إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

مدخل الى الفلسفة السورية القومية الاجتماعية بقلم الرفيق يوسف المسمار (الأمين لاحقاً)

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2026-01-16

إقرأ ايضاً


الحديث عن الرفيق يوسف المسمار شاعرا ومفكرا قوميا اجتماعيا له باع طويل في العمل الحزبي وقد عرفه جيدا في مطلع القرن الماضي وكان مجليا بحضوره الحزبي في الجامعة اللبنانية حيث درس وفي مناطق كثرة في لبنان بدءا بالهرمل مذيعا ومحاضرا وخطيبا وكانت علاقتي به متينة جدا الى ان غادر الى البرازيل فالتقيت به وكنت دائما على تواصل ومودة وعلى االارتباط النفسي به.

هذه المحاضرة تسلمناها من الامين يوسف وهي جزء بسيط من عمل كبير كان يقوم به في الوطن ثم تابعه في البرازيل

الحديث عن الرفيق يوسف المسمار يطول وآمل ان أتمكن من ايفائه حقه على الحزب لادائه القومي الاجتماعي البناء والصحيح على سنوات طوال.

الى الرفيق الحبيب يوسف المسمار الف تحية والى عائلته على رجاء ان نلتقيه وله لدي الكثير الكثير من المحبة الأخوية في كل من لبنان والبرازيل .

ل. ن.

*

محاضرة القيت في العام 1963 بعد محاولة الثورة الانقلابية في لبنان.

مما لا شك فيه أن وراء كل بحث فكري غاية .وغاية المفكر هي إكتشاف الموجودات والأشياء والنواميس المؤدية الى طريق الحقيقة أملاً بالوصول الى تحقيق الإرتياح النفسي الذي يُولد الإطمئنان والأمان ويطرد عوامل القلق، ويعالج أسباب الحيرة التي تراود العقل والفكر وتتحكم بالمشاعر والأحاسيس .

ومن الطبيعي أنه بإكتشاف طريق الحقيقة يتخلص المرء من حيرة تراوده، ويخرج من دوامة الشك التي تزعزع تفكيره، وينتقل من حالة الغموض والإبهام المربكة الى حال من الوضوح والجلاء مطمئِنة .

لكل ماتقدم. نجد أنفسنا ملزمين باتباع منهج سوي واضح يساعدنا على إكتشاف نقطة البداية، أو قاعدة الإنطلاق، إذا صح التعبير، تتيح لنا أن نبدأ بداية سليمة ذات أساس سليم، ننطلق منها بوعي وفهم وتصميم باتجاه مدخل الفلسفة المجتمعية التي نحن بصدد التعريف بها والتعرف اليها، والتي نرى فيها أفضل وسيلة لإنقاذ مجتمعنا مما يتخبط فيه من الويلات والمآسي والمعوقات والأمراض الإجتماعية والنفسية.....

وهذا لا يمكن الوصول اليه إلا باعتماد وإتباع نهج علمي معرفي وعملي بعيد عن الأهواء والآراء الإعتباطية، والتصورات الذهنية المريضة، والتكهنات والإستذواقات والإستنسابات التي لا تؤدي في النهاية إلا الى التيه والضلال والغموض.

المعرفة أم جميع الحقائق

يؤثر عن الفيلسوف زينون الرواقي أنه قال: (إن لنا لسانا واحدا وأذنين). ومن هذا نفهم أن علينا أن نسمع أكثر مما نتكلم. وقال أيضا: (إن الفلاسفة لا يُجذبون إلا من آذانهم) .

يستفاد من هذا الكلام الحكيم أن لأدوات ووسائل المعرفة اولويات ومراتب وبديهيات. فلا يُقدم القول على حساب السمع. ولا يؤثر السمع على حساب الرؤية والنظر. ولا تُستبدل حاسة الذوق بحاسة الشم. ولا حاسة الشم بحاسة اللمس. كما لا يليق بنا أن نتكلم حين يتطلب منا أن نصمت ونسمع. وأن لا نصمت في الوقت الذي ينبغي علينا فيه أن ننطق ونتكلم. وأن لا نتهرب من مواجهة الأمور حين يستلزم منا أن نواجه ونتخذ موقفا، بل إن الكلام الحكيم هو الذي يُعلم ويهدي وينفع. وقد قال المعلم أنطون سعاده: "العلم الذي لا يفيد كالجهالة التي لا تضر."

نستطيع إذن بالمعرفة الهادية النافعة أن نلج باب بحثنا هذا ونهتدي الى نقطة البداية والإنطلاق .

بالمعرفة نكون أقوياء. وبالمعرفة يرقى فكرنا وتنجلي الحقيقة التي نسعى اليها. ونصل الى حيث ينبغي أن نصل في عالم يعج بالغموض والبلبلة والظنون والشكوك .

تستلفت إنتباهنا عبارة كُتبت فوق مدخل معبد" عبدارة" الذي أشاده الكنعانيون السوريون القدماء الذين عُرفوا بالفينيقيين الأسم الذي أطلقه عليهم اليونان، والذين سُمي أتباعهم فيما بعد "بالسفسطائيين" العبارة التالية: "أيها الإنسان اعرف نفسك". وقد نسبها الكثيرون للفيلسوف اليوناني سقراط اليوناني المولد والسوري الثقافة والعلم والفلسفة الذي تتلمذ على أيدي معلميه الكنعانيين دون أن يكون له ذنب إدعاء نسبة العبارة المذكورة اليه. وعلى كل حال فإن ما يهمنا هنا هو أن المعرفة الإنسانية هي الوسيلة الوحيدة الواضحة التي تعيننا على اكتشاف الحقيقة القيمة وتقريرها. ومن المحال أن تقوم حقيقة إنسانية من غير المعرفة الإنسانية. إن المعرفة الإنسانية هي بالفعل أم جميع الحقائق الإنسانية.

الحقيقة قيمة إنسانية

قال سعاده: "إن الحقيقة هي قيمة فكرية تحصل في العقل أو الضمير بواسطة المعرفة فقط".

نستنتج من هذا القول أنه لا يكفي أن يكون الشيء غير العاقل موجوداً في ذاته لتتكون قيمة حقيقته الإنسانية. بل

إن إفتراض المجهول حقيقة هو ظن ونوع من التخمين وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة الإنسانية التي لا يمكن أن تكون أو تقوم إلا بقطبيها: "الوجود والمعرفة"* "إذ ليس من العقل والحكمة أن نمجد أشياء ليست موجودة" على حد تعبير الفيلسوف الكنعاني السوري زينون الرواقي. إن كل وجود خضع للمعرفة الإنسانية وانتقل من المجهول الى حالة المعلوم أصبحت له قيمة في وجدان الإنسان العالم به وبهذه المعرفة وبهذه الحالة وبهذه القيمة أصبح حقيقة انسانية.

أما الكلام عن الأشياء والوجودات الكونية والأسرار والنواميس الخفية الإفتراضية التي لم يتم إكتشافها بعد، ولم

تخضع لدائرة وعي الإنسان فهو كلام عن أشياء لا تزال في حالة مبهمات وليس كلام عن وجودات مكتشفة ومعروفة اكتسبت باكتشافها ومعرفتها قيمة الحقائق الانسانية، وهي لذلك لا يمكنها أن تحل مكان الحقائق الانسانية لأن أساس المبهمات هو دائرة المبهم والغموض بينما أساس الحقائق الانسانية هو في الوضوح والتعيين.

الوضوح هو قاعدة كل حقيقة

كل معرفة لا تستند ولا ترتكز على برهان عملي، ووجود فعلي ليست بمعرفة علمية عملية بل هي تستند الى الإفتراض والتكهن . ومهما ارتقت مرتبة الإفتراض لا يمكن أن تكون أساسا لوعي سليم، أو مرتكزا لمعرفة صحيحة، أو قاعدة متينة لقيام أية حقيقة – قيمة. إن الوضوح هو الحالة المثلى التي تساعدنا وتمكننا من الوقوف على معنى حقيقة الفلسفة المجتمعية المادية الروحية وفهمها فهماً راقياً صحيحاً يحملنا على ممارستها حياة ونمواً وتقدماً ورقياً. لا قيمة إنسانية مطلقاً لأي مبهم. ولا معنى لأية حقيقة إفتراضية إن لم تخرج الإنسان من ظلمات مفاهيم الغرائز والأوهام والأهواء الى نور مفهوم الوضوح والجلاء والتحديد. ولا نفع بالتالي من كل القيَم والحقائق التي تخرج عن سير وأطوار نشوء الإنسان وتطوره ومراتب وعيه ومستوى رقيه.

إن الوضوح هو الذي يهدينا الى بداية البدايات وأولى الخطوات التي نهتدي بواسطتها الى معرفة قيمة الحقيقة

الإنسانية. إنه : "معرفة الأمور والأشياء معرفة صحيحة. إنه قاعدة لا يستغنى عنها. ولا بد من إتباعها في أية قضية للفكر الإنساني، وللحياة الإنسانية".*

وللإفادة من بحثنا لا بد لنا من يقظة روحية تخلصنا من غفوة تاريخية طال أمدها، واستفحل أمرها فحجبت عنا الرؤية السليمة الواضحة والسمع السليم، وكبلت العقل وبلبلت التفكير، فوجب علينا قبل كل شيء تمزيق الحجب، وتحرير العقل، وإطلاق المواهب، والتخلص من واقع التخلف والإنحطاط لننتقل الى حالة التنور والوعي والرقي، وعندها يتعافى نظرنا وسمعنا وتفكيرنا وتبصرنا فترتقي أنماط عيشنا ومستويات حياتنا وخطط فكرنا، فنرى ونسمع ونعقل ونتصرف كما ينبغي بالانسان العاقل الراقي المتبصر أن يرى ويسمع ويعقل ويتصرف.

وعندها لا نتيه ولا نقع في الأخطاء التي وقع فيها كثير من الفلاسفة النظريين التجريديين، كالتساؤل عن ماهية الكون، والعدم، وما قبل الحياة، وما بعد الموت، وما وراء الوجود، والمصير، والفناء وغير ذلك. لأنه ينبغي قبلأن" نوضح أحجية ما هو الكون؟ أن نوضح سؤالا أسبق ما هو الإنسان نفسه الذي أخذ على عاتقه حل أحجية ماهية الكون."*

وبهذا ننتقل من عهود الإيمان بالأوهام والخوارق الى عهد الوضوح والمعرفة والثقة والحقائق واليقين .


فوضى المفاهيم

مع أن الحقيقة القيمة هي واحدة لا ثنائية فيها ولا تعدد، ومع أنها في المطاف الأخير تمثل التوافق الطبيعي مع واقع الحياة الإنسانية المادية - الروحية في نشوئها وتطورها وارتقائها، لا في تجمدها وانحطاطها وتقهقرها، ولا يجوز أن تكون غير ذلك واقعاً وتكويناً، فقد تباينت بصددها النظرات، واختلفت في تفسيرها النظرات على مرور الزمان ومسارح المكان، ومستويات الثقافات، وتعدد المفاهيم حتى ظهرت تحديدات وتعريفات متضاربة ومتعاكسة ومتناقضة تتصارع وتتنازع في مذاهب شتى، وكل مذهب فكري يدّعي لنفسه صحة وصوابية اعتقاده، أو كل جماعة تحتكر الصواب لنفسها في التفسير والشرح والتأويل ومواجهة المشاكل الإنسانية مما سبب وأدى الى فوضى في المفاهيم، وبلبلة في تعيين الحقائق.

إن حقيقة الإنسان هي واحدة في كل مكان وزمان وفي جميع الشعوب، أما المختلفون في فهم هذه الحقيقة فإنهم كُثُر. وكثرة المختلفين في مستويات معارفهم وعلومهم ومفاهيمهم أدت وما تزال تؤدي الى تعدد التعريفات وتضارب المفاهيم.

والحقيقة أن هذا التضارب والإختلاف هو شيء طبيعي لا يجوز التنكر له. وبتقديرنا، فإن هذه الحالة من فوضى

المفاهيم وتضاربها وصراع الأفكار سوف تستمر كما كانت في الماضي الى أمد بعيد ليس له أفق منظور إلى أن يستكمل التفاعل مداه في قلب المجتمع، والى أن يتم فعل الدورة الحياتية التامة في وحدة ألأمة وتكتسب شخصيتها الاجتماعية في وجدان قومي عام يتجلى في ثقة الجماعة بنفسها وفي وحدة مصلحتها، ووحدة ارادتها، ووحدة النظر الى مُثُلها العليا، ووحدة الصراع من أجل تقدمها وارتقائها على الصعيد القومي الإجتماعي الانساني. وسوف يستمر الصراع أيضاً الى ان ينتهي تصادم مصالح ألأمم في انتصار تفاعل ثقافاتها لما فيه خير الإنسانية جمعاء فتصل البشرية بحضارات وثقافات أممها وشعوبها ومفاهيمها الروحية المادية الى المستوى الذي يؤهلها الى إقامة وبناء عالم جديد تتشارك وتتعاون في إشادته وترسيخ دعائمه جميع الأمم والشعوب التي نشأت وتطورت وتمدنت ونهضت وارتقت على هذا الكوكب الذي نعيش عليه.

العالم الجديد خلاصة تفاعل المعارف

إن قيام العالم الجديد هو نتيجة واقعية وطبيعية وعملية لتفاعل حضارات ومعارف وثقافات الأمم، ورقي صراع أفكار وخواطر عباقرتها ونوابغها، وليس نتيجة لحروب الشعوب واقتتالها وتصادم ثقافاتها وتخلف معتقداتها وطقوسها، وتخريب ودمار عمرانها .

وانطلاقا من مسؤولية إقامة عالم حضاري جديد راقي تكون فيه أمتنا عنصرا أساسيا فاعلاً في تكوينه وتركيبه قيامه ونهوضه وتقدمه. نرى أن من أولى واجباتنا أن ننهض بمسؤوليتنا، ونقوم بدورنا على أحسن ما يكون في إغناء فكر الإنسانية الجديدة، وإيضاح أبعاد فلسفة التفاعل الموحد الجامع لقوى الإنسانية التي تقول بالإنسان المجتمع وليس إنسان الفرد أو إنسان الطبقة أو إنسان الطائفة او إنسان الفئة أو إنسان الروح أو إنسان المادة. وهي التي تعتبر أن أساس الإرتقاء الإنساني هو أساس مادي روحي أو روحي مادي، أي مدرحي دون ثنائية. وتقول أيضا أن "المجتمع

معرفة والمعرفة قوة".*

وتعتبر أن العالم الذي ينبثق وينشأ ويتكون ويتركب من مجتمعات المعرفة ورقيها هو حتماً غير العالم الذي ينبثق وينشأ ويتكون من مجتمعات الجهالة والإنحطاط النفسي والفكري. لأن تفاعل المعارف هو غير تصادم الجهالات. ونتاج التفاعل المعرفي هو غير انتاج التصادم الجهالي. لقد استفحل خطر الفلسفات الجزئية المادية منها والروحية واستفحل بالتالي خطر المفاهيم والنظريات المتضاربة المنبثقة عن تلك الفلسفات الجزئية، وأصبحت تنذر وتهدد بكارثة حقيقية ستكون من أعظم الكوارث إذا لم تتداركها وتقوم العقول النيرة، والمواهب الخيرة بمساهمة جدية في وضع حد لخطر تلك الفلسفات والمفاهيم على حياة الأمم ومصير العالم الإنساني .


نظرتنا الفلسفية الشاملة

أولاً - وجودية الفلسفة القومية الإجتماعية الدنيوية

إن نظرتنا الى الحياة والكون والفن هي نظرة دنوية بالمعنى الإجتماعي الحياتي، وليس نظرة أخروية بالمعنى الماورائي الغيبي. إنها تقرر من البداية :

"اننا لسنا من الذين يصرفون نظرهم عن شؤون الوجود الى ما وراء الوجود، بل من الذين يرمون بطبيعة وجودهم الى تحقيق وجود سام جميل في هذه الحياة، والى استمرار هذه الحياة سامية جميلة".*

وهذا يعني بما لا مجال فيه للشك أننا لا نتنكر لعالم الغيب أو عالم الماوراء بل اننا نفضل أن نصرف جهودنا ونركزها على تحسين وجودنا وترقية مستوى حياتنا لنتمكن بتطورنا وتقدمنا من الإطلال على مشارف أعلى وأرقى من الكون الماثل أمامنا. لأننا نعتقد جازمين أن من لا يستطيع ان يتعرف على دنياه بما فيه الكفاية لا يتمكن مطلقا من التعرف على عالم الغيب الماورائي السابق لوجوده أو اللاحق لإرتحاله عن هذا ا لوجود .

إن نظرتنا الدنوية لا ترفض النظرة الأخروية، بل تترك شؤون ما وراء الوجود الإنساني للذين يعملون في هذا المجال. وتعتبر نفسها من حيث عملها في تحسين الوجود الإنساني إنها تسير بخطى حثيثة نحو إكتشاف المزيد من النواميس الكونية التي ما تزال محجوبة عن دائرة وعي ونشاط الإنسان وفاعليته. وهي في الوقت نفسه تساهم مساهمة كبرى في تهيئة واعداد الناس وتعميق وترقية مفاهيمهم لأدراك المسائل الكبرى التي تختص بما قبل الحياة الإنسانية وما بعدها، فتتفهم حكمة الله في الخلق والبعث والنشور على غير ما استذوقه واستنسبه ودعا اليه الجاهلون المعاندون.

فالله الذي وهبنا العقل لم يهبنا إياه عبثا لنلهو، ونتسلى، ونلعب. وانما وهبنا العقل لنعمل به ونرقي ونسمو "وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟"** إننا ندرك تماما أهمية عدم الفصل بين مسائل الوجود واللاوجود.

ومسائل الما قبل ومسائل الراهن ومسائل الما بعد. ولأننا ندرك ذلك فينبغي علينا أن لا نخلط الأمور فيما بينها. علينا أن نتجنب ما أمكن خلط الوجود باللاوجود، وخلط الما قبل بالما بعد لئلا تختلط علينا أمور الدنيا بأمور ما بعدها. وأمور الغيب بأمور العلن، فنتيه في صحراء السراب، ولا نصل أبداً الى ما ينفعنا لا في هذه الدنيا ولا في ما بعدها .

النظرة الى الحياة والكون بالمعنى الإجتماعي شيء. والنظرة الى ما بعد الحياة وما وراءها بالمعنى الديني الغيبي شيء آخر.

إننا نرى انه لا يضير النظرة الإجتماعية الى الحياة والكون أن تقتصر على شؤون الحياة الدنوية أي شيء، كما أنه لا يقلل من أهمية النظرة الماورائية أن تنصرف الى شؤون الآخرة ومصير النفوس. بل إن النظرتان: النظرة الوجودية الحياتية والنظرة الماوراء - وجودية الغيبية ضروريتان ومهمتان للكائن الإنساني ليعيش في هذه الدنيا عزيزاً كريما وعلى مصيره الذاتي بعد موته مرتاحا ومطمئنا .

على ضوء هذه الحقيقة نفهم موقف النظرة القومية الإجتماعية الى الحياة والكون والفن حين اعتبرت ان حرية المعتقد حقا مقدسا للأفراد. يجهرون به، ويمارسونه بكل حرية شرط إحترام عقائد الآخرين وعدم الإضرار بهم، لأنها ترى أنه ما أعطيَ لأحد أن يهين كرامة أحد، وليس من حق أحد من الناس كائنا من كان أن يُكره أحداً على حب شيء أو يجبرَ أحداً على بغض شيء.

فالنظرتان يمكنهما أن تكونا، بل يجب أن تكونا جنبا الى جنب في تناغم وانسجام وليس في عداء لأنهما تلامسان

وتتناولان أعماق الكائن الإنساني رغداً وطمأنينة .

فإذا كانت النظرة المجتمعية القومية الإجتماعية تهتم بحياة الإنسان المجتمع في هذا الوجود، وتحسين هذه الحياة وترقيتها. فإنها لا تتناقض أبداً، ولا يجوز أن تتناقض مع نظرة غيبية دينبة تهتم بمصير الإنسان بعد الموت، وتجتهد بزرع المبادئ المناقبية من أجل راحة النفوس، وربح الحياة الأبدية الأخروية. لأن لكل نظرة من النظرتين دائرتها وآفاقها.

أن النظرة الدينية ما كانت، ولم تكن لتناقض واقع الحياة بل كانت لتشريف الحياة، ولتحسين الخليقة، وتعميم العدل

والإحسان والخير بين الناس ومحاربة الظلم والباطل والشر. لقد فصلت وميزت بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولم تحكم على مسائل الدنيا بمنظار الدين، ولا مسائل الدين بمنظار الدنيا، بل حكمت بالقسط والعدل فكان تحسين

الحياة للناس وكانت طهارة الدين وقدسيته لله. وحسمت الأمر على لسان السيد المسيح بالقول السديد:" أوفوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. "ليأتي بعد ذلك القول الحكيم في الآية القرآنية": وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة، ولا تنسى نصيبك من الدنيا. وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض إنَّ الله لا يحب المفسدين . "

فإذا وجدنا اليوم الكثيرين من المتدينين ينعتون أصحاب النظرة القومية الاجتماعية الى الحياة والكون والفن بالكفر والإلحاد، فلأنهم لم يضطلعوا على حقيقة تلك النظرة، ولا على حقيقة الواقع الإجتماعي الاقتصادي السياسي، ولم يفهموا رسالة دينهم الحقيقية التي تقوم على المحبة والرحمة، وتهدف الى تطهير نفوس الناس من كل فساد. وما الأنبياء بحسب ما ورد في القرآن إلا رحمة للعالمين .

ومَثَل أولئك المتدينين هو تماما كمَثَل المتمخرقين المتفذلكين المدعين العلمانية والتقدمية زوراً وباطلاً الذين يتهمون كل من يصلي لله ويناجيه، ويعمل بتعاليم رسله، بالتخلف والجهل والمسكنة والغباء .

إن سبب ذلك هو ان الفئتين لم يفهموا جيداً حقيقة الواقع الإجتماعي ولا حقيقة رسالة الدين. إنهم حكموا على

الدين بمنظار السياسة والإقتصاد، وحكموا على العباد الصالحين الممارسين لتعاليم دينهم بمنظار الجهل والحزبية الضيقة الخانقة، فضلوا ضلالاً بعيداً. فلا هؤلاء ولا اولئك كانوا من العالمين المهتدين الصالحين.

والويل كل الويل لمجتمع يحكمه ويتحكم فيه الجهلة والمتجاهلون ومرضى العقول والنفوس والقلوب والضمائر. "ولا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء."

بكلمة موجزة نقول: انه لا غنى لطلبة الآخرة عن الدنيا، فالدنيا هي الطربق الى الآخرة. فمن أراد آخرة كريمة فليعمل ليكون كريما في دنياه، وليكن صادقا مع نفسه ومع الآخرين، وليقم بواجبه نحو نفسه ونحو مجتمعه أيضا .

فمن أحيا نفسه، فقد أحيا مجتمعه ومن أحيا مجتمعه فقد سار على طريق إحياء الإنسانية جمعاء وكان من الذين ظفروا بحب ورضى رب العالمين. ونقول أيضا: انه لا مهرب لطلبة الدنيا من الآخرة. فالآخرة هي ما لا يستطيع الهرب منها أحد "ويدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيَّدة . "

ولأن الآخرة كذلك، فإن الحكمة البالغة تقضي بأن يختار المرء آخرته بنفسه وهو على قيد الحياة قبل أن تفاجئه

آخرته فيخسر الحياتين: حياة الوجود وحياة ما بعد الوجود .

فوجودنا الإجتماعي وحياتنا الأخروية هما ما نحن، وما نكون، وما سنكون بأعمالنا وممارستنا وانتاجنا وصراعنا

في هذا الوجود الذي هو نقطة البداية والإنطلاق لأي وجود آخر يمكن أن يكون بعده أو وراءه. فهذا الوجود هو ساحة عملنا، ومختبر صلاحنا وفيه نترك أرثنا وتراثنا لأجيالنا.

وفيه أيضا تكون شهادة رضى الله أو سخطه علينا .إن الوجود بالنسبة للنظرة الإجتماعية القومية الإنسانية الى الحياة والكون والفن هو على ثلاثة أنواع: النوع الأول هو الوجود الظاهر المكشوف للإنسان. والنوع الثاني هو الوجود الممكن إكتشافه ومعرفته والإطلاع عليه. أما النوع الثالث فهو الوجود المستحيل اكتشافه ومعرفته

والإحاطة به من قبل الإنسان لأنه أبعد وأعمق وأشمل من أن يحيط به عقل بشر .

هذا هو الوجود الماورائي او الماوراء وجودي الذي لا يخضع لعلم مخلوق، بل يخضع فقط لعلم الله الخالق العليم القدير الذي أوجد هذا الكون الماثل أمامنا ولا يعلم خفاياه ونواميسه وأسراره إلا هو إن نظرتنا الإنسانية الإجتماعية تنحصر بالنوعين الأولين: الوجود الظاهر المكشوف، والوجود الذي لم يتسن لنا اكتشافه بعد ويمكننا اكتشافه. أما النوع الثالث الذي يتعلق بالوجود المستحيل اكتشافه من قبل الإنسان فإننا نقر ونعترف أن قدرتنا الإنسانية وأهليتنا وامكانيتنا غير جديرة بتناوله، وفك رموزه. بل إن تناول هذا النوع من الوجود هو ضرب من المحال. ونوع من التكهن والتخمين والظن لا يجني الخائض فيه إلا المزيد من التخرص والوهم والضياع. وهل أصدق من القرآن الحكيم حين قال:" يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ قل علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو..." وقد أوضح كاشف هذه النظرة الى الحياة والكون والفن أن العقيدة القومية الاجتماعية المنبثقة عن تلك النظرة :

"لم تتعرض للدين وعقائده الدينية التي غرضها خلود النفس بعد ارتحالها من هذه الدنيا في مقامين مختلفين :

المقام الأول مقام النعيم. والمقام الثاني مقام الجحيم .فمن أراد النعيم ابتدأ ممارسة الإيمان الذي يعتقد انه يوصله اليه وهو بعد في هذه الدنيا، فيهيء بهذه الطريقة خلوده في النعيم. ومن أراد الجحيم ابتدأ يمارس المعاصي والكفر. فلا المؤمنون يذهبون الى الجحيم بكفر الكافرين ولا الكافرون يذهبون الى النعيم بإيمان المؤمنين.

وأما الذين لم يؤمنوا ولم يكفروا، فالبعض يقولون انهم يذهبون الى الجحيم، والبعض يقول ان حساب الله يقرر لكل واحد منهم حسب أعماله إن خيراً فخيراً. وإن شراً فشراً .وما دام الحساب بيد الله ،فلنخفف قليلا من غلوائنا فلعل الله يريد غير ما يراه عباده."*

وقال ايضا:" إن حركة العقيدة القومية الإجتماعية لم تمنع أحداً قط من إظهار معتقداته الفلسفية من أي نوع كانت في كتاباته. فيمكنكم ان تنشروا أفكاركم واستنتاجاتكم في الخلق والنشر والحساب، وليوافقكم على ذلك من شاء

وليخالفكم من شاء. "

ثانيا: مجتمعية الفلسفة القومية الاجتماعية

فضلا عن وجودية الفلسفة القومية الإجتماعية وواقعيتها الدنيوية يعنى إهتمامها بما في الوجود وليس بما هو خارج الوجود، فإنها تقول ب "إنسان مجتمع" وليس ب" إنسان فرد" باعتبار أن الفرد في حد ذاته جزء من المجتمع إن وجد بوجود المجتمع. ويعيش ويحيا ويمارس حياته ويكتسب شخصيته في إطار المجتمع ومداه، ويستحيل عليه الإستمرار والبقاء خارج المجتمع. وإننا نجزم أن كل ما توصلنا اليه من معارف يبرهن ويؤكد على أن الكوكب الذي نعيش عليه هو من حيث تكوينه وجريانه واقع بيئات جغرافية. وأن البشر متوزعون في هذه البيئات بشكل جماعات وشعوب. وأن أتم متحد إجتماعي بشري هو متحد الأمة التي نشأت بتفاعل الجماعات والمجموعات البشرية في ما بينها وفي ما بين الأرض التي تعيش عليها في بيئتها. وقد كونت هذه الجماعات بفعل تفاعلها على مرور الزمن لكل جماعة شخصية إجتماعية ووجدانا اجتماعيا. وعقلية اجتماعية. ونفسية اجتماعية أكسبتها بمرور الزمن صفات وميزات وخصائص ميزتها عن غيرها من الجماعات باستثناء الصفات الانسانية العامة التي تشترك بها مع غيرها من أبناء نوعها الإنساني. إن الإنسان المجتمع أو مجتمع الأمة هو الإنسان الكامل الأتم الذي هو الشعب المتولد من تاريخ ثقافي طويل يعود الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي، وليس عصابة هنا، أو فئة هناك، أو طائفة هنالك، أو عدد من أفراد في ناحية أخرى.

إن إنفراد كل جماعة أو فئة أو طائفة أو مجموعة في البيئة الواحدة هو من الأمراض المعرقلة والمعطلة لعملية

الإنصهار المادي الروحي التي تجعل للمجتمع الواحد عدة قضايا متضاربة متناقضة بدل قضيتها الواحدة التي

ينبغي أن تكون قضية سلامة وجودها، وصلاح حياتها وقضية استمرار نموها وتقدمها وارتقائها، من جميع

الوجوه النفسية والفكرية والإقتصادية والسياسية والفنية، ليتمكن المجتمع بكامله من التعامل والتعاطي والتفاعل والتواصل مع المجتمعات الأخرى، لتوليد مجتمع النوع الإنساني الذي هو في الحقيقة مجتمع مركب من مجتمعات الأمم الناهضة التي بلغت المستوى الذي يؤهلها من الإشتراك في نشوء الإنسان العالمي ويجعلها عنصراً أساسيا في تكوينه. إن الإنسان العالمي الذي تكشف في الفلسفة المجتمعية القومية الإجتماعية والذي تسعى هذه الفلسفة

وتعمل وتصارع من أجل نشوئه ونموه هو إنسان- المجتمعات الناهضة المعافاة، وليس إنسان – المجتمعات المتخلفة المريضة.

إنه إنسان- المجتمعات الطبيعية. إنسان الأمم الراقية وليس إنسان - الحكومات والدول والمنظمات والتكتلات الطغيانية. لقد رفضت هذه الفلسفة التكتلات الفئوية التجزيئية داخل الإنسان المجتمع - الأمة، ورفضت أيضا التكتلات التجزيئية الفئوية الطغيانية داخل الإنسان المجتمع العالمي لأنه يؤدي الى خراب العالم ودماره .

إنها رفضت مجتمع الأسياد والعبيد داخل مجتمع الأمة ورفضت أيضا مجتمع الطغاة والخانعين داخل مجتمع النوع الإنساني. والذي قبلته وتبنته وقالت به هو صراع العقائد والأفكار والثقافات والعبقريات المجددة حيوية الجماعات والشعوب والأمم بالمعارف الفاضلة، والعلوم المفيدة، والفنون الجميلة، والمناقب الأصيلة، والفضائل

الراقية التي تبني ولا تدمر، وتوحد ولا تفرق وتُعِز ولا تُذل، وتُرَقي ولا تُحِط، وتهدف الى تلاقي وتعاون المجتمعات الناهضة على مساعدة غيرها على النهوض من أجل ولادة ونشوء عقل بشري ممتاز قوامه عقليات الأمم الناهضة المتمدنة. وذلك لمواجهة الكون الماثل أمامنا وسبر أغواره واكتشاف ما يمكن اكتشافه من النواميس والقوانين الطبيعية، بعقل مركب بشري بديع يعرف كيف يتعامل مع الأرض والجو والمناخ والبيئة والبحار مع المحافظة على سلامة الكوكب الذي نعيش عليه، وصلاح الكون الذي نحن جزء منه وفيه، ولا وجود لنا ولا حياة ولا استمرار خارج نطاقه .

ثالثا: الفلسفة الوجودية المجتمعية نقطة بداية وانطلاق.

إن بداية الوعي واليقظة هي الأساس الذي ترتكز عليه نقطة البداية والانطلاق. فلا بداية سليمة وواقعية وعملية بغير وعي. وكل فكر او قول أو عمل او حركة أو سلوك أو نهج أو تصميم بدون الوعي هراء في هراء، وهباء في هباء، ومضيعة للوقت والجهد .

ولأن هذه الفلسفة هي وعي جديد لم يكن مألوفا من قبل فإنها تشكل نقطة البداية والإنطلاق، وهي في الوقت ذاته حلقة من حلقات الفكر الأصيل وخطط النفسية الراقية في أمتنا التي تُعبر عن حيوية العقل المنفتخ الخلاق الذي لم يقف مشلولاً عاجزا مشدوها أمام عظمة الكون، بل تعاطى معه بنبوغ وعبقرية فأبدع الشراع والشرع، والدين والتمدن واستنبات الأرض وتدجين الحيوان وعمار المدن وكتابة الأساطير والشعر والرسم والموسيقى والغناء والرقص وكل فن جميل يساعد على سمو الحياة. فكان شعبنا بكل هذه الابداعات أول من فلسف ألأسطورة قبل أن تتأسطر الفلسفة . وأول من وضع حداً لزمن الخرافات والجهالات وفتح لنفسه وللناس أبواب النور والمعرفة على مصاريعها .

إن هذه الفلسفة التي تقول بأنه: "كلما بلغنا قمة تراءت لنا قمم كثيرة نحن جديرون ببلوغها."

عينت وقررت بشكل لا لبس فيه ولا شبهة أن لا سقف لها تقف عنده، أو نهاية مطاف تستريح عندها، بل هي أعلنت النهضة المتجددة أبداً. والثورة التي لا تقف عند حد.

والمسيرة المتصاعدة الى أبعد ما تستطيعه وتتمكن منه عبقرية الإنسان ونبوغه وإبداعه، بحيث يصبح ملكوت السموات بنعيمه ونعمه محطة لإنطلاق جديد متجدداً حيث لا أذن سمعت، ولا عين رأت، ولا خَطَرَ على قلب بشر" كما ورد في الحديث النبوي الشريف .

وهناك بالذات، ومن تلك المحطة حيث تلتقي وتتعانق نظرتنا الى الوجود بنظرة ما وراء الوجود الانساني تتراءى

للناهضين الصالحين من الذين فهموا دينهم ودنياهم كما ينبغي أن تُفهم الدنيا ويُفهم الدين منارات تجعل الوجود أكثر سمواً وأكثر جمالا، وأكثر بهاءً حيث العظمة التي لاتنتهي، والسناء الذي لا يُحد.

رابعاً: حياتية الفلسفة القومية الإجتماعية

إن أهم مبدأ للوجود المجتمعي هو مبدأ الحياة، وبدونه لا حياة ولا قيمة لأي شيء. فإذا إنعدمت الحياة إنعدم كل شيء. فَقَد الوجود قيمته. وفقد الإنسان المجتمع حياته. وسقط الفكر. وتلاشت النظرات والنظريات، وانهارت عمارات الفلسفة والعلوم والمعارف والفنون، ولم يعد للوجود أية قيمة تذكر.

لقد إرتكزت النظرة القومية الإجتماعية منذ البداية على مبدأ أساسي متين قوي حقيقي هو الإنسان المجتمع

كحقيقة أساسية كلية طبيعية موجودة ومعروفة وحية ونامية ومتطورة متفاعلة مع بيئتها الحاضنة لها كما هي متفاعلة مع نفسها وبذاتها بحيث لا تبقى هي ذاتها إذا فقدت حركتها الدينامية المتفاعلة التي أثمرت خلال تطورها

ونموها إنسان الشخصية الفردية وإنسان الشخصية الاجتماعية اللتين لا تستغني الواحدة منهما عن الأخرى، ولا تستقيم شخصية الإنسان المجتمع إلا بتفاعلهما وتناغمهما وتوحدهما بحيث لا رقي حقيقي لأي منهما بدون الأخرى.

ولا تقدم إلا بتوحدهما في دورة الحياة الإنسانية النامية .المجتمع هو الكل. والفرد خلية حية في كل الفرد إمكانية

إجتماعية وهو فعالية إجتماعية إنسانية في الوقت ذاته .

إنه عين بصيرة في جسم حي، وعمياء حين تقتلع. فإذا زُرعت في جسم حي آخر قبل أن تموت عادت لها فعالية

النظر والرؤية. وإذا ماتت فلا نفع من زرع، ولا فائدة من كل العقاقير. المجتمع كائن كلي حي. والأفراد إمكانيات إجتماعية حية وفعاليات خلايا فاعلة في دورة حياة المجتمع. تتجدد خلاياه بتجدده، ويتجدد بتجدد حركة خلاياه الحية المتجددة أرواحا في روحية .وعقولاً في عقلية. وأنفسا في نفسية. الأفراد يولدون يتزاوجون. يتوالدون. ويموتون وبقدر ما يفعلون لترقية مجتمعهم يكبرون ويخلدون. انهم بموتهم يولدون وفي أجيال أمتهم يتجددون. انهم في ضمير أجيال أمتهم مستمرون نبوغا وإبداعا وعبقرية وقيَما وفضائل وأفعال وذكرى عاطرة تدفع أرحامهم الى ما يرفع النفوس الى كل ما هو أجمل وأحسن وأسمى. وبنسبة ما يعطلون ويخربون من طاقات مجتمعهم يصغرون ويتناثرون ويتبخرون .

هذا الكائن الطبيعي الحي الذي نسميه الإنسان المجتمع هو الذي يُعَبر عن الحياة وماهيتها. هو تعبيرها ا لأسمى في هذا الوجود. ولأن الحياة هي التي تنمو فإن الإنسان الذي هو تعبيرها الأسمى هو ألإنسان النامي المستمر في نموه. إنه إنسان متجدد في البيئة. في الأرض. في الكون. ومتواصل في الزمان عبر المراحل والأطوار والمستويات جيلاً بعد جيل .

إنه كل وليس جزء. إنه الأجيال منذ كانت الى ما ستكون .وليس جيل أو عدة أجيال. إنه حركة التاريخ المتواصلة

الدائمة في الماضي والحاضر والمستقبل. بدأ منذ فجر الخليقة وليس من حيث يستذوق البعض أن يبدأ. إنه ليس مجموع أفراد. ولا مجموع أجيال. ولا فئات ولا طوائف. بل إن جميع هذه التجمعات لا وجود لها ولا كيان إلا في المجتمع .

وهي في حال تشرذمها وانغلاقها واقتتالها فيما بينها تشكل بثور أمراض خطيرة تؤدي في أحيان كثيرة الى تفتت المجتمع ودماره وهلاكه. أما المجتمع الصحي الحي فإن من أهم ميزاته ميزة بروز شخصية الفرد، وظهور شخصية الجماعة اللتين تعبران عن طاقة الحياة، وحيوية النمو في ألإنسان المجتمع. وبقدر ما تتوهج الشخصية الفردية موهبة وعبقرية وإبداعا من جهة. وبنسبة ما تتألق شخصية الجماعة رفعة ورقيا وتمدنا وسموا من ناحية ثانية، فإن الإنسان المجتمع يبرهن ويفصح عن حيوية أكبر وجدارة أقوى، وأهلية أعظم تُهيئه لبلوغ طور التنوع المنسجم المتناغم في تكوين ونشوء الإنسان- العالمي الإنساني المتطلع الى أرقى ما يتصوره العقل البشري، وتطمح اليه النفوس الجميلة الخيرة .

الفلسفة القومية الإجتماعية بالمفهوم المتقدم هي فلسفة حياة حية حيوية عملية نامية متسامية لا سقف لها في النمو، ولا حدود تقف عندها. فهي تنطلق من الأرض نحو السماء التي تصبح بدورها قاعدة انطلاق بإتجاه سماوات لا تنتهي لتحقيق مُثُل عليا لا نستطيع تصورها الآن .

إنها فلسفة متجددة بتجدد حيوية الإنسان. ومنفتحة بنسبة تفتح قواه العقلية. وشاملة ومتوسعة بنسبة توسع واتساع آفاق معرفته. ومتسامية على قدر تسامي تصوراته وخططه في تحسين مستوى حياته المدرحية.

هذه بعض الأضواء نسلطها على فلسفة حياتنا القومية الاجتماعية المناقبية الجديدة التي توقظ فينا عوامل النهوض،

وتفجر كل ما تحويه نفوسنا من عزيمة الصراع ومواهب الإبداع لنظل الأمة الجديرة باحتلال مكانها الرفيع بين ألأمم.

ملاحظة: هذا ملخص لأول محاضرة القيت ارتجالا في حلقة إذاعية اعدت للطلبة القوميين الإجتماعيين بعد المحاولة الإنقلابية في لبنان في منزل الرفيق جوزيف رزق الله في الشياح، بيروت الذي كان مكلّفا برآسة اللجنة المركزية في الحزب السوري القومي الإجتماعي آنذاك، وقد حضر تلك الحلقة أكثر من أربعين طالبة وطالب نذكر منهم: أليدا سالم، جيزيل رزق الله، جان نادر، يوسف سالم ومحمد أمهز (شقيق الأمين محسن أمهز) الذي علق في نهاية الحلقة الاذاعية قائلاً: "يظهر أنك دائرة معارف يا حضرة المذيع هل لنا ان نعرف اسمك؟" ولم أكن معروفاً يومها الا من شخص واحد من الحضور هو الرفيق جان نادر، كما تجدر الاشارة الى انني لم أكن قد انتميت يومها الى الحزب السوري القومي الاجتماعي وذلك في بداية العام 1369 فكان جوابي له وللطلبة الحضور :

" دوائر المعارف تجميع وتراكم معلومات، أما سعاده فهو نبع هائل متفجر، وبحرٌ عميق عميق، ومحيط واسع واسع. ومن سعاده نغرف فكر حياتنا. فاذا اكتفيتم بما أعرف وبما قدمته لكم فان حركتنا لن ترى الانتصار. فحتى تنتصر حركتنا يجب أن تعرفوا ما أعرف وفوق ما أعرف لأن فلسفة الحياة التي تركها لنا سعاده هي فلسفة نمو الحياة التي لا حدود لنموها. أما بالنسبة لاسمي فيكفي أن تعرفوا اننا جميعا نسعى لكي نكون طلابا ناجحين في مدرسة الحياة التي أنشأها سعادة. وليست العبرة في معرفة الأسم بل في استيعاب وفهم القضية المقدسة التي تساوي وجودنا. وقد نشر هذا الملخص في العام 66 في مجلة الجامعة في بيروت. وقد علق على هذه المقالة الصحفي والأديب الراحل غسان كنفاني يومها في جريدة المحرر بالقول التالي على ما نذكر: "بعد ان فشل الحزب القومي الإجتماعي في محاولته الإنقلابية فإنه يعود الى حرم الجامعة عن طريق الفكر والفلسفة ليضلل الطلبة.

أين هي الدولة؟ وأين هم المسؤولون؟ وكيف يسمح لمثل هؤلاء أن يعملوا وينشطوا ؟ ".

وتجدر الإشارة الى ان وزارة الاعلام اللبنانية بعد أن وعدت الزميل سيمون عواد بمساعدة مجلة "الجامعة" التي

أصدرناها نحن: سيمون عواد وسهيل مطر وأنا وعلى غلافها صورة الرئيس شارل حلو امتنعت الوزارة عن تقديم اية

مساعدة فقال لي الزميل سيمون: "مقالك حرمنا من مساعدة وزارة الاعلام " .

كما تجدر كذلك الاشارة الى أن الدكتور كمال يوسف الحاج أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية قال بعد قراءة هذا

المقال "لقد قلت وأكرر أننا مع أنطون سعادة عرفنا الفلسفة وصار لنا فلسفة..." ونصحني بقراءة المقالين اللذين كتبهما عن سعاده: المقال الأول: "سعاده ذلك المجهول" والمقال الثاني "سعاده الفيلسوف".







 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026