمال العسل عوضاً عن السكر.... ثم أخذ يتحدّث عن (واقعة) بدا لي واضحاً أنه على علم بها، وأن الرفيقة المرحومة إميلي حلبي هي التي نقلتها إليه.

ما استوقفني هو أن سعادة ذكر الأسماء واكتفى بسرد المهّم من الوقائع، وكان يتقصد الإيضاح للردّ على هؤلاء المفترين (الموغلين) في الكذب والحقد والافتراء والأفك. وتفصيل الأمر أن المغترب (يوسف اليازجي) قدم إلى الوطن، وكان رئيساً لفرفة التجارة العربية – البرازيلية وتبرّع للجامعة السورية (الشامية) بمبلغ من المال باسم الجالية الشامية في البرازيل، كما تبرّع لمرمريتا بمولّد للكهرباء، بحيث أصبحت مرمريتا، البلدة الأولى في وادي النصارى، التي تنار بالكهرباء.

وما لفت انتباه المغترب (يوسف اليازجي) أن شباب العائلة بل شباب القرية في معظمهم قوميون اجتماعيون، مما لم يستسغه أو يتقبّله، فأخذ ينتهز الفرص لمهاجمة الزعيم شخصياً، من دون تناول مبادئ الحزب، مما يوحي بأنه كان لا يعلم شيئاً عنها، أو حتى كأنه ليس في هذا المستوى من العلم.

وحصل أن ذهبت مع المرحوم والدي للسلام عليه، فسألني عن دروسي، ثم عن اتجاهاتي السياسية، فأعلمته بأنني قومي اجتماعي، فقال لي مبتسماً أو بالأحرى متكلفاً الإبتسام: أتعلم أن أنطون سعادة كان على خلاف مع والده العلاّمة الدكتور خليل سعادة، وأن الأمر وصل به إلى حدّ أنه ضرب والده). عندها لم أحسّ إلا وأنا أهمّ بصفعه لولا تدخل الوالد وذهول الحضور، وكان من بينهم الرفيقة إميلي حلبي التي كانت تربطها بزوجته صلة القربى.... وبدا لي واضحاً أنها روت الحكاية بتفاصيلها لسعادة.

لقد حدثنا سعادة عن علاقته الحميمة بوالده والتصاقه به ومساعدته في جميع الشؤون والأعمال، العائلية منها والثقافية، ثم تناول ما هي عليه نفسية المغتربين وأحقادهم وتفرّقهم شيعاً وطوائف متحاربة، بينما اليهود يعملون لإقامة دولتهم على ترابنا القومي...

ويبدو لي أن الزعيم كان يلحظني ويلحظ كيف كنت ألتهم السيجارة تلو الأخرى، مما حدا به أن يقول لي: (رفيق يازجي لماذا تحرق صحتك بالدخان)، وشعرت أنه راغبٌ أن أتركها... وهكذا فعلت. ورميت السيجارة أرضاً، ولم أعد إليها إلا عندما بلغني نبأ إعدامه.

ثم سألني عن دراستي، فأجبته أنني أدرس الحقوق.... وأنني في السنة الثانية..... واستوضحني عن المواد التي ندرسها، فعدَدْتها له، وكان بينها (الحقوق الرومانية) فقال لي: (أتعلم يا رفيق يازجي شيئاً عن الدور السوري في صياغة هذه الحقوق وكمالها). قلت له: (ليس بالمستوى المطلوب). قال لي: (إذاً أطلب منك أن تعدّ لنا دراسة تتناول هذا الدور) ووعدته بأن أفعل، ولم أحقّق وعدي إلا بعد أربعين عاماً، بتأليفي كتاباً بعنوان (مآثر سورية في العصر الروماني) نُشِر فعلاً في "دار فكر للأبحاث والنشر".

*

رحيل الرفيق عيسى اليازجي

بعد ان اعددت الصادرة الواردة ادناه الى منفذية اسبانيا لسؤالها عن الرفيق عيسى اليازجي، اتصلت بحضرة وكيلة عميد شؤون عبر الحدود الرفيقة داليدا المولى اسألها عن الرفيق المذكور فأفادتني انها تسأل عنه منفذ عام اسبانيا الرفيق عدنان عزالدين، فتطمئن.

اوقفت توجيه الصادرة، بعد ايام وبتاريخ 02/06/2017 قرأت في "البناء" نبأ وفاة الرفيق عيسى، وقد جاء فيه ما يلي:

" بتاريخ 27 أيار 2017، غيّب الموت في إسبانيا الرفيق المحامي عيسى فؤاد اليازجي عن عمر 90 عاماً، وهو من رفقاء الرعيل الأول، وقد اقيم له مأتم حافل في اسبانيا، وقداس لراحة نفسه في كنيسة القديس بندلايمون في مرمريتا.

" الرفيق الراحل من مواليد مرمريتا 24-7-1928، تلقى علومه الأولى في مدرستها الإبتدائية، وانتقل لاحقا الى مدرسة اللاييك المتوسطة في طرطوس، قبل أن يتابع دراسته الثانوية في الكلية الأرثوذكسية بحمص، حيث حاز على شهادة البكالوريا عام 1947، وانتسب الى الجامعة السورية - كلية الحقوق عام 1952. وزاول مهنة المحاماة في دمشق لسنوات عديدة قبل ان ينتقل الى المهجر.

" قصد الراحل أسبانيا أواسط تسعينات القرن الماضي، قادماً من الولايات المتحدة الاميركية حيث إستقر هناك مع ولديه، فعمل على نشر العقيدة القومية الإجتماعية، وعرف بنشاطه الثقافي والإذاعي في أوساط القوميين.

إنتمى الرفيق الراحل الى الحزب السوري القومي الاجتماعي في 24-7 -1946، وتولى مسؤوليات إدارية واذاعية مختلفة.

" رافق حضرة الزعيم خلال الزيارة التي قام بها الى اللاذقية سنة 1948، حيث كان يتولى مسؤولية مدير مديرية الطلبة.

" إعتقل اكثر من مرة، وبقي ثابتاً على ايمانه ومبادئه.

*

الرسالة التي كنت اعددتها:

" حضرة منفذ عام اسبانيا المحترم

تحية سورية قومية اجتماعية

آمل إفادتي عن صحة الرفيق عيسى اليازجي، وعما اذا كان على تواصل مع المنفذية.

كنت وجهت اكثر من رسالة الى الرفيق عيسى وتلقيت منه رسائل ومعلومات. يهمني ان اكتب له بواسطة المنفذية او مباشرة في حال توفر لدي عنوانه الالكتروني، لمواضيع تهم تاريخ العمل الحزبي في الوطن.


المركز في 29/05/2017 ولتحي سورية وليحي سعاده

الامين لبيب ناصيف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*

كنت قرأت للرفيق عيسى اليازجي وقرأت عنه، كما كنت التقيت به اكثر من مرة. وفي آخر زيارة له الى الوطن اتصل بي هاتفياً من مدينة اللاذقية ووعد ان يحاول الوصول الى بيروت فنلتقي. مع الاسف لم يتمّ ذلك، وبالتالي لم اقعد مع الرفيق عيسى لاسأله الكثير من معلوماته التي تفيد تاريخ الحزب، بعد ان كنت استلمت منه تقريرين:

الاول: عن سيرته، واني انشر منها ما لم يرد في النبذة المنشورة في "البناء"

والثاني: معلومات كثيرة عن الحزب في الشام، انشرها ادناه كما وردت في التقرير.

*

سيرة ذاتية

 اسم الام: ظريفة عبدالله اليازجي

 اسم الزوجة الكامل: انريكيتا سعاده فرناندز وكانت اقسمت اليمين الحزبية على يد اشبيننا في الزواج الامين عبدالله القبرصي، دون ان تفقه شيئاً عن الحزب او تعرف ما ينبغي ان تعرف عن مقاصده ومراميه، سوى ان عمّها هو، المرحوم الرفيق المناضل ميشيل سعاده، وان من ستقترن به هو قومي ايضاً. ثقافتها العامة مقبولة فيما يختص بالشأن السوري، وان كانت متأثرة بالمفاهيم الاوروبية، الا انها وبحكم إقامتها في دمشق لمدة تقارب 26 عاماً، وبحكم معاناتها اليومية من ألم الملاحقة والحرمان، بسبب زوجها القومي.. أصبحت تعرف الكثير مما كانت تجهله.

 تاريخ ومكان الانتماء: اقسم اليمين في مرمريتا بتاريخ 24/07/1946 ـــــ الموافق يوم مولده على يد نسيبه الرفيق رجا يازجي. وقد تمّ ذلك في حرج الصنوبر العائد للقرية.

 دراسته وثقافته العامة: الدراسة العليا تمّت في الجامعة السورية، حيث تخرّج عام 1952 حاملاً اجازة في الحقوق ودبلوم اختصاص في الحقوق العامة. عمل محامياً في مدينة دمشق مدة ثلاثين عاماً. أحال نفسه بعدها على التقاعد.

*

معلومات وردت من الرفيق عيسى اليازجي تفيد تاريخنا الحزبي

زيارة سعاده الى مرمريتا عام 1936: كان عمري وقتئذ لا يزيد عن ثماني سنوات. مع هذا لا ازال اذكر هذا اليوم واذكر سعاده بثيابه الرصاصية اللون والحشود الشعبية التي قدمت لسماعه والتقائه، كما اذكر انه تناول طعام الغداء في بيت جدي لأمي، بحكم كون خالي المرحوم الياس عبدالله اليازجي المحامي، المنفذ العام لمنطقة تلكلخ... واذكر ايضاً ان اخاه الاصغر المرحوم الدكتور اسبر اليازجي القى في المناسبة قصيدة، "كان منها هذا البيت "النبوءة":

صَـلـبُ المسيح مثال كل بطولة فعليكم ان تصلبوا للأمة

نعم، لقد صلبوه، "فريسيو" الميثاق الوطني، اعداء الوطن والامة.

انتصار مرشح الحزب في الوادي: عقب هذه الزيارة انتصر مرشح الحزب في "وادي النضارة" المرحوم الرفيق المحامي الياس الجرجس على منافسه المرحوم الدكتور الياس عبيد.

الانتداب الفرنسي يلاحق القوميين: المستشار الفرنسي Jelari DE LATOUR اختار مرمريتا للاقامة فيها بديلاً عن مركز القضاء "تلكلخ"، لطيب هوائها وثقافة اهلها، ولا ازال اذكر ان هذا المستشار دعا اهل القرية الى الساحة العامة ليلقي فيهم كلمة هدد فيها القوميين او بالاحرى الحزب السوري القومي P.P.S. (حسب التسمية الفرنسية) بالويل والثبور وعظائم الامور، كما اذكر ان المرحومة والدتي دعتني للذهاب لبيت خالي المنفذ العام، لأحمل بعض اوراق الحزب تحسّباً من إلقاء القبض عليه، وفعلاً حملتُ هذه الاوراق واخفيناها عن الانظار.

من المفيد ان اذكر ان "مرمريتا" كانت، كما اسماها سعاده ولا تزال "مشتلاً للحركة القومية الاجتماعية" ومنطلقاً لها.

لقد نشطتُ في مرمريتا ودرّست فيها، في معهدها الكاثوليكي لمدة عام، تخرّج من تحت يدي قوميون اجتماعيون من مرمريتا والوادي، اعتزّ بهم ويتفاخرون اني كنت عرابهم".

في حمص: انتقلت من كلّية البعثة العلمانية الفرنسية Mission LaÏque Francaise في طرطوس بعد اغلاقها، الى الكلية الارثوذكسية في حمص التي كان يديرها ابن خال المرحوم والدي المرحوم الاستاذ ندرة اليازجي، والتحقتُ مباشرة في صفوف المنفذية العامة في حمص التي كانت مؤلفة من الرفقاء مصطفى الدروبي (منفذاً عاماً)، ماهر الجندي (ناموس المنفذية)، احمد شمنق (ناظراً للاذاعة)، بدري الاخرس (ناظراً للمالية)، ولا يحضرني الآن اسم ناظر التدريب. توليتُ في ذلك الحين مسؤولية مدير مديرية الطلبة، وكان يساعدني الناموس عبدالله الكنج الدندشي(1) والمذيع اكرم الدندشي(2).. وبذلنا نشاطاً حثيثاً حتى بلغ عدد المنتسبين 24 قومياً.

كان الصراع على اشدّه بين العديد من قوميين الشام وبين المركز الذي كان يرأسه "الامين السابق" نعمة ثابت، والذي اجرى تبديلات جوهرية على التوجه العقائدي والشعارات الحزبية انسجاماً مع الترخيص الذي حصل عليه من السلطات اللبنانية للحزب باسم "الحزب القومي" وليس الحزب السوري القومي" فألغى شعار الزوبعة وأحلّ محله شعاراً آخر مختلفاً تماماً وهو عبارة عن دائرة يقسمها خطّان يتقاطعان في الوسط بحيث تصبح على شكل اربعة مثلثات مستدير القاعدة: في المثلث الاعلى "حرية" ويليه في المثلث الثاني "واجب" وفي الثالث "نظام" والرابع "قوة".

اما تحيتنا القومية وهي "تحيا سورية"، فقد حظر على القوميين ترديدها والاكتفاء بعبارة "تحيا" ؟

ناهيك على إهمال قوميي الشام وترك شؤونهم بحيث اعتبروا كمّا مهملا بالنسبة للمركز"

طبعاً انعكس هذا نقمة من مناضلي الحزب الاوائل.

في حمص كان "المعبّر" عن هذه النقمة الرفيق احمد شمنق الذي بحكم اخلاصه القومي للعقيدة والنظام القوميين تابع نشاطه الاذاعي ولم يخف موقفه عن القوميين الاجتماعيين ومنهم الطلبة.

واذكر انني رفعت تقريراً الى هيئة المنفذية انتقدتُ بشدة موقف المركز، بل حملت على الرئيس (نعمة ثابت) ومعاونيه، ورَفعت المنفذية التقرير بنصّه الى ادارة الحزب المركزية، ويبدو انها تحرّكت، فقد دُعينا لإجتماع مع رئيس الحزب نعمة ثابت وعضو المجلس الاعلى الذي كان عميداً للمالية المرحوم الامين جبران جريج(3)..

ولا ازال اذكر ان الاجتماع تأخر وبدأ القوميون يتململون.. واخيراً قدَم ثابت ومعه جريج، واذا بالامين جريج يتكلم قائلاً: حقاً إنه لصبر جميل.. فتصدّيت له قائلاً: لا ليس جميلاً منكم ما فعلتم وما تفعلون.."

أصبحت الاجواء عاصفة.. وكانت عقوبتي إعفائي من مسؤولية مدير مديرية الطلبة. بعد فترة من الزمن حلّ الرفيق "برهان الاتاسي" محل المنفذ "الدروبي" ثم حلّ الدكتور سحلول (سامي سحلول) محل الاتاسي واخيراً تولى المنفذية الرفيق المرحوم الامين الدكتور عبد الكريم الشيخ"(4).

كان الدكتور عبد الكريم يعمل في المستشفى الوطني في حمص، عندما اشتعلت المظاهرات وحصلت الصدامات بين المتظاهرين وقوى الانتداب الفرنسي وسقط عدد من الجرحى والقتلى..

ما اذكره ان الدكتور عبد الكريم استولى على ادوية المستشفى وحملها الى جامع في حمص يقع على الطريق الممتدة الى طرطوس واللاذقية، وجعل منه مستوصفاً يداوي فيه الجرحى والمصابين من المواطنين.

كان لفعله هذا صدى عظيم، فقد اصبح اسمه على كل شفة ولسان واصبح اسم الحزب الذي يتولى ادارته محط انظار القاصي والداني.

في اللاذقية: على اثر نجاحي في شهادة الدراسة الثانوية وانتسابي لكلية الحقوق، غادرتُ حمص الى اللاذقية لأعمل مدرّساً في كلية "الارض المقدّسة" ولأتولى مسؤولية مدير لمديرية الطلبة في منفذية اللاذقية.

كانت المنفذية مشكلة على النحو التالي: الامين جميل مخلوف (منفذاً عاماً)، الامين فاضل الكنج (ناموساً للمنفذية)، سهيل الياس (ناظراً للاذاعة)، الامين فؤاد شواف (ناظراً للمالية) المرحوم الرفيق عبد القادر اسرب (ناظراً للتدريب).

في تلك السنة اي في عام 1948 زار الزعيم مدينة اللاذقية، وهي زيارة لا انساها على امتداد عمري نظراً لتواجدي شبه الدائم برفقة الزعيم اولاً ونظراً للاحداث البارزة التي رافقت الزيارة وترتّبت عليها ثانياً.

لقد تعرّفت عن كثب على شخصية الزعيم وادركتُ بدون كبير جهد تميّز هذه الشخصية وفرادتها فكراً واخلاقاً وبلاغة وجاذبية.

ما استوقفني هو ان سعاده استبعد ذكر الاسماء واكتفى بسرد المهم من الوقائع، وكان يتقصّد الايضاح للرد على هؤلاء المفترين الموغلين في الكذب والحقد والافتراء و.. وتفصيل الامر ان المغترب يوسف اليازجي قدم الى الوطن، ويبدو انه كان رئيساً لغرفة التجارة العربية ـــ البرازيلية وأنه تبرّع للحكومة السورية (الشامية) بمبلغ من المال باسم الجالية الشامية في البرازيل، كما تبرع لمرمريتا بمولّد للكهرباء بحيث اصبحت مرمريتا البلدة الاولى في "وادي النصارى" التي تُــنار بالكهرباء.

المرحوم غابي وديع سعاده في مقابلته للزعيم: المرحوم غابي سعاده من مثقفي سورية النادرين، خاصة فيما يتعلق بالتاريخ السوري القديم وبالاخص مدينة "اوغاريت"، رأس شمرا القريبة من اللاذقية، وكانت تربطه علاقة وطيدة بالمنقّب الباحث الفرنسي، مكتشف المدينة، حتى انه كان يستضيفه في كل مرة كان يأتي اللاذقية. فضلاً عن انه كان يمتلك مكتبة نادرة اهداها قبيل وفاته الى "جامعة تشرين" في اللاذقية.

فضلا عن كل ذلك كان يجيد الفرنسية كأحد اهلها، بينما يتحدث العربية بركاكة، والمعروف ان الرئيس الاسد كان يوفده الى فرنسا في كل مرة كان ينعقد فيها مؤتمر ثقافي يتعلق بسورية ليتحدّث باسمها.

كان الرفيق فؤاد اليازجي، رحمه الله، على معرفة به، وكان الزعيم يبدي اهتماما خاصاً في مجريات التنقيب،

فاقترحتُ على الرفيق ان نذهب للقاء المرحوم جابي ونعرض عليه لقاء بالزعيم. وفعلاً ذهبنا، الرفيق فؤاد وأنا، وتحدثنا معه عن وجود الزعيم في اللاذقية، وعما اذا يرغب في لقائه والتحدث معه، فأجابنا: انا عربي وزعيمكم يدعو الى القومية السورية، قلنا له انت سوري وملامحك لا تدل على انك عربي، أجابنا ضاحكاً انا عربي لثلاث، لاني اتحدث العربية (وهو يجهلها) واشرب النارجيلة (وهي تركية او فارسية) ومن المغرمين بصوت "ام كلثوم"! وغرقنا جميعنا في الضحك.. وطلب منا تحديد موعد له للقاء الزعيم.

روينا للزعيم ما جرى بيننا وبين جابي، واوضحنا له جوانب شخصيته واهتماماته الثقافية، فوافق الزعيم على اللقاء وأتينا برفقة جابي، وتناول الحديث، الذي كان معظمه باللغة الفرنسية مبادىء الحزب وموقفه من العروبة، وسبب اعتبار جزيرة قبرص جزءاً من الارض السورية.

افاض الزعيم بالشرح وخاصة فيما يتعلق بجزيرة قبرص وتاريخها وأهميتها الستراتيجية بالنسبة لسورية.. ولم يبدُ على جابي الاقتناع، فلما انتهى الاجتماع، قال لنا: سيأتي الدكتور شيفرز (مكتشفاً اوغاريت) الى اللاذقية قريباً وسأباحثه بأمر جزيرة قبرص وعلاقتها بسورية.. فطلبنا منه ان ينقل إلينا الجواب.. ووعدنا بذلك.. ولم يمض وقت طويل حتى ابلغنا بجواب شيفرز القائل "إن من لا يقول بأن قبرص سورية لا يعرف شيئاً في التاريخ والجغرافيا".

الزعيم يزور مصطفى الشهابي محافظ اللاذقية: " "الامير" مصطفى الشهابي كان محافظاً لللاذقية عندما زارها سعاده، ويبدو انه رغب في زيارة الزعيم له، كما يبدو ان هيئة المنفذية رأت في هذه الزيارة منفعة للحزب ونشاطه العام في المحافظة، مما جعلها ترغب الى الزعيم ان يقوم بها، ووافق الزعيم على هذه الرغبة وتحدد موعدها.. وعلمت بذلك قبيل القيام بها نقلاً عن المرحوم الامين اديب عازار، وعارضتها بشدة، فالزعيم هو التعبير الحي عن حقيقة الامة وكرامتها، بينما مصطفى الشهابي يمثل الاقطاع الشهابي بأحلى معانيه، فمحافظة اللاذقية تبدو له أمارة شهابية على كل زائر لها ان يظهر ولاءه له ويؤدي له مراسيم الطاعة.. كان صراخي يعلو وانفعالي يزداد كلما حاول الامين اديب الدفاع عن قرار المنفذية.. كان الزعيم ورائي وانا لا ادري انه كان واقفاً على شرفة الفندق وانا لا ادري بوجوده.. ولم اشعر الا ويد تربت على كتفي، والتفتُ لارى الزعيم، فأخذت التحية قائلاً: عذراً حضرة الزعيم.. فأمسك الزعيم بيدي طالباً اللحاق به الى القاعة التي يخلو بها الى زائريه، وبدأ يحاورني بأناة.. وأنا اتطلع الى ساعتي، فلم يعد يفصله عن موعد الزيارة الا ربع ساعة، وأنا لا اريد ان اكون سبباً للتأخير.. وقد لحظ الزعيم ذلك، فقال لي: رفيق يازجي، انا ذاهب لزيارة الشهابي بعد ان استنسبتها هيئة المنفذية ورأت بها منفعة للحزب.. لست ذاهباً لاجعل من الشهابي قومياً اجتماعياً.. انت الذي تهمّني وليس الشهابي، لانك انت القومي الاجتماعي وليس هو.. معك، الوقت في خدمتنا ولسنا في خدمة الوقت.. أظهرت للزعيم او تظاهرت انني مقتنع بالزيارة حرصاً مني ان يصل الزعيم في الموعد المحدد للزيارة.. ودّعني الزعيم على رجاء الاجتماع به بعد الزيارة.

كان موقع السراي قريباً جداً من الفندق، واستبقتُ الزعيم الى هناك لارى كيف سيتمّ استقباله.. ترجّـل الزعيم من السيارة التي تقلّه، وعلى المدخل حيّاه دركيان بالسلاح وتجمّع الموظفون في باحة السراي ليرى الزعيم.. لم يبق واحد منهم في مكتبه، كلّهم كانوا في الخارج.. وصعد السلّم واستقبله عند مدخل قاعة المحافظ، رئيس ديوان المحافظة رفيقنا ونسيبي من جهة أبي، المرحوم عزّة سعد الدين ودخل أمامه الى غرفة المحافظ مرحباً. دامت الزيارة زهاء نصف ساعة او اكثر قليلاً، عدتُ برفقة الزعيم بعدها الى الفندق.. وهناك حدّثنا عما جرى من أحاديث مع الشهابي.. وما أذكره ان هذا الاخير سأل الزعيم عما يقصده بالصراع، العبارة التي اوردها وشدّد عليها في خطابه، انها حتماً تعني الصراع الفكري.. فأجابه سعاده: "نحن نعني بالصراع بمفهومه الشامل. نصارع بالدم عندما نرى ان أمتنا بحاجة الى دمائنا، ونصارع بالفكر لكي تنتصر أمتنا بنا على المفاسد والعراقيل التي تعيق تقدّمها ووحدتها "..

زيارة سعاده الى اللاذقية وذكرياتها وأحداثها الغنية، أستعيدها دوماً، لأنها شكلّت منعطفاً فاصلاً في حياتي لما حملت من معانٍ وقيم..

في دمشق

غادرتُ اللاذقية الى دمشق برفقة اهلي لاتابع دراستي الجامعية وليتابعها أخويّ: صلاح في الصيدلة وسعدالله في الطب، وقد استأجرنا داراً في حي "عين الكرش" كان ملاصقاً لدار الامينة الاولى وبناتها، مما هيأ لي التعرّف بها عن كثب والتعرف ببناتها الصغيرات في ذلك الحين صفية، اليسار وراغدة.

اول مهمة كُـلفت بها كانت ترتيب ما تبقى من مكتبة الزعيم، وبعد التداول، مع الامينة الاولى تم الاتفاق على ان يتم تصنيف الكتب ثم ترتيبها ووضعها في مكتبة خشبية سوداء اللون متواضعة لابعد الحدود .. مما جعلني أتصفح معظمها، الذي كان باللغة الالمانية وأبرزها مؤلفات الفلاسفة نيتشه وهيغل وبعض كتب ماركس، تليها كتب باللغة الانكليزية وغيرها بالفرنسية والبرتغالية.. اما العربية فكان معظمها يتناول الديانة الاسلامية: كالقرآن الكريم وصحيح البخاري وغيرها.

ولا اذيع سرّاً اذا قلت إنني تصفحت معظمها عمدا لارى اذا كان الزعيم قرأها.. كانت صفحاتها مليئة بالهوامش والتعليقات بخط الزعيم، خاصة الكتب الفلسفية والاسلامية والتاريخية، ووأخصّها مؤلفات كرينارد وبرديايف التي منها نهل المرحوم الدكتور فايز صايغ فلسفته الفردية ودعا لها بين القوميين طيلة تسلّمه وظيفة عميد الاذاعة..

سألتُ الامينة الاولى رحمها الله، عن قراءات سعاده الاخرى، فقالت: إنه كان مغرماً بالكتب والمطالعة، فكان بالرغم من مشاغله الحزبية والكتابية والمقابلات الخاصة منها والعامة، كان يمضي الساعات الطوال في المكتبات العامة.. وكنت اعرف فيه هذه الهواية، فأرافقه الى دور الكتب وأرقبه وهو يتطلع الى عناوينها وأسماء مؤلفيها حتى إذا عثر على ضالته، كان يمسك الكتاب ويتصفحه، ثم يعيده الى مكانه، ثم يعود إليه مرة اخرى يقلّبه بين يديه فأعرف انه راغب فيه، وان ما يمنعه عن اقتنائه ضيق ذات يده... فأدوّن اسم الكتاب واسم مؤلفه دون ان يراني، وأبدأ في توفير ما استطيع حتى اجمع ثمن الكتاب فأشتريه وأقدمه إليه، فتغمره فرحة عارمة فيشكرني ويقبلّني ويحدّثني عن أهمية الكتاب وأهمية مؤلفه.

القليل تحدث عن الامينة الاولى، هذه المرأة الطيبة الفاضلة التي اختارها سعاده لمشاركته نضاله، آلامه وآماله، عرفت فيها ايمانها بزوجها ومآثره ومآتيه الفكرية والحزبية. كما عرفت فيها ايمانها المطلق بتعاليم الحزب ونظامه، عرفت فيها الخلق الرفيع والأم الرؤوم، ليس لبناتها فقط، بل لكل قومي او قومية يلتمس منها النصح.. كانت مثال المرأة الوفية الرقيقة الإهاب.

زارت مرمريتا وأمضت اياماً عدّة فيها، خالطت فيها الناس وتعرّفت بهم نساءً ورجالاً، تجولّت في قرى الوادي واطلعت على آثاره القديمة كقلعة الحصن ودير الحميراء.. كما زارت صافيتا واحتفى بها اهلها وخصّوها بالاحترام والتبجيل. نزلت في بيت منفذها العام المرحوم الدكتور صادق الطيّار وأحسّ فيها الناس قرينة سعاده ورفيقة نضاله..

- المهمة الثانية التي تولّـيتها كانت نظارة إذاعة منفذية دمشق العامة او ناموس المنفذية (لا اذكر بالضبط) وعندما تعرّفت على جورج عبد المسيح تولّيت وظيفة ناموس مكتب عبر الحدود الذي كان يرئسه عبد المسيح نفسه، كما كلّفني بتدقيق افتتاحياته التي كان ينشرها يومياً في جريدة "البناء"، لغة فقط وليس مضموناً"

- في دمشق علمتُ بمصرع سعاده: ما كنت اعرف شيئاً عن وجود سعاده في دمشق، ما عرفته بعد ذلك ان الزعيم حلّ في دمشق في دار المرحوم الامين معروف صعب، وقد يكون انتقل لدار الرفيق بشير الموصلي، وان الرفيق صبحي فرحات كان حارسه الشخصي وقائد السيارة التي كانت تقلّه ثم تسرّبت معلومات تفيد ان الزعيم التقى بقائد الانقلاب حسني الزعيم وان هذا الاخير قدّم له مسدسه عربون التعارف والتعاون.

كان الناس في دمشق لا يأمنون جانب حسني الزعيم، وهم يتحدثون عن انحرافه الجنسي وعن طبيعته المتقلّبة ولسانه السليط وتعامله الفظ مع السياسيين التقليديين وبعد ذلك مع معاونيه على حد سواء

عصام المحايري نائب عن دمشق: انتخبته هذه المدينة الخالدة تكفيراً عن غدر حسني الزعيم بسعاده. كنت مع الرفيق نهاد خياطة من الداعين لانتخابه.. ذهبنا مرة لاحدى قرى الغوطة وزرنا المختار، ولقينا هناك المرحومان ميشيل عفلق وصلاح البيطار المرشحان للنيابة عن البعث العربي. قال لنا المختار: "انتو جماعة مين؟" قلنا له "نحن ندعو لنيابة عصام المحايري مرشح الحزب السوري القومي الاجتماعي".

يعني مرشح المرحوم انطون سعاده. انتو الكم حصة كبيرة بها البيت". واذا بصوت من داخل الخباء يقول لنا: "انا حصتكم والاولاد حصتكم، أقل شي ممكن نعملوا هو ننتخب المحايري مرشح المغدور به سعاده" واذا بعفلق والبيطار يغادران المكان حتى بدون وداع صاحب الدار.

هوامش:

(1) عبدالله الدندشي: عرفته مقيماً في الشويفات بعد ان كان اضطر للنزوح من الشام بعد احداث المالكي. وعرفت ايضاً عقيلته الرفيقة شراخب. كانا منتظمان وعاملان في مديرية الشويفات.

(2) اكرم دندشي: تولى مسؤوليات محلية في كل من الشام ولبنان. بعد انتقاله الى لبنان اثر احداث المالكي، غادر الى السعودية ثم عاد واستقر في مدينة بيروت متولياً مسؤولية وكيل عميد الدفاع، قبل ان يعود الى مسقط رأسه "تلكلخ". اقترن من شقيقة الرفيق عبدالله، الرفيقة ميمنة دندشي التي نشطت جيداً في عمدة العمل طيلة سنوات الحرب في لبنان، وعُـرفت بتفانيها وبمتابعتها لاوضاع الرفقاء الشهداء والجرحى طيلة سنوات الحرب اللبنانية.

(3) مراجعة النبذة بعنوان "مؤتمر رأس الخشوفة" في قسم "من تاريخنا"، على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعة www.ssnp.info ،.

(4) عبد الكريم الشيخ: للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول الى الموقع المذكور آنفاً.

(5) نوري الخالدي: للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول الى الموقع المذكور آنفاً.

(6) عيسى سلامة: للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول الى الموقع المذكور آنفاً

(7) فؤاد الشواف: منح رتبة الامانة. كان منفذاً عاماً لمدينة اللاذقية. انتخب عضواً في المجلس الاعلى. حكم عليه اثر اغتيال العقيد عدنان المالكي.

(8) اميلي الحلبي: من طرابلس. كانت رفيقة نشيطة واديبة. اقترنت من الامين جورج عبد المسيح ثم انفصلت عنه.



تشييع المناضل القومي أنيس يازجي

بمأتم حزبي وشعبي في مرمريتا ـ الحصن

شيّعت منفذية الحصن في الحزب السوري القومي الاجتماعي وأهالي مرمريتا بمأتم حزبي وشعبي، المناضل القومي أنيس عبدو يازجي الذي توفي عن عمر ناهز ال 93 عاماً، وشارك في التشييع عضو المكتب السياسي المركزي النائب في مجلس الشعب بشار يازجي، منفذ عام الحصن عدنان منيف أبوعيطة، وعدد من أعضاء هيئة المنفذية وأعضاء المجلس القومي ومسؤولي الوحدات الحزبية.

انطلق موكب التشييع يتقدمه حملة الأكاليل والأعلام الحزبية من منزل الفقيد في مرمريتا حيث أدى القوميون الاجتماعيون تحية الوداع، وإتجه الموكب إلى كنيسة القديس بندلايمون حيث أقيمت صلاة الجنازة التي ترأسها أسقف الحصن المطران إيليا طعمة وشاركه لفيف من الكهنة.

تحدث المطران إيليا عن صفات الراحل ومناقبيته وأشاد بنضالات الراحل وتفانيه، مشيراً الى أنه أمضى عمره عاملا للخير العام ولمصلحة المجتمع والوطن .

نبذة عن الراحل

انتمى الرفيق الراحل إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي في أربعينيات القرن الماضي، وأمضى حياته مؤمنا بقيم النهضة القومية الاجتماعية ومطبقا مبادئها في الحياة، وكان مثالا يحتذى في الإيمان والالتزام، وقد حاز الرفيق الراحل على "وسام الثبات"، إضافة إلى العديد من التنويهات وحفلات التكريم التي اقيمت له من قبل المديرية والمنفذية.



الموت يغيّب الرفيق "ندرة ميشال يازجي"

"النهضة" 14/02/2012

في كل يومٍ يمر على عمر النهضة السورية القومية الاجتماعية نزداد ويزداد العالم قناعةً بصحة عقيدتنا وضرورة تطبيق مبادئها لحياة سورية عزيزة حرة.. ونحن نزاد صلابةً وتمسكاً وقوةً وعدونا لذلك يحارب الفكرة ويحاربنا، في وقتٍ نفتقد فيه الرفيق تلو الرفيق وفي ظروفٍ مختلفة قبل أن نحرز الانتصار الذي وعد به سعاده باعث نهضتنا ومؤسس حزبها، لكن نهضتنا كالشجرة المثمرة تمنح ثمارها في أوقاتها وتزهر من جديد لتعيد صناعة ثمارٍ جديدة في فصلٍ آخر، فهي متجددة دوماً وستبقى كذلك حتى النصر..

لقد غيّب الموت الرفيق ندرة ميشال يازجي يوم الأحد 5 شباط الجاري في دمشق بعد صراعٍ مجدٍ مع الحياة فأثمر ثماراً قومية في عائلته من خلال انتمائه للحزب في العام 1947 وبقي حتى الرمق الأخير ينهج نهج النهضة ويعمل لها، وقد كرّمه الحزب بمنحه وسام الواجب ووسام الثبات مع رفقائه المستحقين لثباتهم ولثمارهم، وقد أثمر أيضاً في المجتمع ثماراً تنسج نهجاً يعمل لمصلحة الأمة والوطن من خلال عمله في حقل التعليم بشهادة من عاصروه وعرفوه وتعلموا على يده في المدارس التي درس فيها أو أشرف عليها.. وقد واجه في أيامه الأخيرة صراعاً مع المرض وهو ابن الثمانينات ولم يستطع إلزامه الفراش خلا أياماً معدودة، وغادرنا تاركاً إرثاً عائلياً وإنسانياً راقياً وسمعةً عطرة..

وقد نُقل جثمانه الطاهر إلى بلدته مرمريتا حيث أُقيم له يوم الثلاثاء 7 شباط مأتمٌ حزبي وشعبي شارك فيه الرفقاء من مختلف المنفذيات وخاصةً من منفذيتي الحصن وحمص، وتقدم المشيعين عضو المجلس الأعلى الأمين أنطون أسبر وهيئة منفذية الحصن وحشدٌ من الرفقاء والمواطنين ورجالات المجتمع والكهنوت، وقد أقيمت صلاة الجنازة على جسده وروحه الطاهرين في كنيسة القديس بندلايمون المقدسة، وترأس الصلاة سيادة المطران باسيليوس منصور مطران مطرانية عكار وتوابعها للروم الأرثوذكس، ولفيف من الكهنة والشمامسة، في مرمريتا وجوارها، وألقى سيادة المطران عظةً حول الحياة والموت والقيامة وعدد فيها ميزات الفقيد وقدم التعزية للعائلة..

وبعد تحية الوداع ووري الجسد ثرى مرمريتا التي كانت تحيا في قلبه حتى النفس الآخر.. وبقيت روحه ترف بيننا، حيث إننا نفقد رفقاءَنا بالجسد فقط ونراهم دائماً في وجوه أبنائِهم وجميع القوميين الأحياء، وقد اتصل رئيس الحزب الأمين أسعد حردان بالرفيق بشار يازجي وكيل عميد العمل والشؤون الاجتماعية معزياً إيّاه بوفاة والده وطلب منه نقل تعازيه إلى الجميع.

وقد تقبلت العائلة العزاء في مرمريتا ودمشق من الهيئات النقابية والشعبية والأصدقاء والرفقاء يتقدمهم الأمين العام للحزب السوري القومي الاجتماعي في الشام عصام المحايري.

أسرة جريدة النهضة تتقدم من آل يازجي وأقربائهم وأنسبائهم بالعزاء الحار وتخص الرفيقين بشار يازجي وريم يازجي.



الرفيقة مي وديع جرجس يازجي

تاريخ طويل من العطاء والنضال جسدته الراحلة ومنذ ريعان شبابها...

صباح يوم الثلاثاء 05/10/2021 واثناء احتسائها قهوتها الصباحية مع ابنها ورفيقها شادي يازجي غافلها القدر لتلفظ انفاسها الطاهرة في أحضان ابنها إثر احتشاءٍ قلبي.

وقد نعاها الرفيق شادي على صفحته "الفايسبوك" بالكلمات التالية:

انتمت للحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1954 وتزوجت من الرفيق الضابط في الجيش السوري الملازم أول ميشيل يازجي وتوجا زواجهما بالزواج القومي الاجتماعي الرسمي.

لم تمضِ سنة على زواجهما ونتيجة لمؤامرة المالكي عام 1955 أعتقل زوجها وكان الضابط المسؤول عن منطقة الجولان (الحمة - فيق) وكانت حينها حامل في الشهر الرابع بابنتها البكر (مجد) والتي انجبتها في فترة اعتقال الزوج.

لم ترحمها أجهزة السراج القمعية ورغم حملها كانت الاستدعاءات للتحقيق وللمحاكم لها تتم دون رحمة او مراعاة، واثبتت مواقف مشرفة أظهرت فيها عزيمة قوية وثبات أمام رجالات القمع والاضطهاد.

بعد ما يقارب السنتين من الاعتقال تم الافراج عن الرفيق ميشيل وتم تسريحه من الجيش لتتابع هذه الاسرة مسيرة حياتها النضالية، حيث أنجبت أسرة قومية وأسست بيت قومي إجتماعي فتح ابوابه للعمل الحزبي دون توقف وفي أصعب مراحل العمل.

تكررت الاستدعاءات والتحقيقات للرفيق ميشيل وهو الذي رحل باكراً تاركاً ارثاً اجتماعياً ونضالياً كبيرين.

تابعت الراحلة رسالتها الانسانية واستمر عملها وعطائها لأسرتها ولمجتمعها الذي أحبها كما احبته وتركت فيه الأثر الطيب والمحبة الكبيرة.

لروحها الطاهرة الرحمة والسلام والسكينة...والعزاء الكبير لعائلتها ولمحبيها وللقوميين الاجتماعيين..

والبقاء للأمة.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026