 وداعاً يا رفيق جان..
وداعاً أيها الحبيب ..
وداعاً يا رفيقي في السجون..
وداعاً أيها المؤمن.. المؤمن بثبات..
المترفّع عن كل الصغائر..
صاحب الضمير الحي، الذي لم يعرف سوى الحزب..
سوى القضية..
سوى سعاده.. وكان دائماً وفياً..
من بين الرفقاء الذين نشطوا بعد فرة قليلة من الثورة الانقلابية، نذكر بكثير من التقدير والفرح الرفقاء: جوزيف رزق الله، غطاس الغريب، شفيق راشد، إميل رياشي، غانم خنيصر، ايلي عون، جوزيف قربان، و... الرفيق جان نادر الذي كان له نشاطه اللافت في أوساط المدارس الثانوية من فرن الشباك الى الاشرفية، الى الثلاثة أقمار، الى مدرسة البشارة الارثوذكسية والى الكثير من المدارس والمناطق حيث كان يزورها او يتردد إليها غير آبه بملاحقة المكتب الثاني. متعرضا للملاحقات والتوقيف في سجن الرمل الى ان حُكم عليه ودخل السجن لمدة أربعة اشهر ونصف مع الأمناء عبدالله محسن، لبيب ناصيف، بهيج أبو غانم، جميل عساف وغيرهم، وقد كتبنا عن ذلك بالتفصيل.
الرفيق جان كان له دور لافت في تلك السنوات الصعبة. كنتُ رافقته شخصياً على مدى سنوات وارتبطت به وبعائلته بكثير من مشاعر الحب والتقدير، خاصة مع شقيقيه الدكتور طلال والأمين كمال.
عن الرفيق جان القومي الاجتماعي "المميّز" يكتب الكثير وسنسعى الى ذلك.
من اللافت ان رفيقاً من هذه النوعية المميّزة في النضال والمثابرة والتعرض للملاحقات والسجون لم يحظ برتبة الأمانة، ربما لانه غادر الى الامارات المتحدة حيث لم ينقطع عن النشاط الحزبي الى ان تلاشت صحته تحت وطأة المرض الخبيث فخسرناه وهو في عز عطائه.
*
الكلمة الرائعة التي نشرها الأمين نظام نصير، تعبّر عن رأيي وعن رأي الكثيرين ممن عرفوا الرفيق جان نادر على ان يكتب عنه الكثير الكثير...
" غادرنا الرفيق جان نادر، الذي امتزج اسمه، على مدى ستة عقود، بالثقافة والمعرفة حتى الثمالة… كأنّه لم يكن فرداً عابراً، بل كان حالةً نهضويةً، تجسّد الفكر الذي آمن به وعاش لأجله.
عرفته منذ طفولتي، ورافقته في شبابي، وعايشته صديقاً ورفيقاً لسنوات طويلة… وكان حضوره أشبه بضميرٍ حي، يذكّرنا دائماً بأن النهضة ليست شعاراً يُرفع، بل التزامٌ يُعاش.
" وخلال فترة علاجه، كنت أحرص على الاتصال به للاطمئنان عليه، فكان صلباً، ثابتاً، كما عرفناه دائماً، محباً للحياة… لا بوصفها متعة عابرة، بل مسؤولية تجاه قضية آمن بها. وفي إحدى المكالمات، اختنق صوته وصوتي، وودّعنا بعضنا بدمعة… دمعةٍ كانت تختصر مسيرة عمرٍ من الإيمان، وكأننا ندرك أن رفيقاً من جيل النهضة يتهيأ للعبور.
عاش كاهناً ومبشّراً بفكر أنطون سعاده، لا يساوم عليه ولا يهادن فيه… وقضى حياته بين الكتب، حتى غدا هو نفسه كتاباً نهضوياً مفتوحاً، تُقرأ صفحاته في مواقفه، وفي صلابته، وفي إيمانه بأن الأمة قضية وجود، لا قضية حدود.
" ربما لم يُعطَ حقه كما يجب، لكنه لم يكن يوماً من طالبي الاعتراف، بل من حاملي الرسالة… كان مؤمناً بأن النهضة لا يحملها إلا الرجال الرجال، وأن العقيدة ليست كلمات تُقال، بل دمٌ يجري في العروق، وموقفٌ لا يتبدل مهما تبدّلت الظروف.
رفيق جان، سنفتقدك كما يُفتقد الثابت في زمن التبدّل، وكما تُفتقد القامة في زمن الانحناء… وبرحيلك نودّع مناضلاً لم يتراجع يوماً، ولم يساوم، ولم ينكسر، بل بقي أميناً على القسم، ثابتاً على العقيدة، مؤمناً بأن فينا قوة لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ.
" ويبدو أننا أصبحنا على موعد مع فراق جيلٍ كامل… جيلٍ حمل القضية بصدق، وعاش لها، وضحّى في سبيلها، ولم ينخرط في كانتونات الفساد والعفن، ولم يبع قناعاته في أسواق المصالح… جيلٌ كان يرى في الأمة وحدة حياة ومصيراً، وكان أبو ميشال واحداً من رجالاته الأوفياء.
وداعاً أبو ميشال… أنقل سلامي لوالدي، رفيق العمر… وهناك، حيث تلتقي الأرواح التي آمنت بالقضية ذاتها، سيكون لكما متّسع من الوقت لتتحدثا عن نهضةٍ لم تمت، وعن أمةٍ لا تزال تقاوم، وعن إيمانٍ لا ينطفئ… واعلما أنكما ستبقيان القدوة، ما بقي فينا من يحمل الشعلة.
نم هادئاً يا رفيقي… فقد كنت أميناً لما آمنت به.
أما نحن… فعلى العهد باقون."
|