إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

رسالة الى النايورجعيين العروبيين الجزء الأول

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1949-01-01

الارشيف

من بضعة أسابيع بدأت جريدة " كل شئ" الأسبوعية تنشر للزعيم مقالات متتابعة يتناول بها المسائل السياسية والقضايا العقائدية التي تواجهها الأمة السورية في هذا العصر. وقد كتب الزعيم الى الآن أربع مقالات تناول في الأولى منها تفشي العمل في بلادنا وفي الطبقة المثقفة العليا خاصة، لصالح الدول الأجنبية التي اصبح لها في وطننا نفوذ ومصالح قوية وصارت بفضل الطبقة المأجورة لها، قادرة على تسيير أهم القضايا السياسية والاقتصادية الحيوية ووفاقاً لمآربها. وبين الزعيم في مقاله الأول نفسية الشعب الذي تعود الاستسلام للأمر المفعول والحالة الراهنة الى حد أنه يعرض عن أية حركة لا تستند الى نفوذ دولة أجنبية ولا تعمل بارادة دولة أجنبية، ويقبل على أية شخصية أو تشكيلة سياسية تعمل لمصلحة دولة قوية. وتناول الزعيم في مقاليه الثاني والثالث، وعنوانهما "العروبة أفلست" و " الانعزالية اللبنانية أفلست" وهم الرجعيين المتجددين الذين تنادي فئة منهم بأمة عربية واحدة ووطن عربي واحد في غرب آسية وشمال افريكة وتدعو الى "القومية العربية"، وتنادي فئة أخرى بالعمل على "إنشاء أمة لبنانية" و"تكوين وطن لبنـاني" في سورية الغربية وتدعو الى "القومية اللبنانية" فأظهر بعد كل من الفئتين عن الحقيقة وافلاس الدعوتين الرجعيتين الدينيتيـن في معالجة قضايا يتوقف عليها مصير الأوة والوطن السوري ومسؤوليتهما في الكوارث القومية الكبرى التي نزلت بهذه الأمة من جراء تضليلهما الشعب السوري وابعاده عن حقيقته وأهداف حياته. وجزم الزعيم بعد درس نفسية الشعوب والثـلتيـن في أنها مرض نفسي شوّه العقل السوري والادراك والمنطق.


ما أن صدر المقال الثاني بعنوان "العروبة أفلست" في عدد "كل شئ" الصادر في 21-20 كانون الثاني الماضي حتى انبرى بعض كتبة الرجعيين الجـدد الذين أطلق الزعيم عليهم نعت "النـايورجعييـن"الفتي للـرد عليه، دفاعاً عن الرجعيـة العروبيـة.


فنشرت جريدة "بيروت المساء" في عددها الصادر في 24-23 كانون الثاني الماضي مقالة افتتـاحية بقلم السيد انيس النصولي، عنوانها :"الى انطون سعـادة... " وكلمـة لصـاحب الجـريدة السيد عبد الله المشنوق تحت العنـوان الدائـم " مساء الخيـر". ونشرت جريـدة "بيـروت" في عـددها الصادر في23 كانون الثانـي مقالة افتتاحية بقلـم رئيس تحريرها المسؤول السيد يحي الدين النصولي عنوانهـا:"الى انطون سعادة... " فلمـا صدر مقـال الـزعيـم الثالث في عـدد "كل شئ" في 28-27 كانون الثانـي صدرت مقالـة ثانيـة للسيد أنيس النصولي في عـدد "بيروت المساء" الصادر في 31 كانون الثاني وكلمة للدكتور نبيـه فارس تحت العنوان الـدائم "مفكـرة نبيـه فارس" وفيمـا سوى ذلك صدرت في "كل شئ" نفسها بعض الردود أهمهـا رد رئيس التحرير الأستـاذ محمد البعلبكي الذي نشر في العدد عينـه الذي نشر فيه مقال الـزعيـم "العروبـة أفلست". فلنتنـاول هذه الردود بالدرس مبتدئيـن بمقالتي السيد أنيس النصولي المدافعتين عن الـنايورجعيـة المتعربة:


تناول الـزعيـم في مقالة " العروبة أفلست" تفكير النـايورجعيين المتعربين السخيف، الذي يصور العـالم العربي، الموزع أقطاراً وشعوباً في بيئات طبيعيـة مختلفـة منتشرة على شواطئ غرب آسيـة وشمـال افريكـة، كأنـه "وطن عربي" ممتـد شريطة طويلـة ملتفة ومتمعجـة على شواطئ غرب آسية وشمـال افريكـة، فقرأ السيد أنيس النصولي متجمعة بدلاً من متمعجـة! وعرض الـزعيـم للتضليل العروبي الذي يقوم به "اقطاعيون ومتزعمون لحزبيات دينبة لا يفـتأون يثيرون نعرات تلك الحزبيـات ويستغلون عمارة الغوغاء المستعد دائماً للاندفاع في تيـار قوة الاستمرار الرجعي، فقرأ السيدان انيس ومحي الدين النصولي الغوغاء المستعدة بدلاً من المستعد مؤنثين المذكر تحاشياً من الوقوع فريسة "التحذلق السوري" الذي يتطير منه أنيس النصولي في ردّه الأول.


ابتدأ السيد أنيس النصولي ردّه الأول بابداء سروره بأن أنطون سعـادة ينشر مبادئه التي لا يدين هو بها وفي جمهورية عربية رئيسها اديب عربي كبير ورجل حكومتها زعيم من زعماء العرب المعروفين، ثم يقطع سروره بهذا التزلف المتحذلق ليقول " مع ذلك فإن الحرية التي نعيش كلنا بوارف ظلها في هذا البلد العربي الكريم قد حمته وحافظت عليه ولم تقل له كلمة سوء رغم ما تناوله للعروبة من قلمه المتعسف الظالم".


ينسى السيد النصولي حقائق هامة يجب أن نذكره بها. انه ينسى أن ثلاثة أرباع اللبنانيين يئنّون من فرط "الحرية التي نعيش كلنا بوارف ظلها" وان الحرية التي يتمتع بها انطون سعـاده بعد اقامته سبعـة أشهر في معسكره المسلح الذي ذكـرت "بيروت المساء" طرفاً من اخباره إنما يعـود الى العراك العظيم التي قامت به الحركة القوميـة الاجتمـاعيـة والحرب التي حاربتها في سبيل الحرية- حريتها هي وحريـة الشعب وحرية عضو الدولة- من يوم انبثق فجر نهضتها الى يوم مقالة السيد النصولي العربية في هذا الوطن السوري وستظل تحاربها الى يوم النصر الأخير.


وينتقل السيد أنيس النصولي من سروره المتقدم الى أسفه لأن أنطون سعـاده الذي يسعى لنشر القوميـة السورية "تراجع حينما استبدل اسم حزبه باسم الحزب القومي الاجتماعي يدلاً من الحزب السوري فإن الذي يبشر بالقومية السورية لا يهاب ان يظل متعلقاً بها وأن يفنى في سبيلها، ثم يقول السيد النصولي: "والغريب ان السيد سعـاده الذي يدين بالقومية السورية أخذ يكتب فعلاً باللغة السورية فيقول "افريكة" بدلاً من "إفريقية" وهذا نوع من التحذلق السوري الجديد".


إن السيد أنيس النصولي يتخبط في محاولته مهاجمـة أنطـون سعـاده تخبطاً ظاهراً. فهو يزعم أن أنطـون سعـاده تراجع عن عقيدته السورية القومية الإجتماعيـة لأنه أضاف صفـة حزبه الإجتماعيـة الى اسم الحزب ولأنه يكتب اسم حزبه دائماً كاملاً. ثم هو لا يراه قد تراجع مطلقاً لأنه لا يزال يدعو الى القومية السورية ويدين بها. فأنطون سعـاده في تخبط السيد النصولي عن تراجع عن عقيدته التي يدعو اليها. وأنطون سعـاده ، في تخبط السيد النصولي لا يزال يدين بالقومية السورية ويدعو اليها حتى أنه "أخذ يكتب فعلاً باللغة السورية". فأنطون سعـاده في عرف السيد النصولي، تراجع لأنه لم يتراجع ولم يتراجع لأنه تراجع! وهذا من مدهشات بيان النـايورجعيـة العربية غير المتحذلقة. أما البيـان المتحذلق تحذلقاً عربيـا،ً أو عروبياً فهو حين يصيح السيد النصولي قائلاً: "أين هي القوميـة السوريـة؟ أين الروابط التي تربط الجماهير بها؟ هل يمكنك أن تدلنـا على اللغة السورية التي تخاطب الناس بها؟ ثم أين رابطة الدم التي تجمع السوريين بعضهم الى بعض لولا رابطة الدماء التي ارتضت العروبة حسباً ونسباً ومدنية؟ ثم قل لي أيها السيد ألا تعتقد ان حدودنا الجغرافية تجمعنا كلنا من أقصى شطآن البصرة الى أقصى شطآن الجزائر، وبحسب لغتك في هذا الوطن الممتد شريطة ملتفة ومتجمعة "بدلاً من متمعجة" على شواطئ غرب آسيةوشمال افريكة؟ ثم ألا ترى ان المصلحة المشتركة تجمعنا وان هذا الشرقالعربي يؤلف كتلة لها قيمتها في الأمور الدوليـة والقضايا الإنترنسيونية بحب زعمك؟ ثم ألا تجد أنك اذا نزلت في الإسكندرية أو دمياط أو بيروت أو بشري أو الأرز أو بغداد أو الكوفة أو الموصل أو يثرب أو جـده أو القدس أو دمشق أو حلب أو صفاقس أو تونس أنك تنزل عند أهلك وعشيرتك وأبناء عمك وأبناء خالك؟ وأقسم لك أيها السيد أنك لم ترحل الى هؤلاء الأخوان في البلدان العربية لتتعرف اليهم وتحس بحسهم وتشعر بشعورهم الواقعي ونهضتهم المتوثبة نحو الحياة والنور والعلم والاختراع والعمل والرجولة ولكنك تعيش في وهم السورية الهزيلة التي لن تعيش ولو كتب لهل القدر وجود زعيم يفكر مثل تفكيرك ويحقد على العروبة مثل حقدك".


ان هذا البيان التعربي لما يدهش العقل ويصعق المنطق. فالسيد أنيس النصولي يعصب عينيه ويعمى عن الواقع ثم يصيح "أين الواقع؟ أين الواقع؟" فكأن سبعمئة ألف كيلومتر مربع من الأرض السورية ونحو عشرة ملايين سوري- وهو كل ما تبقى من الملايين السوريين بعد الفتوحات- ملازمين لهذه الأرض على ضفاف دجلة والفرات والعاصي والأردن وما بينهما من سهول وجبال وأودية، وكأن هذه الوحدة الحياتية الحيوية المستقلة في تركيبها الدموي وتاريخها وخططها النفسية والثقافية ليست شيئاً موجوداً! وهي ليست موجودة لمن عصب عينيه عن الحقيقة أو لمن ضربته الآلهة بالعمى، أو بمرض بعد النظر حتى لا يرى ما هو قريب ويرى ما هو بعيد فيصير القريب، في نظره بعيداً والبعيد قريباً!


ان السيد النصولي لا يرى الأرض ولا وحدة الحياة الاجتماعية رابطة قومية. إن القومية عنده سبب لا نتيجة. فهو لا يوافق على القاعدة التي وضعها الزعيم وذكرها في مقاله الأخير الصادر في 4 شباط من "كل شئ" وهي: "القومية هي وعي الأمة وجودها وحقيقتها". القومية عند السيد النصولي هي "كائن" له "روابط" تربط الجماهير به، كما تربط المراكب في الميناء بحبال تشد الى الأوتاد. وقد تذكر السيد النصولي هذه "الروابط" التي "تربط الجماهير بالقومية" فقال أن أولها اللغة وسأل: "هل يمكنك أن تدلنا على اللغة السورية التي يتخاطب الناس بها؟ فاللغة إذن شرط أساسي "لاتصال الناس بقومية"- قومية اللغة" اذا شئت؟- فاللغة العربية هي رابطة القومية العربية واللغة الإنقليزية هي رابطة القومية الإنقليزية واللغة الإسبانية هي رابطة القومية الإسبانية، وحين يتكلم السوريون اللغة العربية التي فرضت عليهم بدل لغتهم الأصلية بعامل الفتح يصيرون عرباً قومياً، وحين يتكلم الأميركان والكنديون والاستراليون اللغة الإنقليزية يكونون إنقليز قومياً، وحين يتكلم الأرجنتينيون والتشيليون والمكسيكيون وغيرهم اللغة الإسبانية تبطل القومية الأرجنتينية والتشيلية والمكسيكية وغيرها ويصير متكلمو الإسبانية اسبان قومياً برابط اللغة! ولما كانت اللغة "رابطة الجماهير القومية" فإن انتشار اللغة العربية في العالم كله يصيّره كله عربي القومية!


النفسية والفكر لا قيمة لهما توازي اللغة في التفكير النايورجعي والعربي. فإذا فكـر مفكر سوري وتأمل في الحياة والكون وكتب تأملاته باللغة الصينية صار تفكيره صينيـاً قومياً لأنه استخدم اللغة الصينية أداةً عرضية للتعبير عن فكره الجوهري وموحيات نفسيتـه. فالقيمـة هي للغة وهي الرابط النايورجعي الأول الذي يربط الجماهير "بكائن" القوميـة. فما أبدع هذا التفكير الذي يسميه أنطون سعاده تفكيراً تقدمياً رحعياً. أي أنه يتقدم رجوعاً الى الوراء!



جريدة "كل شيء" بيروت كانون2 – شباط 1949


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017