إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الخلافة في الإسلام

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1924-04-01

الارشيف

أفلت أخيراً الأتراك من أيديهم قوة كانت لهم أولاً سلاحاً وأصبحت آخراً داء وبيلاً ومرضاً عضالاً فكان لهذا الحادث وقع غريب في العالمين الشرقي والغربي لعبته الخلافة في الماضي جعل لها أهمية لا مثيل لها في التاريخ.

يصعب كثيراً على من هو غير مسلم أو من هو بعيد عن معرفة حالات المسلمين النفسية أن يبني حكماً بشأن الخلافة وأهميتها وتأثيرها، وعندي أن أكثر المسلمين لم يكونوا يدركون من أمر الخلافة وموقفها ازاء العالم الاسلامي في السنين الأخيرة شيئاً حقيقياً راسخاً فالتاريخ يفيدنا ان الخلافة بطلت في العقود الأخيرة من السنين أن تكون قائدة العالم الاسلامي وحاملة لوائهم ومرجع كلمتهم فإن الخلفاء العثمانيين ارتكبوا في الماضي أموراً لا أعتقد أنها كانت معبرة عن الرأي العام الاسلامي. والحقيقة هي أن الخلافة كان يجب أن تنزع من يد الأتراك منذ زمن طويل ولكن شريعة ابقاء الخلافة في أقوى سلطان في الاسلام حالت دون ذلك وتمسك المسلمين بالحرف حفظ للخلافة كرامتها وأبقى لها تأثيراً كان يقل تدريجياً فلما جاءت الحرب العالمية لم يكن قد بقي للخلافة تأثير ما على الاطلاق وانكسار تركية في الحرب لم يلاق أقل استياء في طول العالم الاسلامي وعرضه.

كل ما طالعته بشأن الخلافة في الصحف الغربية في المدة الأخيرة يدل على استغراب عمل حكومة أنقرة بإخراج الخلافة من تركية وتتوقع تلك الصحف حدوث نتائج خطيرة وانقلابات عظيمة وتهتم لمصير الخلافة الدول الأوروبية كلها فأنهم في العالم الغربي لا يزالون يتكلمون عن الخلافة كما لو كانت لا تزال نلك القوة الهائلة القابضة على أعناق الاربعمائة مليون مسلم على وجه البسيطة مسيرة هذه الملايين كيفما شاءت أهواء الخليفة وأنّى أرادت بصفته أمير المؤمنين لذلك ترى الدول الأوروبية تتسابق إلى إقامة خليفة من عبيدها وصنائعها لكي يكون لها بواسطته نفوذ عند العالم الاسلامي كله.

لقد مضى الزمن الذي يحتاج فيه الاسلام إلى قوة تدرأ عنه الاضطهاد من حيث أنه دين لأن اضطهاد الأديان بعضها بعضاً لم يعد له معنى في القرن الحاضر ففي هذا الزمن كل إنسان يمارس دينه دون أن يفكر أحد بالتعرض له ولأن الاسلام في هذا الجيل ليس حركة القصد منها "محاربة الكفار" لذلك لم يعد هنالك ضرورة لجعل الخلافة في أقوى أمير في الاسلام ومن راقب الخلافة في سنيها الأخيرة في آل عثمان وجد أن الخليفة منهم لم يكن الحاكم بأمره بين المسلمين ولا أميرهم المطاع وانقضاض العرب وغيرهم من الأمم الاسلامية على الأتراك أثناء الحرب برهان قوي يؤيد هذه النظرية ويوضح الحقيقة بأن الخلافة لم تعد لازمة للاسلام أكثر من لزوم البابوية للمسيحية أي بإبقائها قوة روحية لا علاقة لها بالسياسة والاقتصاد وما شاكل وعلى هذا لا أرى في إخراج الخلافة من الأتراك غرابة وأظن أن ما يتوقف على هذا العمل من الحوادث سيكون على غير ما تخمن الدول الغربية.

إن النكبات يعقبها الانقلابات والتنبه وعلى قدر عظم النكبات تعظم الانقلابات ومن لم يكن ينتظر حدوث انقلابات عظيمة عقب الحرب التي هي أروع النكبات التي نزلت بالعالم يحتاج إلى درس التاريخ وأن يدرسه كثيراً ومن يريد أن يتغير كل شيء في العالم وأن لا يتغير في الاسلام فهو يعني أن الاسلام وجد جامداً وسيبقى كذلك او هو يعني أن العالم الاسلامي ليس جزءاً من الانسانية ليكون له نصيب من تطورها وهذا غير الحقيقة وان التنبه الذي عقب الحرب قد تناول الشرق كما تناول الغرب واهتزت له الأمم كلها من مسيحية واسلامية وبوذية وغيرها، والاصلاح الذي ظهرت طلائعه في جزء من العالم أخذ يعم العالم كله. ففي جملة ما تنبهت إليه الأمم الاسلامية انها لم تعد جماعات دينية تسير بموجب ما يأمرها به رئيس دينها كما كانت في بدء اسلامها بل هي أمم يتطلب منها هي أن تقرر مصيرها وتعمل ما تراه موافقاً لحياتها في مضمار العمران والحقيقة أن وجود الخلافة في تركيا أو عدمه ليس له علاقة جوهرية بحياة الأمم الاسلامية ويعود ما علقه المسلمون في العالم على اخراج الخليفة من تركيا من الأهمية إلى أمرين الأول منهما عدم تعودهم مثل هذا الانقلاب وثانيهما أمر الخليفة وعدم استعدادهم لتقرير مصيره واعتقد أن من الخطاء حسبان اهتمام المسلمين بأمر الخلافة عائداً الى ما للخلافة من التأثير على كيانهم وحياتهم القومية والذي عندي أن عمل الأتراك سيفتح أعين سائر الأمم مثالاً لها في الاعتماد على قواها هي الأدبية والروحية والمادية، من حيث أنها أمم لا من حيث أنها جماعات دينية تأتمر بأمر زعيم ديني وقد يتخذ بعضهم انتقال الخلافة من الأتراك إلى العرب وسيلة للقيام بسعاية منظمة لتقوية سلطة الخليفة الزمنية وبسط نفوذها في الاصقاع الاسلامية كلها ولكني أثق من أن هذه السعاية تنتهي بالفشل التام لأن الأمم الاسلامية كلها التي انتبهت الآن من رقادها أخذت تفهم أن اتكالها في شؤونها على الخلافة لا يفيدها شيئاً وان الواجب عليها إذا كانت تريد أن تحيا حياة استقلالية حرة أن تهب للعمل متكلة على تضامنها القومي ومقدرتها الروحية والمادية وهي تراقب الآن عمل تركيا ومصر اللتين نهضتا نهوضهما العجيب بعين ساهرة وعقل واع لتتخذ من عملهما مثالاً تنسج على منواله وقدوة صالحة تنهج منهاجها.

ان سلطة الخلافة لم تعد ضرورية للاسلام في الجيل الحاضر بل هي لا لزوم لها مطلقاً والعقود الأخيرة من سني الخلافة ترينا أن تجريد الخليفة من سلطة التصرف بملايين البشر المختلفي الأجناس والأشكال والمتبايني العوائد والأخلاق واجب لتقدم الأمم الاسلامية وارتقائها ولما كانت الخلافة لا تعني توحيد البشر بالقوة ولما كان المذهب الاسلامي غير مهدد من خطر ما، فضلاً عن أنه دين معترف به في العالم كله فأن كل هذه تؤيد وجوب انتزاع كل سلطة من الخلافة إلا السلطة الروحية البحتة وهذا ما لا بد من حدوثه ان عاجلاً وان آجلاً ويمكننا الآن أن نقول أن تركيا ومصر قد نفذتاه فأنهما تسيران في أعمالهما على أسس القومية والوطنية لا على أساس الديانة والخلافة وقد نجحتا نجاحاً باهراً سيؤدي إلى اتباع الأمم الاسلامية الأخرى أعمالها واقتفاء خطواتهما.

اعتقد ان سقوط الخلافة في تركيا أعظم حادث مؤثر على الشرق عقب الحرب فإن هذا العمل الذي لم يسبق له مثيل في الاسلام منذ بدء ظهوره إلى اليوم سيؤدي إلى حركة خواطر تنتاب العالم الاسلامي كله وتنبه إلى أمور كثيراة إذا وضحت له وأدرك حقيقتها أدت إلى حوادث ليست في حسبان الدول الغربية التي تراقب سير مسألة الخلافة في شخصية الخليفة وأمياله لا في يقظة

الأمم الاسلامية ونواياها ففتح مسألة الخلافة الآن على هذه الكيفية يبعث بفريق كبير من مفكري المسلمين المتنورين على التساؤل والبحث في أمور كثيرة منها ابقاء العالم الاسلامي مضطر لأن يُبقي الخلافة في أقوى أمير في الاسلام؟ أيجب أن تبقى الأمم الاسلامية عاملة كجماعات دينية لا تفعل إلا ما يوحيه إليها الخليفة؟ هل يجوز لخليفة ذي صبغة سياسية وطنية أن يتصرف بملايين البشر المسلمين حسبما تدفعه الروح السياسية أو الوطنية المتأثر هو بها؟ هل فصل الدين عن السياسة بتاتاً يضر بالاسلام؟ وأظن أنه متى ابتدأ المفكرون والمتنورون يعللون هذه المسائل ويحللونها تمكنوا من اخراج حكم نهائي بشأن الخلافة ومصيرها يقضي بتجريدها من السلطة الزمنية ومنع الدين من التدخل في الأمور السياسية داعين الأمم الاسلامية إلى التمشي على الخطة التي جرت عليها الأمة التركية في هذا الأمر.

ان سلطة الخلافة السابقة التي كانت لخلفاء الأتراك كانت في كثير من الأوقات سلاح انكلترا الوحيد في منع الهنود من الثورة عليها واعلان استقلالهم فكان إذا حدثت الهنود المسلمين أنفسهم بشيء من ذلك أسرعت انكلترا إلى سلطان الأتراك وطلبت منه أن يرسل منشوراً يدعو فيه مسلمي الهند إلى الطاعة للانكليز والإخلاد الى السكينة فكانت مناشير الخليفة سلاحاً سحرياً في يد انكلترا تخْفت به صوت الحرية وتهدىء براكين الثورة في مستعمراتها ومن هذا يبدو لك جلياً كم هي خطرة سلطة الخلافة على الأمم الاسلامية فإذا راجع مفكرو الأمم الاسلامية التاريخ أمكنهم التثبت من وجوب نزع السلطة الزمنية من الخلافة ولا أخالهم إلا فاعلين.

ان الحسين هو الأمير الوحيد بين أمراء العالم الاسلامي الذي بايعه الخلافة رسمياً جزء من الاسلام وأرجح أن الخلافة ستستقر فيه لأنه أولى بها من كل أمير آخر بعد الأتراك ومع ذلك فهنالك كثير من الأمراء غيره قد رشحوا أنفسهم أو رشحتهم الدول التي لها مصالح استعمارية في بعض أمم الاسلام للخلافة وحتى الساعة لا يزال النزاع قائماً دون أن يصدر العالم الاسلامي كله حكمه في هذه المسألة وعندي أن اطالة أمر هذا النزاع أمر مفيد جداً للأمم الاسلامية لأنه ينبهها ويفسح لها المجال للتفكير في الأمر قبل إعلان إرادتها والاسراع في إقامة خليفة جديد ليس له داع الآن لذلك يمكن تلك الأمم أن تفكر ملياً في الطريقة المثلى التي يجب أن تتمشى عليها ازاء هذه المسألة.

التنازع على الخلافة يفيد الأمم الاسلامية لأنه يفتح عيونها أكثر فأكثر ويريها طمع الآخرين بها وخطر سلطة الخلافة على حياتها القومية والسياسية ويجعلها تتنبه إلى أنها ليست عائشة بالدين فقط لكي يكون لرئيس دينها الحق بالتصرف بحياتها كما يشاء.

ليَطُلِ التنازع على الخلافة إلى ما شاء الله لأنه إذا لم يكن العالم الاسلامي على استعداد لخلع نير الخلافة فإن هذا التنازع سيجعله يستعد له وأظن أنه لا يمضي وقت طويل حتى يصبح الخليفة نائباً روحياً لا حق له بالخروج عن دائرة وظيفته الروحية ومن يعش ير.

"المجلة" الجزء الثالث، السنة 10 ابريل، 1942- سان باولو

ا – ك – ج 1 - ص 93


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017