إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

المـتـنـبـي يـغـنـــي آذار بقلم الامين احمد اصفهاني

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2026-03-07

إقرأ ايضاً


{هذه القطعة كتبت في الأول من آذار سنة 1979.

وها أنا أخرجها من نومها الأبدي ليس لموضوعها فقط،

وإنما لأنها شهادة على مرحلة حساسة في المسار الحزبي}

الأمين احمد اصفهاني

هذا أوان الشدة، فتفولذي سواعد الأبطال... ها نحن نبلغكِ أن زمن الردة جاء!

هذا زمن الرؤوس الملونة التي لا شكل لها، وزمن الأرحام الرمادية التي لا خصوبة فيها!

نبلغكِ يا سواعد الأبطال أن عبيداً أنجس من خصيان كافور وأفظع من برابرة هولاكو يلاحقون قصائد المتنبي المشبّعة برذاذ بردى ودجلة والفرات والأردن والعاصي... عيد بأية حال عدت يا عيد.

نبلغكِ أن جراح القلب ما زالت تنزف، وأن الشكوك تلوّث الدم القدسي... ونحن مخدرون في غيبوبة منكسرة.

نبلغكم أبطال الوطن المنسيين أن هذا أوان الشدة وزمن الردة وعصر الخيانة. فحذار حذار:

وسوى الروم خلف ظهرك روم

فعلى أي جانبيك تميل؟

تقتلنا صور الشهداء الباهتة على جدران الأزقة الضبابية. ننظر في أعينهم الجامدة: حزن يمزق الأقنعة وغضب يفجّر البكاء. نرفع أيدينا إلى وجه فتى الربيع في آذار وعلى شفاهنا شكوى:

فصرت إذا أصابتني سهام

تكسرت النصال على النصال

تصيبنا رعشة التوقع إذ يبتعد الشتاء وتهل علينا أطياف الربيع مبشرة بميلاد آذار. كيف نستقبل الفرح؟ كيف نحتفل بفارس الرؤيا؟ يختنق فينا الجواب حين تستوطننا آمال المستقبل وسط كرنفال كاذب من الأنخاب والبسمات الصفراء:

يا ساقيي أخمر في كؤوسكما

أم في كؤوسكما هم وتسهيد؟

كنا، وقتما يُعلن مولود آذار عن بشارة الجيل الجديد، نشرّع للريح أوجهنا ونعطي للبحر أسرار الإيمان وننقل للجبال حرارة اليقين. فأين نحن من ربيعنا المنسي:

أصخرة أنا ما لي لا تحركني

هذي المدام ولا هذي الأغاريد

نسأل بلهفة: لماذا يبكي المتنبي؟ ما هذه الصرخات التي ترددها بادية الشام وصحراء العربة؟ وكيف يصمت من "أسمعت كلماته من به صمم؟" إنه زمن الردة والصمت والموت: "شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي".

يجيبنا المتنبي: ها أني أشهد أمامكم، وأمام قدسية الدم، وأمام الأجيال التي لمّا وُلدت بعد أنني أحمل نعشي بين عينيّ... وأبكي موتكم الآتي. أقول لكم: جاء آذار فانتشرت ذئاب الأدغال لتفترس أعطيات الربيع، وتتربص كالخنازير البرية مجيء ابن الإله. فحذار حذار، إن ملامس الأفاعي الناعمة لا تخفي السم القاتل، والبسمات لا تحجب الأنياب الكاسرة، والحقد الأصفر لا تزيله مساحيق الادعاء الكاذب... والخيانة لا يلغيها انتحار يهوذا، ولا يغفرها المسيح المصلوب!

الحق الحق أقول لكم، كما قال هو من قبل، الجرح ليس سلعة في أسواق النخاسة. والشهداء ليسوا رقماً في سجل باهت يأكله غبار النسيان والتجاهل... والمتنبي لن يُغني لخصيان كافور وعبيده حتى لو نهشته كلاب الصحراء. فقصائد المجد لا تليق إلا بسيف الدولة.

الحق أقول: بيني وبينكم مسافات تمتد من آفاق عينيّ فارس آذار وحتى قطرات دمه المنقوشة على الجبين... وبيني وبين ذاتي رهان مع الموت ووعد بالانتصار الكبير.




 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026