إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

لهنّ هذا القليل بقلم الامين بشير موصلي

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2019-04-10

إقرأ ايضاً


ابتهل ألف مرة كي يحفظ الله ذاكرتي ويطيل من عمري كي أدوّن الكثير الكثير مما أملك من معلومات، وما احتفظ به من مراجع.

أقول ذلك إذ اتذكر مَن عرفتُ من أمهات وعقيلات وشقيقات لرفقائنا، الرفيقات منهن والمواطنات، اللواتي تحمّلنَ الكثير من العذاب، وقدمنَ التضحيات، وتجلّينَ في ميدان النضال القومي الاجتماعي، فأدرك كم هو واجب أن نكتب عنهن، وان يكتب غيرنا، وفاء لهذا العدد الكبير من ألامهات والزوجات والشقيقات كنّ وفيات، ومتفانيات، وسطرنَ ملاحم من وقفات العز والكثير من التضحيات.

بتاريخ 20 كانون الأول 1995 نشر الأمين الراحل بشير موصلي الكلمة التالية في عدد جريدة الديار بعنوان "وغابت أم المساجين القوميين".

ونحن اذ ننشرها، للتاريخ، لا نُسقط، للتاريخ أيضا، زلات وسقطات قام بها البعض، وعلينا أن ننشرها في حينه.

ل. ن.

*

وغابت أم المساجين القوميين:

قد يبدو عنواناً غريباً في رثاء سيدة جليلة. ولكنها عبارة صادقة عفوية أطلقتها أم عصام المحايري في سجن المزة خلال لقاء أثناء فترة سجن ابنها.

هذا الرثاء للسيدة ضياء الغميان محايري ليس لكونها أم رفيق لنا في الحزب، ففي كل عام يتوفى لرفقائنا أمهات وآباء وهي واحدة منهن. إلا أنه رثاء ومناسبة لتذكر عدد من أمهات القوميين الاجتماعيين.

أمهات عشن وعايشن المرّ والعذاب مع ابنائهن وبناتهن من القوميين والقوميات، أمهات حملن الطعام واللباس وذقن الاهانات والعذاب على أبواب السجون من سجن المزة إلى سجن القلعة في الشام إلى حبس الرمل وسجن القلعة وسجن طرابلس وسجن بعلبك وغيرها من السجون المدنية والعسكرية.

انها مناسبة لرثاء وتذكر امهات بُـقرت بطونهنَّ لانها حملت أبناء وبنات قوميات اجتماعيات. هكذا قتلوا ومثلوا بوالدتيّ الحبيبين(1)، الحبيب الشهيد الذي غاب عام 1987 والحبيب الشهيد الحي.

إنها مناسبة لتذكر امهات غيّبهنّ الموت وكنّ قوميات اجتماعيات مناضلات أسسن بيوتاً قومية اجتماعية نشأ في احضانهنَّ قوميون وقوميات، وغادرن في فترات متقاربة. واذ اذكر هنا بعضهنّ وبعضا منهنَّ ممن اسعفتني الذاكرة الهرمة باسمائهن واسماء آباء غيّبهم الموت من مدة قريبة فعذراً من الباقين: إلى والدة الأمين يوسف الدبس وإلى والدة الأمينة ناديا أبو جودة، وإلى السيدة ثريا الرستم والدة الامين سهيل والرفيقة راغدة (الامينة)، والى السيدة عايدة ماضي عازوري والدة الرفيقة ماغي عازوري مطر، أمهات وآباء بنوا بيوتاً قومية اجتماعية، لا تزال شموعها تضيء حتى اليوم في سماء النهضة.

*

أثناء الوحدة بين الشام ومصر حمل السيد "توفيق محيش" عميد الجالية السورية في مصر، خال الفقيدة ضياء الغميان المحايري خبراً مفرحاً من القاهرة، وحضر إلى الشام يبلغه لها بنفسه. فقد استطاع الحصول على موافقة الرئيس عبد الناصر بالافراج عن عصام المحايري لأنه يعرف عصام ويعرف انه بريء مما نُـسب إليه، ولكنه لا يستطيع تجاوز عبد الحميد السراج ووضعه في الشام بدون "سبب وجيه".

وكان "السبب الوجيه" أن يكتب عصام المحايري رسالة يُعلن فيها انسحابه من الحزب وتخلّيه عن مبادئه، وعندها ينقله عبد الناصر إلى القاهرة ويفرج عنه ويسلمه منصباً إعلامياً رفيعاً.

وحملت الأم الرسالة مع شقيقها وخالها يوم الزيارة إلى سجن المزة، واستمع الأمين عصام إلى ما جاء به خال والدته. ثم توجه بالسؤال إلى خاله عارف يسأله رأيه ويجيبه الخال بالموافقة: "وما بدها وقفة فهذه فرصة لا تتكرر" ويتوجه الأمين عصام إلى والدته يسألها رأيها بالعرض فتجيبه بعفوية وحرارة وفوراً: "اعوذ بالله".

" أنا أرفض ما يسيئ إلى كرامتك ولو بقيتَ في السجن حتى آخر العمر" ويتابع خالها معاتباً: "جئنا بك لتساعدينا في اقناعه، لا لتؤيديه في امتناعه" ويؤيد عصام رأي أمه.

- " قلت لكم أنه سيرفض العرض ولن يقبله فأنا أعرف ابني"

وحاول الخال اقناع عصام بأن النظام باق وخالد، ولن ينقذه أي انقلاب يبني عليه آمالاً. وإن المسألة شكلية.

" تنتهي بانسحاب شكلي وتبقي الحزب في قلبك، والمبادئ في ضميرك ولا أحد يدري ولن يعرفوا بذلك".

وأجاب الأمين عصام: هم أيضاً يعرفون اني لو كتبت الرسالة، أنها غير جدية ولكنهم يريدون اذلال رموز الحزب، واظهارهم بمظهر المتخاذل الضعيف الراكض وراء انقاذ نفسه على حساب قيمه ومبادئه، يريدون اضعاف جذوة النضال وتحمل الآلام والسجون في سبيل تحقيق النهضة، وحزبنا يحيا ويستمر بالقدوة النضالية.

والحديث يطول وهو اطول مما تذكرتُ، ولكن موقف هذه السيدة الجليلة التي كانت تعُـد الطعام لأكثر من عشرين سجيناً مرتين في الشهر واحيانا أربع مرات، أكل الطريق الطويل إلى سجن المزة نضارة شبابها طوال أكثر من أحد عشر عاماً، وفتح في قلبها جروحاً لا تندمل وحافظت على موقف العز كما فعلت كل الامهات القوميات الاجتماعيات وكل الآباء القوميين الاجتماعيين.

*

اليكِ أيتُها الكبيرة، وإلى كل أم وزوجة وشقيقة، إلى كل رفيقاتنا المستمرات في النضال المرير والشاق، نرفع التحية بفرح وإكبار، ونزفّكن إلى سعادة، المغتبط بكن.

هوامش:

(1) يقصد الأمين الشهيد حبيب كيروز، والأمين الشهيد الحي حبيب الشرتوني.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019