إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

ما أشبه اليوم بالبارحة 2

فوزي نجد

نسخة للطباعة 2007-02-22

إقرأ ايضاً


لا أمل للشعب السوري بالحياة الحرة الكريمة إلا بتفعيل المصهر القومي الاجتماعي لنصارع معا في بناء المجتمع القومي الجديد الذي يتحقق فيه الوعي وتحصل النظرة الفاهمة الصريحة إلى الحياة والكون والفن. " وإننا لا نجد هذه الأسس في سورية الطبيعية كلها إلا في الحزب السوري القومي الاجتماعي".

بعد أن ثار الشريف حسين في مكة على الثكنة العسكرية التركية بمساعدة بريطانيا ممثلة بالجنرال لورنس الذي عرف في الأردن ب أبو حنيك وبدأوا بتدمير خطوط السكة الحديد من مكة إلى الشام وكيليكيا، طردت القوات الفرنسية والبريطانية القوات التركية وحررت العربة وسورية الطبيعية كلها. بقي شمال سورية تحت السيطرة التركية في صفقة سياسية لتسمح تركيا بإنشاء دولة لبنان الكبير للمحافظة على المسيحيين فيه الذين اضطـُهدوا وظـُلموا تحت نير الحكم العثماني التركي أجيالا طويلة.

وبقي الفرنسيون يوسعون الكيان اللبناني حينا ويقلصوه أحيانا حسب ما يتناسب مع مصالهم. وبقي لبنان على هذا الحال حتى ثورة 1943 بدعم من الفرنسيين الديغوليين، التي أنتجت إستقلال لبنان واتفق الزعماء السياسيون على صيغة الميثاق الوطني الغير مكتوب الذي يعطي رئاسة الجمهورية اللبنانية للطائفة المسيحية المورانية ورئاسة مجلس النواب للطائفة الإسلامية الشيعية ورئاسة الوزراء للطائفة الإسلامية السنية.

بقي هذا الإستقلال تحت الوصاية الفرنسية وتحت كفالتها للنقد اللبناني السوري كما ظهرعليها طابع " بنك سورية ولبنان" . ولذلك قال سعاده : "لقد خرجنا من القواويش ولكننا لا نزال في باحة السجن".

وأخذ صراع الطوائف يتعاظم يوما بعد يوما ليقضوا على كل حركات التحرر والتقدم الطامحة إلى إلغاء الطائفية وتحويل لبنان إلى دولة علمانية عصرية تسودها العدالة والمساواة بين أبناء لبنان دون تمييز. ولكن المسيحيين شددوا على تمسكهم بالميثاق الوطني الذي أمن لهم الحياة الحرة الكريمة بعد خمسة أجيال من البؤس والحرمان. وبعد الفشل العربي العام في حرب 1948 ضد قيام إسرائيل على أرض فلسطين هاجت قوى الشعب في فترات متفاوتة وأطاحت بحكوماتها بدءا باغتيال ملك الأردن عبد الله وبإنقلاب حسني الزعيم في الشام ضد حكومة شكري القوتلي، بعد عودته من حرب فلسطين، وتبعه إنقلاب عبد الناصر في مصر سنة 1956 ضد حكومة الملك فاروق، وإنقلاب عبد الكريم قاسم في العراق سنة 1958 ضد الملك فيصل وحكومة نوري السعيد.

ولكن في لبنان شنت الحكومة اللبنانية هجوما وقائيا على الحزب السوري القومي الاجتماعي في حزيران سنة 1949 وأعدمت زعيمه أنطون سعاده في الثامن من تموز بعد أقل من 24 ساعة على تسلمه من الشام، وتبع ذلك إعدام ستة من أعضاء الحزب البارزين في وقت لاحق.

بقيت التركيبة الطائفية اللبنانية بعد ذلك تزداد عمقا وتفسخا حتى ظهرت نتائجها في تعابير كثيرة وأصبحت شعارا أو شعارات لكل شئ حتى في لوحات المهن الحرة المدرجة في رسالة ثانية، تدل على عمق التمزق الإجتماعي والشحن الطائفي الذي نعيش فيه في هذا الوطن الصغير، وطن الحرية والحضارة والإشعاع الفكري.

لا يمكننا أن نصبح دولة مستقلة ومحترمة بين دول العالم إلا إذا انصهرت كل هذه التناقضات العميقة الجذور، في المصهر القومي الاجتماعي العام. والعقيدة القادرة على تذويب كل هذه التناقضات الاجتماعية إلى مجتمع راق متقدم كامل، قد كتبت بالكلمات والأفعال والدم، لكن المسؤولين عن تفعيلها لم يتقيدوا بهذه المبادئ التي وضعت أمامهم من قبل، بل اتبعوا المثل القديم القائل: ان كل الطرقات توصل إلى الطاحون. هذا غير صحيح لأن كل الطرقات لا توصل إلا للضياع في متاهات السياسة والمشاحنات الجانبية وتخلق مشاكل لم تكن بالحسبان.

ما أشبه اليوم بالبارحة، أي بحوادث 1958 التي كانت تعبيرا عن المد الناصري المتلبس بوشاح الجمهوريات العربية المتحدة وقد قادته الشام لضرب النظام اللبناني وضمه إلى تلك الجمهوريات العربية المصطنعة، التي لم تكن تعمل على أساس مبادئ علمانية محددة الأهداف والأساليب المتبعة لتحقيقها أو إديولوجيا ومبادئ تحدد الأهداف التي تسير إليها سوى الحماس العروبي الأقرب إلى الفوضى السياسية أكثر منه لأي نظرية علمانية قادرة على جمع العرب في دولة علمانية متقدمة على مستوى آمال وطموحات المنادين "بالأمة العربية".

وكانت الوفود المدفوعة المسلحة من الشام تصب غضبها على الرئيس كميل شمعون بحجة منع التجديد له الذي لم يكن واردا عند أحد. وثارت تلك الحركات من البقاع والجنوب والجبل والشمال ومارست العنف ضد السكان المدنيين شهورا طويلة. ورغم كثرة عددها وعِددها وعدد الجبهات التي انطلقت منها، لم تحقق أي شئ وبقي شمعون لآخر دقيقة من ولايته الدستورية. إقرأ كتاب الأمين الراحل " فؤاد عوض " بعنوان " الطريق إلى السلطة".

واليوم تشن الأحزاب والمنظمات الموالية للشام بما فيها رئيس الجمهورية العماد لحود ورئيس مجلس النواب نبيه بري، هجومها على رئيس الوزراء فؤاد السنيورة بحجة أن وزارته لم تعد دستورية بعد استقالة خمسة وزراء شيعيين منها والذين يمثلون حزب الله وحزب أمل أي حزب رئيس مجلس النواب نفسه، بحجة أنهم يتظاهرون في الساحات العامة ويقيمون الخيم فيها ويقطعون الطرق الرئيسية العامة، في محاولة لإسقاط الحكومة الحالية وتأليف حكومة وطنية تمثل الجميع حسب قولهم. إن رئيسس الجمهورية ورئيس مجلس النواب هما أخبر الناس بنصوص الدستور اللبناني الخاص بتمثيل إرادة الشعب وعن منح الثقة للحكومة المكلف رئيسها بمرسوم خاص من رئيس الجمهورية، وحجب الثقة عنها وإسقاطها إذا لزم الأمر لذلك، من قبل أكثرية أصوات النواب في البرلمان.

ونحن القوميين الاجتماعيين أكثر أهل الكون تعلقا بالنظام لأن عقيدتنا مبنية على أربع دعائم ثابتة – حرية - واجب - نظام - قوة – الممثلة في أربع زوايا الزوبعة الحمراء. وفي هذا الشأن قال سعاده :

" لا يمكن أن نحارب النظام بالفوضى بل بنظام أفضل منه".

ونرى المعارضة اليوم، بما فيها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وزعيم المقاومة والجنرال عون الآتي من المنفى ورئيس الحزب القومي الاجتماعي وغيرهم، قد تجاهلوا النظام والدستور والإلتزام بالمحافظة على إستقلال الوطن وعلى مصالح الشعب وعزته وكرامته، ونزلوا إلى الشارع وسادوا الطرقات والساحات العامة في محاولة لإسقاط الحكومة وتسلم زمام الحكم بعدها.

إن إسقاط الحكومات والأنظمة يمكن أن يكون في أحد أمرين فقط، إما بإسقاط الحكومات بالأسساليب الديمقراطية الدستورية أو بثورة عارمة أو إنقلاب ناجح وبإلقاء القبض على أعضاء الحكم وتاليف حكومة إنتقالية وكتابة دستور جديد. أما النزول إلى الشارع والاعتصام بالساحات العامة لأجل غير مسمى ، يسيء إلى سمعة الوطن وإلى مصالح المواطنين الذين يعيشون على أساس خبزنا كفاف يومنا عدا عن المصالح الكبيرة التي تعتمد على الدخل اليومي لتسد ما عليها من الاستحقاقات والفواتير الموقوتة في الداخل والخارج في مجالات التجارة العالمية. إنه ضرر فادح بمصالح الشعب.

إن النزول إلى الشارع بهذا الشكل الفوضوي لإسقاط حكومة قامت على أساس الشرع والدستور، يسيء إلى سمعة القائمين به ويدل على عدم قدرتهم في إدارة شؤون البلاد.

يا أيها السياسيين اللبنانين ارحموا شعب لبنان وانهوا هذه الفوضى الهوجاء بقرار حاسم يعيد الوطن إلى الحياة العادية وينقذ شرفكم وسمعتكم وسمعة وطنكم ويضع حدا للتدخل الأجنبي في أموركم الداخلية، اليوم وليس غدا. لقد وضع السياسيون اللبنانيون أنفسهم جميعا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإنقلاب الفعلي الجارف أو العودة إلى الدستور وسلطة القانون كما تفعل الشعوب المتمدنة في كل أقطار العالم.

لقد حرمتم شعبكم البهجة والفرحة والطمأنينة حتى في أيام الأعياد ودفعتموه على هجر وطنه مرغما إلى عالم المجهول ليفتش على لقمة العيش والرغد والطمأنينة في مجاهل أفريقيا وغيرها.

وبالمقابل تعمل إسرائيل بجهد بالغ لتجمع يهود العالم في فلسطين لتسهر على راحتهم وتؤمن لهم الحياة الحرة الكريمة، وأنتم تسخـّرون الشعب وتقدّموه قربانا على مذبح مصالحكم الشخصية.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021