إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

ما أشبه اليوم بالبارحة 3

فوزي نجد

نسخة للطباعة 2007-02-25

إقرأ ايضاً


في حرب الثمانية وخمسين وصل الرئيس فؤاد شهاب إلى السلطة على جماجم آلاف اللبنانين. ولن ينسى أحد ويلات تلك الحرب والاقتتال الطائفي المريع المدعوم والموجه سياسيا وعسكريا من مصر والشام، حيث ما زالت أعمدة الدخان والأبنية المدمرة وأقنية الدم وصور الجثث المقطعة المرمية على جوانب الطرقات وأرصفة الشوارع، راسخة في مخيلة الذين عاشوها وشاهدوا ما شاهدوا ونقلوا أخبارها إلى مسامع الناشئة لينقلوا عظتها إلى أبنائهم وأحفادهم.

وبعد مرور نصف قرن فقط على تلك الحرب، بدأت اليوم حرب داخلية جديدة في لبنان لا يمكن تصنيفها بالحرب الباردة إطلاقا لأنها حملت إلى اللبنانيين صورا قاتمة عن حرب الثمان وخمسين من التعدي على ممتلكات الآخرين وأرواحهم وشل حركة الحياة اليومية العامة وضيق فسحة أمل المواطن اللبناني بالعيش في بلاده برغد وطمأنينة، فاضطر للهجرة إلى ديار المجهول.

يقود هذه الحرب اليوم جنرال مسترئس آخر، يخشى ألا يصل إلى السلطة بالأساليب الانتخابية الديمقراطية القانونية، فقرر إختطاط طريق العنف سبيلا للوصول إلى السلطة، وقد عرف بميوله الدمشقية وباعتماده على قوى سياسية وعسكرية محلية تدعمها دمشق وتمدها بالسلاح والمال والمخابرات أيضا.

لا فرق إذن بين حرب الثمان وخمسين وحرب الألفين وستة سوى الاعتصام وأسماء الأشخاص الذين يديرون ساحة الحرب وبعض أساليب الضغط والترهيب بالتصعيد حينا وبالتهديد بالتصعيد أحيانا.

فيتساءل المرء في هذا الوطن عما هو ذنب المواطن اللبناني لكي لا يرى في لبنان استقرارا دائما ليتشجع الذين هجروه قسرا على العودة إلى ديارهم والانخراط في مسيرة تعمير الوطن بدل تعمير بلدان الآخرين. أي متى ستأتي إلى الحكم في لبنان جماعة تتمتع بالقدرة والحكمة لتحوّل الأوضاع الجهنمية فيه إلى جنة النعيم، وتسعى بجهود أفضل من مساعي اليهود لاستقطاب يهود العالم إلى تل أبيب، لتستقطب المهاجرين ومن هم من أصل لبناني سوري للعودة إلى الوطن الأم لأن ظروف المعيشة والعمل والصناعة والاستثمار فيه قد أصبحت أفضل مما هي في أي بلد من بلدان الاغتراب؟ أي متى سيتحقق هذا الحلم؟ طمئنونا يا حكام لبنان المعتصمين والحاكمين، هل سيتحقق هذا الحلم بعد أن يصل الجنرال إلى رئاسة الجمهورية أم لا؟

إلى متى سينتظر الشعب نهاية شد الحبال المستمر دون انقطاع ؟ إلى متي سيبقى الشعب في لبنان يعيش بظلمكم وظلامكم دون بارقة من أمل؟

إلى متى سيبقى الشعب في لبنان يروم صناديق الاقتراع وينتخبكم نوابا عنه لتخدموا مصالحه ومصالح الوطن فتخيّبوا آماله وآمال الوطن، لتخدموا مصالحكم الشخصية فقط؟

هل الاعتصام هو السبيل الوحيد إلى السلطة حتى قامت المعارضة الدنيا ولم تقعدها بعد، للحصول على "حكومة وطنية" لها حق الفيتو على ما يرونه الوزراء مغايرا لمطالبهم؟ والحقيقة هي حق الإعتراض على كل قرار حكومي لا يرون تمريره في مصلحتهم لتجميده أو إسقاط الحكومة إذا استقال أكثر من ثلث الوزراء منها.

إذا سمح السياسيون اللبنانيون الحكوميون للمعارضة بالحصول على هذا المطلب خلال احتلالها الساحات العامة والشوارع وإقامة الخيم والسكن الدائم فيها، سيكون ذلك سابقة خطيرة في تاريخ نظام الحكم وجرحا عميقا في صدر الحق والحرية والتمدن، ليس في لبنان فقط، بل في كل الأنظمة الديمقراطية المتمدنة في العالم، ومكافأة جزيلة على الإخلال بالأمن وتعطيل الحياة العامة وتدمير مصالح المواطنين وقطع قوت عيالهم.

إنها الفوضى الصارخة لأنها لا تستند إلى أي شرع أو قانون أو نص دستوري في العالم يعطي الأقلية حق فرض إرادتها على الأكثرية المنتخبة ديمقراطيا ودستوريا، ونقض قراراتها وحق إحراق الإطارات لقطع الطرق الرئيسية بما فيها طريق المطار الدولي والشوارع والإقامة الدائمة في الساحات العامة.

إن لم تكن هذه المظاهر والممارسات هي عينها الإخلال بالأمن فماذا وكيف يكون الإخلال بالأمن الذي تعاقب عليه كل قوانين العالم المتمدن وأنظمته. إنه تدمير تام لأمن المواطن والوطن والعودة بالحياة المتمدنة الراقية إلى العهود القبلية في القرون الوسطى حيث درجت القبائل على السطو وسيلة للعيش والغزو لنهب ممتلكات القبائل المجاورة وسبي النساء والعذارى فيها.

لا مكافأة على الإخلال بالأمن والتعدي على االممتلكات العامة وحقوق المواطنين. لماذا الدستور إذن؟ ولماذا القوانين والبرلمان وممثلي الشعب؟ لماذا الانتخابات؟

إن احتلال الساحات العامة والشوارع الرئيسية بما فيها شارع المصارف وغيره هو هو العودة إلى شريعة الغاب، الأقوى يأكل الضعيف. ولولم تكن المعارضة في لبنان تستند إلى قوة حزب الله العسكرية وإلى النظام البعثي السوري، الذي لا تستطيع المعارضة التفلت من تعليماته، وقد أعطاها الضوء الأخضر وحرّضها على المعارضة خارج نظام الحكم اللبناني، لما تجرأت على العصيان وقطع الطرق واحتلال الساحات العامة وعلى إقامة الخيم فيها التي شوّهت وجه بيروت "جوهرة الشرق" ووجه لبنان الناصع أيضا.

لا أحد يدري حجم الضرر الذي ألحقه الاعتصام بالمصالح السياحية الوطنية والاقتصادية والمعيشية في لبنان. فليعلم الجميع أن ما أَُخِذ بالقوة بالقوة يُؤخذ أيضا.

لا شعب من شعوب العالم يسلـّم الحكم لقطاع الطرق والمشاغبين والقراصنة والمستبدّين.

خلصونا أيها السياسيون من فوضاكم وخلصوا لبنان من سعير سياستكم الجهنمية ولكم الحمد.

قفوا أيها السياسيون وقفة الأبطال أمام أنفسكم وضمائركم فتجدوا أن سلبياتكم قد طغت عل الموجبات وهدرت طاقاتكم وغرّبت الإنسان فيكم ودمرت وجه وطنكم وأنتم عنه غافلون.

ضعوا سلبياتكم جانبا ومدوا أيديكم لمصافحة بعضكم البعض بمحبة الأخ لأخيه وانهوا هذه المهاترات والمهازل وتعاملوا مع بعضكم معاملة إيجابية صريحة صادقة فتنحلّ مشاكلكم ومشاكل وطنكم بلمحة البرق وتصبحون كتلة واحدة تحل مشاكل الآخرين في السودان ومصر والسعودية وإيران والعراق ودمشق وفلسطين، وأنتم الرابحون.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021