إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

قائد الإنقلاب عضو المجلس الأعلى، عميد الدفاع الأمين فؤاد عوض

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2019-06-13

إقرأ ايضاً


" .. ومرّ عليَّ أربعة أشهر تقريباً، قضيتها في زنزانة طولها ثلاثة أمتار وعرضها متر ونصف دون فراش أو سرير. وكنتُ أمضيتُ شهراً كاملاً خلال كانون الثاني وشباط دون أي غطاء يقيني برد الشتاء، وبعدها سمحوا لي بحرام واحد، وبعد شهر أُعطيتُ حراماً آخراً، وقد هبط وزني من 85 كيلو إلى 65 ولم يسمحوا لي طوال هذه المدة بمقابلة أحد من أقاربي أو أي محام.

" ولقد أبقوني شهرين كاملين دون حمام أو حلاقة ذقن، وعندما قادوني من الزنزانة إلى الحمام بحراسة أربعة عسكريين ورقيب، شاهري الحراب، كان منظري مريعاً وتفوح من ثيابي رائحة الدماء المتجمّدة الممزوجة بالعرق الذي كان يتصبّب مني أثناء حفلات التنكيل، بالإضافة إلى روائح فضلات الطعام، أو بالأحرى كل الطعام الذي كان يُقذف لي على رغيفين من الخبز العربي دون صحن أو ملعقة ".

هذا بعضٌ من كثير تحدّثَ عنه النقيب الأمين فؤاد عوض في كتابه، الطريق الى السلطة، عن مراحل التنكيل، والتعذيب، والقهر التي تعرّضَ لها في ثكنة المير بشير بعد اعتقاله.

قبل ذلك، يقول في الصفحتين 249 – 250 عن جلسات التعذيب الأربعة التي تعرّضَ لها:

جلسة التعذيب الأولى:

قضيتُ النهار في مكتب ضابط الشعبة الثانية المشرف على التحقيق، بين الخضوع لعدسات مصوّري الصحف، ومصوّري التلفزيون، وبين الاستجوابات الأولية غير الرسمية. ولما وجد ضابط الشعبة الثانية أنني غير مطواع، ولن أتعاون معهم، غادر المكتب وتركني وحدي. وعند الساعة الحادية عشرة ليلاً غفوت في مقعدي من فرط التعب والإنهاك. وإذ بأحد الرتباء يوقظني ويقول "الحقني". فتبعته في البناء نفسه، ففتح باباً ودفعني بكل قواه إلى داخل قاعة ثم أقفلها ورائي، وإذا بي في حضرة أربعة جنود مدججين بالأسلحة، وأربعة مدنيين هم أيضاً جنود يعملون في المكتب الثاني. وبمجرّد رؤيتي مجموعة الكرابيج الحديدية، والجلدية الموضوعة على طاولة، ادركت ما ينتظرني.

وبينما كنتُ أجول بنظري بالمجموعة هذه، إذ بضربة تنهال على رقبتي من الوراء، وأخرى على معدتي من الأمام، فكدتُ أن يُغمى عليّ. قفزت إلى ناحية الطاولة وقلبتها على هؤلاء، وتسلحت بالكرسي، وأخذت أضرب بدون وعي على المدنيين، ولم أتوقف إلا بعد أن رُشّت المياه على جسمي المدمّى. فوجهي كان متورماً، وفمي ينزف دماء، وثلاثة من أضراسي مخلّعة. وشاهدت الأسى والألم على وجوه ثلاثة جنود يقفون دون حراك، ولم يشترك أحد منهم في ضربي باستثناء واحد منهم أخذ ينهال عليَّ بكعب البندقية ضرباً ويقول لي: "عمّال تقوّص الأرزة؟ " فوقعتُ مغمىً عليّ ولم أفق إلا والماء على رأسي. عندها أخذ أحدهم يدوس رأسي كالطابة بقدمه ويقول لي: " أنت قد بيت شهاب. أنت بدّك تقلب بيت شهاب. مينك أنت ولا !". وقد تحطّمت ساعة يدي في هذه الحفلة، وأفقتُ كتلة من دم، ولحم، وماء، وثياب مبلّلة، مرمية على الأرض دون فراش أو غطاء. وقد استيقظت حوالي الساعة الثالثة صباحاً على باب الزنزانة يُفتح بهدوء، وإذا برئيس الحرس يقدّم لي منشفة مبللة كي أمسح بها وجهي، ويقدّم لي برتقالة ويقول: " تشجّع. لا تخف. البطريرك معوشى إلى جانبكم ولن يتجرأ هؤلاء الكذا... على مسّكم من الآن وصاعداً. وأقفل الباب بهدو وانصرف، وعند الصباح جاء المقدّم الطبيب الدكتور نصر، وعندما شاهدني في هذه الحالة أرسل الممرض كي يعتني بجروحي، ولم أعد أرى له من وجه، إذ أنه طلَب إعفاءه من هذه الوظيفة واستعاضوا عنه بطبيب آخر هو النقيب الطبيب جزولي، وهو جزائري الأصل، وقد تعاون مع الطغمة وفق مخططاتها.

التحقيق العسكري:

قضيتُ نهار الأحد في الزنزانة، ولم يشأ ضابط المكتب الثاني إخراجي من زنزانتي إلى التحقيق بهذا الشكل كي لا يثير الجنود، إنما عند الساعة السابعة مساءً استدعيت إلى التحقيق فأعطيتُ إفادة بالأشياء المعروفة، وعندما ضاق الضابط المحقق ذرعاً بي قال: " لا بقى تتعذّب وتعذبنا. اقرأ إفادة فلان وفلان وفلان من شركائك "، وعند هذه الإفادات التي كانت صحيحة، وصريحة، ولم يكن مجال للتهرب منها، كنت أعطي إفادة حسب ما قاله الغير قبلي.

ولستُ أدري كيف حافظتُ على إرادتي من الإنهيار التام. وعندما كنتُ أُستدعى إلى التحقيق كنت لا أدري ما هي القوة الخارقة التي كانت تستنفر ما تبقى لي من إرادة وقوة في مقاومة الخضوع لإرادة الطّغمة والمحققين، فتارةً بالتحايل، وطوراً في المصارحة بأمور لا تؤذي إلا شخصي، فإنني كنتُ أتغلّب على هؤلاء الأغبياء. وقد يكون الاحتقار العميق الذي أكنّه في أعماق نفسي لهذه المجموعة من اللصوص هو ما دفعني للصمود.

*

جلسة التعذيب الثانية:

في مساء اليوم الرابع لاعتقالي، وبعد الحفلة الأولى، لمس الطغاة بأنني ما زلت أقاوم، فأرسلوا الجلادين إلى باحة الزنزانات، ونفّذوا كل ما يستطيعون ضمن حدود إبقائي حياً، وأعادوني إلى الزنزانة شخصاً آخر. وفي مساء اليوم التالي، استُدعيت إلى التحقيق، فلم ينالوا أكثر مما قلتُ سابقاً وأضربت هذه المرّة عن الكلام .

*

جلسة التعذيب الثالثة:

جرت في نفس الباحة وعند منتصف الليل، وأُعدْتُ بعدها إلى الزنزانة. وفي مساء اليوم التالي استُدعيت للتحقيق، وبقيتُ على إصراري، فنُقلت إلى قاعة كبيرة خالية.

*

جلسة التعذيب الرابعة:

هنا حاولوا أسلوباً جديداً، إذ تقدّم مني أحدهم وصفعني وقال لي: " أمك وزوجتك في الغرفة المجاورة، وعَمّال يسمعوا إنّا عم نضربك ونجلدك. بدك تقلّنا أسماء كل الضباط المتكل عليهم بعد الإنقلاب، وهلّي تآمروا معك ".

فأصرّيت أنه لا يوجد أحد. هنا هجم عليَّ أحدهم، ووضع فوّهة المسدس في رأسي وفتح الديك وقال: " بتحكي ولا رح نبعتك على جهنم ". فأصريتُ أنه لا يوجد ضباط كنت سأتكل عليهم.

عند هذا الحد غادر رئيس الجلادين القاعة، وعاد بعد قليل وقال: " اجلدوه حتى امو تصرّخ من الغرفة المجاورة ". وانهالوا عليّ لكماً ودوساً بالأقدام والكرابيج، وتقدّم أحدهم مني، ووضع يده على عنقي محاولاً خنقي وقال: احكي. عندها قلت له سأتكلم، وأبعد معاونيه وبقي معي مع عميل آخر وأخد قلماً وورقة وقال لي: " هات هالأسماء وراح نحلّ عنك ". فلم يبقَ أمامي سوى أن أعمد إلى الحيلة. ولما كان هؤلاء الجلادون من الأغبياء، ولا يعرفون ميول ضباط الجيش، ظنوا أنهم حصلوا على المطلوب. إذ بدأت أعطيهم أسماء الضباط المحايدين الذين كان شعارهم في الجيش " غيّب شموس وقبّاض فلوس ". دوّنوا هذه الأسماء وأعادوني إلى زنزانتي. وفي اليوم التالي عادوا إليّ وأخذوا يهددوني من وراء قضبان الطاقة: " عمّال تضحك علينا. بتعطينا أسماء مش صحيحة، الليلة منفرجيك ". وكانت هذه الحفلة الأخيرة .

*

بتاريخ 21 كانون الاول من العام 1970، وبموجب مرسوم عفو خاص موقّع من رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، خرج الامين فؤاد عوض من الاسر .

تسنى لي ان ازوره وان التقي به. ذلك اني كنت على معرفة بشقيقيه نبيل وجورج الطالبين في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، وبشقيقه الدكتور البير الذي كان ينشط مع عائلات الرفقاء الاسرى، في زياراتها الى رجال دين او حكم، او في الاعتصامات التي تقوم بها، وكان الدكتور البير يصطاف في جوار فندق سميراميس في "بحمدون الضيعة"، حيث كان يصطاف ايضاً صهري الرفيق ميشال صباغة، فكثيراً ما كنت ازوره، فألتقي شقيقه المهندس جان وشقيقيه الطالبين نبيل(1) وجورج(2).

في تلك الفترة كنت اتردد الى مكتبة "ناصيف وعرمان"(3) في منطقة السراي الحكومية، فكان الامين فؤاد يزورني باستمرار(4) ويختار العديد من الكتب، في السياسة والفكر والتاريخ. واستمرت علاقتي جيدة به على مدى سنوات تولّيه المسؤوليات المركزية، حتى رحيله.

*

بعضٌ من سيرة ومسيرة:

عن الجزء الأول من كتاب الرفيق غسان الخالدي، بعنوان "الحزب القومي والثورة الثانية 1961- 1962" ننقل أبرز ما جاء في الصفحات 52-56:

• وُلدَ فؤاد عوض في عندقت – قضاء عكار عام 1929، وخضع لدراسة متقلبة أملاها تقلّب عمل والده.

• درس في معظم مدارس لبنان حتى بلغ السادسة عشرة، لأن والده كان رقيباً في الدرك، خدم بين 1925 و 1946 في طرابلس، ومعاصر الشوف، والشويفات، وصيدا، وشبعا، ومرجعيون، وبعلبك، وسبعل، ليعود مجدداً إلى طرابلس. لكن المدرستين اللتين أفاد تعليمياً منهما كانتا البطريركية في بيروت في الفترة 1945 – 1946، ومن طلابها آنذاك الراحل رياض طـه الذي كان أعلى من فؤاد بصفين وفرير طرابلس حيث درس ما بين 1946 و 1948، سنة انتسابه إلى المدرسة الحربية.

• في تشرين الأول 1950 تخرّج ملازماً، ثم نُــقل إلى فوج الخيالة الخفيف في "أبلح" بعد أن كتب على الورقة التي حملت علامات تخرّجه: "له إلمام خاص بالميكانيك. هذه الملاحظة، كانت توجِب إرساله إلى سلاح المدرعات، لكنهم أرسلوه إلى سلاح الخيالة، لأنه هو وَ مختار مزبودي كانا بِلا واسطة.

• الضابط السيء الحظ الذي قضى ثلاث سنوات في أبلح ذكر اسمه في 1952 كبديل محتمل عن الملازم أول حسواني رئيس الشعبة الثانية يومها(5)، إلا أن قائد الجيش فؤاد شهاب قال إن فؤاد صغير السن والرتبة. وفي العام التالي استبدلت خيول الجيش التي بلغ عددها 600 حصان بالمصفحات، نظراً لتضاؤل دورها في الحروب، فانتقل فؤاد عوض من راكب حصان إلى راكب مصفّحة.

• انتمى النقيب فؤاد عوض إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1947 في طرابلس. كان الوسيط أوغست حاماتي(6)، زميله في الدراسة.

• في آذار 1948 جاء الزعيم أنطون سعاده إلى طرابلس حيث التقاه في منزل الدكتور عبدالله سعاده. كان يومها في منفذية الطلبة. ترك الزعيم انطباعاً مهمّاً عند فؤاد عوض، من حيث الشخصية الجذابة والقوية، فقد كان يتكلّم بثقة.

• دخل فؤاد عوض إلى المدرسة الحربية حيث انقطع عن الحزب، واستمر انقطاعه حتى 1956 حين تعرّف الى المقدّم الرفيق غسان جديد، ونشأت علاقة بينهما استمرت حتى اغتيال الرفيق غسان في العام التالي.

• في عام 1954 اقترن فؤاد بآنسة تنتسب إلى إحدى الأسر العسكرية، فصاهر الكولونيل سعيد الخوري، ومن زواجه أنجب وليد وأمل.

• تعرّف إلى فؤاد شهاب عام 1955، وفي 1958. كان المساعد للواء شهاب في ما يتعلّق بالشؤون اللوجستية، حيث قدّره شهاب لأنه كان يقف سدّاً منيعاً في وجه الرشاوي، وسوء استعمال آليات الجيش للمصالح الخاصة، فكان مقدّراً أكثر من الضباط الآخرين.

ومع هذا فـ"فؤاد الصغير" لم يكن يحب "فؤاد الكبير". يقول فؤاد عوض في مجالسه، أن فؤاد شهاب كان متعالياً يحتقر الناس: هو أمير، ولو جاء من عند الضباط الفرنسيين. ينظر من هذا المنظار إلى الناس، ما بيحب ولا يؤمن إلا بالفرنج. الرأي الوحيد الذي يأخذه في اعتباره هو رأي الضابط الفرنسي "ليه"، والذي جاء به شهاب في 1955، وعيّن فيما بعد في الجيش، ثم أبقاه إلى جانبه حين أصبح رئيساً للجمهورية وحتى 1964. رأي هذا الضابط الفرنسي يتقدم على كل رأي آخر.

• في عام 1958، ومع اندلاع الحرب الأهلية، نُقِل فؤاد عوض إلى صور التي كانت بمثابة منفى له، وبقي حتى 1961 حين نفّذ انقلابه العسكري. تابع فؤاد في العام 1960 دورة مدرّعات في الولايات المتحدة دامت أحد عشر شهراً.

• في عام 1975 تسلّم مسؤولية عميد الدفاع في الحزب السوري القومي الاجتماعي، ثم انتُخِب لعضوية المجلس الأعلى.

• في عام 1986 رفع فؤاد عوض مراجعة تطالب باعتباره ضابطاً متقاعداً، وصرف كافة حقوقه القانونية العائدة لفترة خدماته الفعلية في الجيش، بما فيها الإضافات الحربية. وقد صدر عن مجلس شورى الدولة قراراً يحمل الرقم 124/86 قضى بإعادة الاعتبار إلى النقيب السابق في الجيش، فؤاد عوض.

• ترشّح للانتخابات النيابية في العام 1992، وتوفيّ بتاريخ 18/10/1998.

***

اعتقاله:

في كتابه "الطريق إلى السلطة" يروي الأمين فؤاد عوض قصة المحاولة الإنقلابية. نقترح، لمن يودّ الإطّلاع على أسرار تلك المحاولة أن يراجع الكتاب المذكور. نكتفي، بإيراد ما جاء في الصفحات 234 - 237 عن ظروف اعتقاله، تحت عنوان الرحلة المتعثرة:

" في تمام الساعة السادسة مساءً من نهار الجمعة الواقع فيه 19 كانون الثاني 1962، تركتُ منزل خالتي في "معاصر الشوف" وسرتُ على الطريق التي رسمتها في رأسي ".

يروي الأمين عوض أنَّ غالبية المدافن في قرى الشوف تقع على جوانب الطريق عند مدخل القرى. ومنذ طفولته شُيّعَ العديد من الجدود والأقارب والأنسباء والأصدقاء إلى مثواهم الأخير في معاصر الشوف.

يقول: "الليلة كنتُ الحيّ الوحيد الذي يجتاز مدينة الأموات في الجهة الجنوبية من البلدة، وكانت أشجار السنديان الضخمة تحجب عني ضوء القمر الباهت، وغيوم كانون الثاني تريني آلاف الأشباح المتحركة. وصلتُ إلى أول المدافن، وحاولت أن أطرد من مخيلتي صور الأقارب والمعارف الذين يرقدون تحت هذه الاشجار الضخمة في سكون الليل، وكدتُ اُفلِح. إلا أنه عند اقترابي من شجرة ملول صغيرة، وعلى علوّ مترين فوق رأسي رأيت عينين غريبتين تلمعان في ضوء القمر، وما كدتُ أتثبت من هذا الغريب حتى زعق صوتاً رددته أودية البلدة، ومزّق سكون الليل، وصفّق بجناحين متثاقلتين، وولّى هارباً في ظلام الليل، بعد أن أوقف شعر رأسي. فقد كان هذا الطائر "بوماً كبيراً"، ولم أكن في يوم من حياتي أميل إلى الاعتقاد بالخرافات، بل كنتُ اهزأ من الأقاصيص الخرافية التي تكثر في قرانا. إلا أن منظر هذا البوم، وصوته بين المدافن استنفر فيَّ غريزة القتال. فأخذت من جيبي سكيناً كبيراً بكباس، هو السلاح الوحيد الذي كان بحوزتي، ووضعته في يدي متحفزاً للإنقضاض به على طابور من الأنس أو الجن. وفيما كنتُ أحث السير كي أجتاز هذه "المدينة" التي تكدّست بترابها أجساد الألوف عبر السنين، إذ بثلاث ثعالب تخرج من خشخاشة متداعية على بعد عشرين متراً مني، فالتقطت أحجاراً، وانهلتُ بها على هذه الحيوانات فولّت الأدبار، وتابعت سيري، وفيما بعد، مررت بكثير من المدافن إلا أنها لم تثر بي الرهبة التي أثارتها مدافن الجدود بمعاصر الشوف. ولما كنت ضابط مدرعات وأميل إلى البدانة، فإني لم أتعوّد على السير الطويل، فاستصعبت السير وتألمت من العطش، فبعد ثلاث ساعات سير كنتُ أجد نفسي بحاجة ماسة إلى المياه، ولم يكن باستطاعتي قرع الأبواب في الليل للحصول على المياه، بل كنت أستفيد من المياه الجارية في بعض القرى، أو من حواويز بساتين التفاح. مررت في جزّين عند الساعة الثانية بعد نصف الليل واجتزتها، وكنتُ منهوك القوى، فحاولت أن أرتاح على جانب الطريق، فنمت بعض الوقت لكن البرد القارس جمّد أطرافي فاستيقظتُ وكأني من حطب ".

تغييري خط السير:

إن الإنهاك الذي أصابني وعدم معرفتي للمفرق المؤدي من جزين إلى جباع الحلاوة- النبطية، حملني على الإتجاه نحو مدينة صيدا. عند الساعة الخامسة صباحاً شاهدت شاحنة كبيرة تنقلُ حطباً، فأوقفتها وطلبلت من السائق أن يقلّني إلى صيدا فرحّبَ بي، وعند وصوله إلى قرب مخفر درك "صفارية" قال لي أنّهُ مضطر أن يتوقف للتأشير على إجازة النقل، والمخفر لا يفتح أبوابه قبل الساعة السابعة. فشكرته وترجّلتُ وفي هذهِ الأثناء مرّت سيارة ركاب صغيرة فأوقفتها وأقلّتني إلى صيدا.

وكنتُ قد حصلت على بطاقة هوية مزورة باسم جورج خوري فنزعت عنها القسم الذي يحتوي على الصورة ووضعت قسماً من بطاقة هوية قديمة لي عليها صورتي بدون شارب، ولم اختبر بعد هذه الهوية على الحواجز. لكن مروري بسهولة قرب بيت مري في أول ليلة من هروبي، والإنهاك والأقدام المتورمة، كل هذه الأُمور حملتني على المجازفة والاستهتار.

استأجرتُ سيارة عمومية لتقلّني إلى صور واجتزتُ صيدا. ولدى وصولي إلى جسر الزهراني، طلب أحد الرتباء هويتي فأعطيتهُ اياها، فقلّبها وشك بأنها مزورة لكنهُ لم يعرفني على حقيقتي، وطلب إليَّ الترجل بلهجة فظة وبينما كنتُ أترجل انهال عليّ باللطم قائلاً: "هيدي هوية مزورة". عندها صحتُ به قائلاً: "أنا فُلان". فذعر وبهت واعتذر وتلعثم وتحلَّقَ رفاقهُ حولي. فقُلتُ لهم أن يستدعوا رئيسهم فحضر فوراً فاذا به صف ضابط كان قد خدم معي في الخيالة الخفيفة فشاهدت التأثر والألم على وجهه. انتحى بي بعيدأً عن الجنود وقال لي: "بإمكاننا أن نهرب معاً" فشكرتهُ على عاطفته وقلتُ لهُ: "الإفلات أصبح صعباً لأنهُ فور تركنا المكان سيخبر الجنود القيادة وسيطوّقون المنطقة بطائرات الهليكوبتر والجنود، وبدلاً من أن أكون لوحدي تصبح أنت معي. أرجوك أبلغ القيادة انك أوقفتني. ففعل بعد تردد وعاد إلي حاملاً علبة سجاير اشتراها من الحانوت المجاور وقدمها لي.

وبعد ربع ساعة تقريباً أصبح جسر الزهراني كساحة حرب. نُـقلت في موكب كبير إلى ثكنة صيدا، وعندما سرى الخبر بين الجنود والضباط تجمهروا حول مبنى قيادة المنطقة وشاهدت الأسى والحزن على الأكثرية المحبة منهم. ونُقلتْ بعد نصف ساعة تحت حراسة مشددة إلى ثكنة الأمير بشير في بيروت وأُدخِلتُ إلى مكتب ضابط من الشعبة الثانية كان مشرفاً على التحقيقات".

*

محاولة فراره من سجن القلعة:

في الصفحتين 293-296 من كتابه "الطريق إلى السلطة" يقول الأمين فؤاد عن موضوع محاولتهِ الهرب من "سجن القلعة" ما يلي:

مرّت الستة أشهر والعشرة أشهر ولم يحدث أي شيء. أيقنتُ بعدها أن خطة فؤاد شهاب ترمي إلى إخراجنا بعد انتخابات الرئاسة لعام 1970 وأن يعفو عنا هو بنفسه بعد عودتهِ إلى الرئاسة، وأن يربح جميلاً للعديد من الناس، وأن تكتب الصحف عن الرئيس الشفوق الرحوم الغفور الإنساني.

كنت كلّما فكرت بذلك أُصاب بنوبة عصبية، بدوار. لم أكُنْ أُريد الحرية عن يده. لذلك أقدمت على وضع خطة للفرار بالقوة، بقوة السلاح، حتى ولو قُـتلت على أبواب السجن. كان الموت لدي أفضل من الحرية التي سيمنحني إياها اللواء الرئيس.

حسبت لكل شيء: للموت خمسين في المئة وللفرار خمسين في المئة، قلتُ في نفسي، موتي لن يخدم فؤاد شهاب كثيراً مهما جبن الأهل والأصدقاء والأقارب والمؤيدون. وفراري سيقض مضجعه. شيئاً واحداً لم أحسب له حساباً هو عودتي إلى السجن جريحاً. سبعُ رصاصات لم يَكُنْ معه سواها في مشط البندقية أفرغها عليّ الدركي الحارس من سطح السجن عندما كنتُ أجتازُ مُسرعاً سرعة البرق مسافة خمسين متراً لا غير وأنا مكشوف لهُ. من السبع رصاصات التي أطلقها أصابني ستة: اثنتين في سترتي وواحدة في أعلى الفخذ الأيسر وأُخرى في ركبتي اليمنى، وعندما أدرتُ لهُ ظهري أصابني باثنتين واحدة في بطة ساقي اليمنى والثانية في مشط القدم اليمنى.

تابعتُ السير. تمكنتُ من الافلات، لكن سوء الحظ والطالع كانا بانتظاري. فالنزيف من جهة واصطدامي بالفرقة 16 عند كورنيش المزرعة من جهة ثانية، مكنا السلطة من إعادتي جريحاً إلى المستشفى العسكري ومنها إلى "أوتيل ديو" وبعدها إلى السجن. الحارس الذي أطلقَ عليَّ النار، لم يكن من عادتهِ في أي يومٍ من أيام الآحاد او الأعياد أن يستقرّ على سطح السجن بل كان دائماً يهمل وظيفته ويدخل إلى الغرف المجاورة لاحتساء الشاي والقهوة مع زملائه وقراءة الصحف. كان كل الحراس يأتون إلى هذا المكان عندما لا يكون الضباط في مقر عملهم في الآحاد والأعياد ويلجأون إلى الغرف المجاورة من الحر والبرد. لكنه نهار الأحد في الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني 1969 كان الطقس جميلاً وخرج صاحبنا يتمشى على سطح السجن وهو عازب ليمتع أنظاره بالحسان على شرفات ونوافذ البنايات المجاورة فدفعت أنا وغيري ثمن شبابه".

*

وعن محاولة الهرب يقول الأمين مسعد حجل في كتابه "لم أبدّل...ولن! "، التالي:

" فرار النقيب عوض واعتقالي بديلاً:

في اليوم التالي توجهتُ إلى سجن القلعة برفقة المسؤول الحزبي جبرايل عون، وكيل عميد الداخلية، وطلبت مقابلة النقباء، ففتح الخفير الأبواب لي ونقلت الخبر الجميل للنقيب عوض مع وعد أكيد من الرئاسة. اعاد النقيب السؤال عدّة مرات للتأكد من صحة الوعد، وهل حقيقة ان الجنرال شهاب يقبل بالعفو ؟.

وعلى كل تساؤل، كنتُ أجيب حاسماً أن الرئيس شارل حلو جاد في وعده وصادق بكلامه.

خرجت من قاووشه واتّجهت نحو غرفة النقيب خيرالله لأزف له الخبر، ففرح به وشكرني على المجهود الذي أقوم به.

حين ودّعتُ النقيب شوقي قاصداً باب الخروج، ناداني النقيب عوض لأكلمه قبل ذهابي ففتح الخفير باب الزنزانة فاستغلَّ عوض هذه الثغرة وفرّ هارباً من قاووشه واصطدم بالرفيق جبرايل فوقع هذا أرضاً وركض فؤاد نحو الخارج، فعمد الحراس إلى غلق الأبواب وأودعونا جبرايل وأنا، في إحدى الزنزانات، وراحوا يطاردون النقيب الفار الذي توارى عن الانظار بعد إطلاق النار عليه من احدهم على سطح السجن، وسمعنا الحرس يتقوّلون بأنهم أصابوه بعدة رصاصات، لكنه لم يسقط.

كان ذلك نهار الأحد في 23 تشرين الثاني، أمضيتُ بعدها أسبوعاً كاملاً للتحقّق من براءتي عن عدم تورطي بهروب فؤاد عوض وتواطؤي لتسهيل الفرار.

تدّخل مدير عام الأمن العام لصالحي، وشهد على براءتي وطلب إخراجي من الزنزانة الإفرادية التي أوقفوني فيها.

أعيد النقيب عوض الى السجن عند خروجه من المستشفى بعد إبلائه من جروح الرصاصات التي أصيب بها عند فراره ".

*

وفاته

عن وفاته نشرت مجلة "البناء" في عددها 944 بتاريخ 24/10/1998، كلمة مناسبة نقتطع منها ما يلي:

" كأن "قدر" بعض القوميين، ان يواجهوا مرض السرطان مرتين، مرة في اجسادهم، ومرة اخرى ضد "اليهودي" مغتصب الارض وعدو وجود الأمة.

والأمين فؤاد عوض الذي رحل الاسبوع الماضي. كان قدره ان يصارع قبل اشهر السرطان الذي فتك به، بعد ان قاوم السرطان اليهودي في أكثر من محطة في الأمة والعالم.

نشأ الامين فؤاد على الثورة والتمرد، وكان في مطلع شبابه قد تعرف على مبادىء الحزب السوري القومي الاجتماعي في طرابلس فآمن بها وانتمى الى النهضة. لكن دخوله المدرسة الحربية، حال دون ممارسته العمل الحزبي العلني، الا انه بقي على اتصال مع قيادة الحزب ووقتها توطدت علاقته بالدكتور عبدالله سعاده الذي اصبح رئيساً للحزب في العام 1960، وبدأ التفكير بالقيام بانقلاب على حكم فؤاد شهاب العسكري، بعد ان بدأت أجهزة المخابرات في الجيش – المكتب الثاني – تضايق المواطنين وتنكل بالسوريين القوميين الاجتماعيينن من ضمن مخطط نفذه آنذاك بعض الضباط المتعاطفين مع سياسة جمال عبد الناصر الذي كان يعتبر ان الدعوة الى وحدة كيانات الامة السورية ضد مصالحه وأهدافه.

لم يدخل عوض الى الجيش للاسترزاق او الوجاهة، بل انتسب الى المدرسة الحربية وتخرّج منها وفي رأسه مشروع نسف النظام الطائفي في لبنان وارساء نظام على اساس المساواة في المواطنية امام قانون مدني واحد بعد ان رأى الفساد الذي يعشعش في مؤسسات الدولة، وكيف تنهش الطائفية لبنان، وقد كانت ثورة 1958، نموذجاً واضحاً عن كيفية تحول الصراع السياسي الى معارك طائفية.

وبعد تسع سنوات من السجن خرج بعفو مع رفقائه العسكريين، ورأى أمامه ساحة النضال لمواجهة اليهودية في جميع أشكالها، وكانت هزيمة حزيران 1967 قد فعلت فعلها، وآمن ان محاربة اليهود لن تكون فقط في فلسطين بل في كل انحاء العالم، خاصة انه رأى تعاظم الهجرات اليهودية من كل دول العالم الى فلسطين، والمساعدات تتدفق على الكيان اليهودي الغاصب، وتمكن فؤاد عوض مع مناضلين آخرين من تكبيد "اسرائيل" خسائر بشرية ومادية في مناطق عدة من العالم، وقد بدأت تلوح حول اسمه شبهات انه يخطط للعمليات الفدائية في الخارج، وبات ملاحقاً من قبل شبكات الموساد في جميع انحاء العالم.

لقد جسد فؤاد عوض نضاله القومي بصمت ودون ضجيج، وكان لا يحب الظهور والتصريحات، بل كان يمارس نضاله من وراء الستار، فلم تعرف الصحف له صوراً، كما انها لم تستطع ان تضع يدها على اي خيط من خيوط شبكاته التي حيّرت الاستخبارات اليهودية والاميركية ردحاً طويلاً.

وانخرط الامين فؤاد في العمل السياسي دفاعاً عن قضايا المواطنين، فوقف مع اهالي عكار وخاض بأسمهم الانتخابات النيابية عام 1972 في اللائحة الشعبية التي ضمته مع الدكتور خالد صاغية وابو وجيه البعريني، وقد نال عوض نسبة عالية من الاصوات وخسر بحوالي ألفي صوت، حيث تدخلت قوى السلطة آنذاك لاسقاطه.

وقد لازم عوض ابناء عكار في همومهم ومعاناتهم، وعندما وقعت الحرب الاهلية استطاع، ومن موقعه كعميد للدفاع في الحزب السوري القومي الاجتماعي وما له من حضور سياسي وعلاقات اجتماعية، ان يمنع حصول صدامات طائفية افتعلت ضد عدد من البلدات المسيحية وخصوصاً في بلدته عندقت والقبيات وغيرهما، وقد جنّب مع رفقائه القوميين وبعض القوى الوطنية الاخرى قيام ردات فعل طائفية، ونجح الى حد كبير بتأدية رسالته، اثناء محنة الحرب ومأساتها.

رحل فؤاد عوض وترك وراءه كتاب "الطريق الى السلطة"، وهو يتضمن ذكرياته ومذكراته حول الانقلاب وما نتج عنه وتاريخاً من النضال.

فؤاد عوض، قائد غاب، ولكنه ترك مآثر كثيرة، من ابرزها انه اعتبر ان المناقب القومية الاجتماعية هي التي تصون النهضة وتقودها بالنضال المتفاني الى النصر."

*

مُلاحظة:

عرضتُ بموضوعية بعضاً مما جاءَ في كتابِ "الطريق إلى السلطة" وأدبيات اخرى، ولمْ أشأ أن أخوضَ في موضوعِ النقدِ الذي جاء على لسان الأمين شوقي خيرالله في رّدهِ على ما ورد في كتاب الأمين فؤاد "الطريق إلى السلطة".

وكان صدر ذلك في كراس صغير، صدر في 8 تموز 1993.

هوامش:

(1) نبيل عوض: نشط مع الرفقاء في مرحلة الستينات وكان من بين الذين شاركوا في الحراك الذي حصل في كلية العلوم وقد تحدثت عنه في الحلقة الرابعة من "سيرتي ومسيرتي". التقيت به كثيراً وهو شارك في تأسيس مدرسة في منطقة الحازمية، ثم لم أعد أعرف عنهُ شيئاً.

(2) جورج عوض: سافر إلى فرنسا متابعاً دراسته، ثُمَّ انقطعتُ عنه. لمن يعرف أي شيئ عنهما، أن يكتب إلى لجنة تاريخ الحزب.

(3) مكتبة ناصيف وعرمان: أسستها الوالدة مع صهرها (زوج شقيقتها) رفول عرمان، وكنتُ أتردد إليها مشاركاً في أعمالها بعد خروجي من السجن، وطردي من (بنكو دي روما)، وقد تحدثت عن ذلك في "السيرة والمسيرة".

(4) من الرفقاء الذين كانوا يترددون إليها اذكر، الى الأمين فؤاد عوض، الأمناء: جبران جريج، محمود عبد الخالق- الياس صبري، (رأس العين. القامشلي، وقد نشرت نبذة عنه) والرفقاء: ريمون الجمل، بسام مخول، عبدالله بديوي، عادل أيوب عرف بـ"عادل الصغير"، كفرمشكي)، والعديد من الرفقاء الذين لا مجال لتعدادِ اسمائهم.

(5) وليم حسواني: يورد الأمين جبران جريج أن الملازم أول حسواني كان انتمى سراً إلى الحزب.

(6) أوغست حاماتي: من الرفقاء الذين نشطوا في طرابلس، تولى مسؤولية ناظر التدريب، شارك في عملية الإفراج عن الامين شوقي خيرالله من مكان توقيفهِ في ثكنة الفياضية، شقيق الأمين الراحل هنري حاماتي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019