 حاكم مردان وروايته "ثلاثية أوسلو"
حاكم مردان، صديقُنا العراقيّ، ونديمُنا في المنافي، ورفيقُنا في العقيدة، جاءنا إلى بيروت عام 1980، هاربًا من السلطات العراقيّة، فارًّا منها من محطة ربيعة العراقيّة إلى سورية، إذ كان آنذاك ناظر محطّة شمال الموصل لسكّة الحديد، فما إن وقفَ قطارُه في محطّة اليعربيّة السوريّة، حتّى أُودعَ السجنَ في القامشلي، ثمّ في نقله إلى دمشق أفلتَه حارسُه، فوفد إلى بعلبكّ، وانضمّ إلى حركة المقاومة الفلسطينية، وتعرّفَ إلى مبادىء الحزب السوري القومي الاجتماعي، فانضوى تحت زوبعته، ونزلَ إلى مركز الحزب في بيروت، القائم هناك آنذاك عند تقاطع شارعي الصيداني وجان دارك، فأقامَ هناكَ مُحرّرًا في "صباح الخير"، وكتبَ لصحيفة "النهار" بعونٍ من المعلِّم شوقي أبي شقرا. وحين أوقفَه ذاتَ يومٍ حاجزٌ مسلّحٌ، والحربُ الأهليّة مُستعرة، سُئِلَ عن انتمائه، وكان ثَمِلًا، كعادته، أجابَ أنا من حزب شوقي أبي شقرا، فارتُجّ على أهلِ الحاجز، وإذ لم يدركوا مقصدَه، وخشوا بأسَه، أفلتوه، ونزلَ إلى صيدا، مُكملًا سلسلةَ نضالِه، فما أن آلتْ إليه الأُمور إلى الأسوأ وكان الاجتياح الذائع الصيت في كتب التاريخ العربية الحديثة حتى عادَ إلينا، والكأسُ في يدِه والهزيمة في عينيه، فجاءَ بيروت، ثمّ صعّد إلى البقاع فأقامَ في علي النهري، بينَ بينَ، عند ملتقى سورية بلبنان، وكانتْ له عائلةٌ هناك، إلى أنْ ضاقتْ به السّبلُ فغادرَنا إلى النرويج منذ أربعين، فطابَ له المقام، وهناك أقامَ ولم يزلْ تدركه حرفة الكتابة.
ومن هناك، من النرويج، آثر حاكم أن يُصدِرَ "ثلاثيّة أُوسلو" هي ثلاثيّته، في ثلاثة أجزاء، لكن دفعةً واحدة، مؤرِّخًا سيرتَه، في نَفَسٍ واحدٍ، في 356 صفحة من القطع الوسط، عن دار نلسن، في بيروت، 2025، هو نفسُهُ صمّمَ غلافَها، معبّرًا عمّا في روايته بوجود لوحة الصرخة للنرويجي إدوارد مونك، رمزًا يعلنُ فيه حاكم نهايةَ العالم، أحبّ غرض إلى قلبه، إذ يتمنّى قُربَها، ويدعو عليه بالفناء، وهي نبوءته يختتمُ بها الثلاثيّة. ولا عجبَ، فحاكم من جماعة الرؤية الجحيميّة في الأدب العربي الحديث، هو الذي ينسلُّ من سلالة أولئك الذين سطّروا من قبلُ "ألف ليلة وليلة"، وعلى هَدْيهم خصّ كلَّ شخص من شخوصه بحكاية، دفعًا للملل، لا بل إنّه وصفَهم بنديّة على أنهم بشرٌ، من لحم ودم، مثلَه، وعلى قياسِه، ولم يكن عمره بالهيّن عليه.
في تفاصيلَ مُرعبة، ولكن دقيقة، يقصُّ حاكم ما يراه أمامَه بالعين المجرّدة، فذاكرتُه متّقدة تلمُّ بالجزيّء، ولا تُهملُ الكلّي، بحيثُ تتحوّلُ ثلاثيّته إلى ملحمة حديثة ترصدُ آلام روحِه في المنفى القريب، وتصلُها بالوطن البعيد، رغم مأساتِه كم هي بسيطة الأشياء التي تزيدُ الحياةَ جمالًا وتضيفُ عليها بهاءً فتجعلُنا أشدَّ تعلّقًا بها، فهناك مثلًا وصف لحالة سجنٍ مزرٍ بفكاهة مرّة، وهناك طبعًا سياسة وحرب باردة وأُخرى لاهبة، ومناهضة رأسماليّة، لكن تبقى سعادة حاكم مؤقّتة فنفسُه تأبى التفاؤل، وتأنفُ الفرحَ.
بأسلوب يوثّق، وهامش يعزّزُ مَتنًا مُتخيّلًا، أشادَ حاكم لكلِّ مَنْ في ثلاثيّته تمثالًا، فلكلٍّ من فيها حكايتُه المرتبطة وثيقًا بتاريخ النرويج، الدولة الأكثر رفاهيّة في العالم، هو الذي درسَ تاريخَها واكتشفَ لها رابطًا بتاريخنا مع الأمير ابن فضلان من العصر العبّاسي، إلى المهندس الجيولوجي العراقي فاروق القاسم، الذي ساعدَ النرويج في استخراجها ثروتها النفطيّة، إلى المصري مجدي إسحاق، ومعلّمه خشرم في الصعيد، فيرى أن انشطارَ العالم لم يسبّبه تسونامي، بل بما توصّلَ إليه العلمُ الحديث من أعاجيبِ الذكاء الاصطناعي والتخليق الجيني في نشرِ تعاليم لم يألفْها البشرُ، فيرى أنّ العالمَ فقد صوابَه، وهي رؤية حاكم له منذ وصل بيروت. هنالك لحظات سرياليّة، وهنالك فترات غياب عن الواقع، حيث يقعُ حاكم في مدار الهذيان النوسطالجي المحموم، فهو في الليل غيره في النهار، من دون أن تغيبَ عنه فكاهة ودعابة.
الرواية الثلاثيّة في جزئها الأوّل (حدثَ في شمال الأرض) تدور على أطفال التبنّي وحنينهم آخر العمرِ إلى جذورهم. في الجزء الثاني من الرواية (جسر الحكايات) عودةٌ إلى النرويج، حين كانت فقيرة وهاجَرَ ثلثُ سكّانها، وأمستْ قاعًا صفصفًا، أي أنّها قصّة الفرد المهمّش والمنبوذ في دولة الرفاهيّة. أمّا الجزء الثالث (اللعنة) فيدورُ، لا حولَ ولا قوّةَ إلا بالله، على خرابِ العالم، ولا عجبَ، فمعرفتي بحاكم على مدى خمسة وأربعين عامًا كانت على الدوام معرفتي بالرؤيا الجحيميّة التي تملّكته ولم تفارقه، نجّانا الله من بلواها.
"يسطّر حاكم حياةَ مهاجر توفّي في السجن، فذكرَ تقرير المستشفى بأنّه توفي إثر نوبة قلبيّة في السجن، فيما يذكرُ تقريرُ الشرطة انّه توفي أثناء محاولة الحرّاس الإمساك به، أو ربّما تهدئته عندما كان يصرخُ بالعربيّة لسببٍ ما"
وعلى دوام سرد حاكم في الثلاثيّة عودةٌ دائمة إلى فِلَسطين، فهيَ حاضرةٌ في وعيه، وأحيانًا في لا وعيه، فيعجب لحلول الأكاديميين في التعاطي مع المسألة الفلسطينيّة، وها في الثلاثيّة هناك قرار بترحيل عائلة فلسطينية من النرويج، وربُّها يوصي محاميه بالاحتفاظ بمفتاح بيت أهلِه في فلسطين، وعين حاكم دائمًا على علم الاجتماع فيرى أنّ أحياء أوسلو القديمة تتميّز بوجود السكّان القادمين من بلاد الشرق والذين يشكّلون الأكثريّة هناك، وبدل أن يندمج هؤلاء في المجتمع النرويجي ويتخلّقوا بعاداته وتقاليده المنفتحة، اندمجت فيهم الأقليّة النرويجيّة، وممن لم يحالفهم الحظّ والوضع الاقتصادي المتواضع للانتقال إلى الأحياء ذات الأكثريّة النرويجيّة، ثم وجدوا أنّ عادات هؤلاء القادمين من شتّى بلدان الشرق ليست سيئة تمامًا، ولا بأسَ ببعض الانضباط ما دام يحافظ هؤلاء على أسرَّتهم نظيفة، وأن يدعوا الأولاد يفرغون شهواتهم في الشوارع الخلفيّة، وللجامع أن يتحمّل وزرَ ما يحدث على مدخله.
يسطّر حاكم حياةَ مهاجر توفّي في السجن، فذكرَ تقرير المستشفى بأنّه توفي إثر نوبة قلبيّة في السجن، فيما يذكرُ تقريرُ الشرطة انّه توفي أثناء محاولة الحرّاس الإمساك به، أو ربّما تهدئته عندما كان يصرخُ بالعربيّة لسببٍ ما، ولكن "لسبب ما، ماذا يعني؟ يبدو أنّ الحرّاس لم يفهموا ما كان الرجل يرطنُ به، لذا لم يذكر التقرير سبب الصراخ"، وعليه يعلّق حاكم على الحادثة "مختصر مفيد" بالفاجعة الصامتة:
يا لهم من مساكين! ما إن يقتربَ أحدُهم من نهايته حتى يبدو كغريق يتعلّق بقشّة، فيستنجد بلغته الأمّ كمن يدفع عنه غائلةَ الموت غريبًا في أرض غريبة...
وحاكم المراقب للظواهر، اللاقط للأحداث، لا يتورّعُ عن وصفِ تفاصيل تلك المنطقة من النرويج المتعدّدة الألسن والمختلطة الأجناس و"الموبوءة" بالأمراض التناسليّة نتيجة السهولة العجيبة والقياسيّة للاشتباك في مضاجعات سريعة، لا يهمّها سوى الوصول إلى النشوة، وإنْ على ظهور الخيل، فيطلق على هذه المنطقة لقب "وكر العشّاق"، إذ تتكاثرُ أعداد المتعاشقين... وواضحٌ أنّ حاكم في منفاه عينٌ بصيرة وذهنٌ متّقد لما لَقيَه في الأوطان من غرائب، وفي المنافي من عجائب، فكأنّه، سبحانَ الله، لم يزلْ في بابل مسقطه، عام 1955.
نبوءة حاكم في "ثلاثيّة أوسلو" واضحة وصريحة، إذ يلحّ على أن العالم يسير بخطى ثابتة نحو العزلة التامة، حين يصبحُ الإنسانُ الجديدُ كائنًا خاويًا من أي مشاعر، ويركن إلى ما بات يُعرف بالمُتع الافتراضيّة، التي، وإن وفّرت التسلية المطلوبة لتزجية الوقت، إلّا أنّ سهولةَ الحصول عليها جعلها تتسيّدُ على حساب مشاعر أُخرى أكثر إنسانيّة أُهملت عن عمَد، أو أن الأجيال الجديدة لم تألفها، وإنْ كانت هذه هي رؤيةُ حاكم لمسارِ كوكبِنا السائر من فاجعة إلى مأساة، ومن كارثة إلى زلزال، فهي لأشدُّ إيلامًا في وقعِها على النفس من سيرِ الرواية المحموم من بدايتها حتى خاتمتها، ما يُعيد إلى الأذهان رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس"، حيث الموت المحتوم في المنفى خارج تركيبة الوطن، هي هي رؤية إرميا في نبوءته، لأنّ سُننَ الأُمم باطلةٌ، وويلٌ لحاكم على انسحاقِه في المنفى، فضربتُه لا شفاء منها، وما هي إلّا مصيبةٌ عليه أن يحتملَها إلى أن تحينَ الساعة وهي قريبة، وهو في ذلك راغب.
حاكم مردان، المتمرّد الثائر، الذي عرفتُه وقد تخطّى الخامسة والعشرين هو نفسه اليوم، المتمرّد الثائر، وقد تخطّى السبعين. تمرّدَ على الأنظمة والتراث، وثارَ على التقليد، وإلى تمرّده وثورته جهرَ بولائه للمسألة الفلسطينية، فانضوى تحت راية الكفاح المسلّح في سبيل إحقاقها، لكنّ مقاديرَ الدهرِ ألقتْهُ عند آفاق سوداويّة، ففي يدٍ لفافة تبغ حارقة خارقة، وفي يدٍ كأس مرارة وغيظ، فكأنّه أيّوب الحداثة حُبِسَ الرزقُ عنه وضاق به الوطن واتّسع عليه المنفى، وكانتْ أبدًا قهقهتُه، في مقاهي بيروت، ترنُّ على الحيطان قبل الآذان، مُدركًا منذ صباه أنّ الإنسانَ مولودُ المرأة قليلُ الأيام، كثيرُ الشقاء، كزهرٍ يَنبتُ ثمّ يُقطع، وكظلٍّ يبرحُ ولا يقف، فجاءت ثلاثيّته الصادرة الآن وصفًا دقيقًا لحاله، وتجسيدًا ناتئًا لمأساته، وإنْ جنحَ كعادته إلى ازدراء الكون ومن فيه.
كان حاكم في صباه في بغداد مُولعًا بموسيقى بيتهوڤن، وإليها ينصتُ، فيما والدته تعنّفُه على سماعها، فهذه هي موسيقى الانقلابات العسكرية التي كانت تبثّها الإذاعة من بغداد، ومن هنا كان كرهها لها، فلما زُجّ بحاكم في السجن عام 1978 لخمسة أشهر، بتهمةٍ بسيطة هي وقوعه في غرام أُخت عضو في الحزب الشيوعي المحظور، كانتْ أُمّه تنصتُ إلى موسيقى بيتهوڤن نفسها وتنوحُ على فرقةِ ابنها. وحين خرج من السجنِ آثرَ الهجرةَ إلينا فلم يرَها. وإثر سقوط بغداد، زارَ أهلَه عام 2003، فأعلموه أنّ أمّه توفيت قبل عشر سنوات، حسرةً على غيابه، فخشي سماع موسيقى بيتهوڤن ثانية، وآبَ إلى النرويج مهيضَ الجناح مكسور الخاطر ولسان حاله ما أورده مؤيد الدين الطغرائي، إثر إقالته عن الوزارة في الزوراء، بغداد، لجهرِه، بالزندقة في "لاميّة العجم" يعارضُ فيها الشنفرى في "لاميّة العرب"، فلكلِّ عند العرب لائمته ولاميّته، والآتي أعظم:
فيمَ الإقامة بالزّوراء، لا سكَني
بها، ولا ناقَتي فيها ولا جَمَلي
ناءٍ عن الأهلِ صفرُ الكفِّ منفردٌ
كالسيفِ عُرِّيَ متناهُ من الخِلَلِ.
ولا عزاء عندي أرفعُه إلى رفيقي حاكم في منفاه المُرفّه من منفاي الهانىء سوى ما قالَه ابن سهل الطائي يوم أقرّ ببطلانِ نعيمِ الدنيا إثرَ حينٍ، وبعد انقضاء سرابِ حبور نافد:
نُطوِّف ما نُطوِّف ثم نأوي
ذوو الأموالِ منّا والعديمُ
إلى حُفَرٍ أسافِلهنَّ جوفٌ
وأعلاهنّ صفّاحٌ مُقيمُ...
|