إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

العراق : فخ امريكي جديد غطاؤه المفاوضات

عوني القلمجي

نسخة للطباعة 2006-11-04

إقرأ ايضاً


يبدو ان موضوع المفاوضات بين المقاومة العراقية والمحتل او اطراف منها ، أصبح ساخنا هذه الايام ، جراء الاشاعات والاخبار المتداولة بين الناس. ، وكلها تتحدث عن وجود مثل هذه المفاوضات. مرة تتهم حزب البعث العربي الاشتراكي ، واخرى الجيش الاسلامي وثالثة مجموعة من فصائل المقاومة ، يذكرون عددها دون ذكر اسمائها. وكان اخر هذه الاخبار تلك التي تحدثت عن لقاء مغلق تم في مبنى السفارة العراقية في عمان ، بين الامريكيين والجيش الاسلامي في العراق ، الذي قيل انه يفاوض باسم اطراف مسلحة اخرى. لكن البعض فسر ذلك ، بان ادارة بوش هي من سرب هذه الاشاعات لكسب اصوات الامريكيين ، قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس التي ستجري بعد يومين . وفعلا تحسن وضع الحزب الجمهوري وكسب اربع نقاط اضافية. ويبدو ان هذه الاطراف فضلت عدم الرد على هذه الاخبار كونها لعبة مكشوفة ، وتركت اصحابها يدفنونها بعد انتهاء الغرض منها.


وبصرف النظرعن ما قيل ويقال ، فان بعض الرواة يقولون والعهدة عليهم ، بان ما جرى من اشاعات كان لها غرض اخر ، غير انتخابات الكونغرس ، يتم قضاؤه بالكتمان ، حول مفاوضات جدية تجري بين الامريكيين واطراف من المقاومة ، لوضع ترتيبات لانسحاب القوات الامريكية من العراق بما يحفظ لها ماء الوجه. وعلى الرغم من ان هذه الاخبار لا تستند الى دليل ، وان برنامج المقاومة العراقية واضح وجلي ، خلاصته : ان لا مفاوضات مع المحتل قبل ان يعلن استعداده للانسحاب دون قيد او شرط ، فان الواجب يتطلب منا ان نذكر ، بان مبدا المفاوضات ليس مرفوضا ، لكن للمفاوضات قوانين تحكمها واساليب لادارتها وتوفر ظروف ملائمة تخدمها وتوقيتات يجب حسابها بدقة ، ومعرفة بقوى الخصم والاهداف التي ينوي تحقيقها ، اضافة الى التاكد من مصداقيته ، لان دخول اي طرف من اطراف المقاومة او عدد منها في مفاوضات مع المحتل ، دون امتلاك هذه المعرفة او الاسلحة ، سيؤدي الى نتائج تلحق بالمقاومة اضرارا بالغة.


اول ما يتبادر الى الذهن ، هو القوانين العامة التي تحكم اي مفاوضات بين طرفين ، ومنها او على راسها ، حساب موازين القوى بينهما ، فهي التي تتحكم ، ليس بالمفاوضات وحدها ، وانما بنتائجها ايضا . صحيح ان التفاوض يدخل ضمن اطار عملية سياسية لها قوانينها وظروفها ، لكنه في نفس الوقت يعد جزءا لا يتجزا من الصراع الدائر بين المقاومة وقوات الاحتلال. ولذلك فان المفاوض من كلا الطرفين يستمد قوته من الجهة التي يمثلها. فالقوي يستطيع ان يحصل على ما يريد ، والضعيف يعطي دون مقابل يستحق الذكر . فليس غريبا والحالة هذه ان يلجأ المهزوم او من هو على ابواب الهزيمة ، الى طلب المفاوضات ، في حين يرفض المنتصر او من هو على ابواب الانتصار ، التفاوض قبل ان يتاكد من ان الخصم قد فقد القدرة على الصمود نهائيا ، واصبح على استعداد لتلبية كافة الشروط مقابل بعض المكاسب المحدودة التي تحفظ له ماء الوجه. وواقع الحال ، ان كل الدلائل تشير الى ان ميزان القوى العسكري والسياسي والقانوني وحتى الاخلاقي والانساني ، يميل بشكل واضح الى جانب المقاومة العراقية الباسلة. فامريكا اليوم تعاني اشد حالات الضعف ، وتبحث وبكل الوسائل عن حل لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط. ومن ضمن هذه الوسائل اللجوء الى سلاح المفاوضات ، باعتباره اهم اسلحة المحتل لتدمير المقاومة ، وذلك من خلال اقناع المقاومة بالتخلي عن سلاحها ، وادخالها في نفق المفاوضات المظلم. ولنا في تجربة منظمة التحرير الفلسطينية خير دليل على ذلك. والمقصود هنا المفاوضات التي بدات في اوسلو ، وانتهت الى اتفاق خسرت فيه منظمة التحرير كل شيء. حيث تحول الاتفاق على اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة الكيان الصهيوني ، وهو بحد ذاته تنازل كبير واعتراف بدولة " اسرائيل"، الى دويلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ثم الى حكم ذاتي ، ثم الى تنازع السيطرة على معبر رفح .


وضمن هذا السياق فانه من الخطا القاتل ان تبادر المقاومة وتعلن استعدادها للتفاوض ، لان ذلك يعد رسالة خاطئة للعدو ، توحي بانها ليست في وضع يسمح لها بالاستمرار في المطاولة في الجهاد ، في حين ان النهج الصائب هو عدم تقديم مبادرة للعدو ، بل الاستمرار بعمليات انهاكه واجباره على طرق أبواب المقاومة , فلا نقارب عدونا كل المقاربة فنغريه بتوهم ضعفنا . اما المصيبة الكبرى فهي : اذا قررت جهة او طرف من المقاومة ، الدخول في مفاوضات منفردة مع المحتل ، لان ذلك يشكل خطورة بالغة ، كونه يعطي الذريعة والمبرر والتشجيع لآخرين للهرولة باتجاه المحتل كل على انفراد ، وهذا يهدد وحدة موقف فصائل الجهاد والمقاومة ، ويتيح للعدو القدرة على تمرير دسائسه وخلق أجواء الانقسام في الخندق الوطني المقاوم. مما يعيد الى سياسة الخطوة خطوة التي ابتكرها كيسنجر لتفكيك القضايا الوطنية.


ترى ما هو ميزان القوى المتحقق على الارض ولصالح من يميل هذا الميزان؟


يضع كلاوز فيتز اشهر عسكري الماني في القرن التاسع عشر اربعة شروط لنجاح واستمرار حروب المقاومة الشعبية : الاول ان تدار العمليات من داخل البلاد والثاني ان لا تعتمد الحرب الشعبية على معركة واحدة والثالث ان يمتد مسرح العمليات الى مساحة واسعة والرابع ان تحظى الحرب بمساندة شعبية ، وكل هذه الشروط متحققة دون شك او تاويل. وبعد ذلك يرسم كلاوز فيتز شروط العمليات القتالية من قبل المقاومة فيقول : يجب عدم استخدام المسلحين ضد القوّة الرئيسية للعدو، حتى ولا ضد وحدات كبيرة الحجم... يجب عدم محاولة سحق قلب الجيش المعادي في البداية ، بل يجب الرمي والتركيز على المؤخرات والمجنبات... يجب احتلال القطاعات التي لم يدخلها العدو بقوات كافية واسترجاع هذه المناطق كليًا من قبضته... يجب أن تستمر هذه السُحُب العاصفة المشكَّلة على أجنحة الجيش ومؤخراته حتى تستنزفه. وعلى هذه الوحدات الصغيرة يجب أن تشعل نار الحرب الشعبيّة لأن الإنتصارات الصغيرة للقوات الشعبيّة تنمي الشجاعة والحماسة لدى الأهلين فتزداد المقاومة والنضال حتى يصلا إلى الذروة التي تقرر جميع النتائج وهذا ما يحصل فعلا. . .


ويرى كلاوز فيتز أن الصفات المميزة الشعبيّة والتنظيميّة لمجموعات المدنيين المسلحة تشكل سلاحًا للدفاع الاستراتيجي... إلا أنه يجب بشكل عام أن تكون أعمال العصابات الشعبيّة المسلحة تكتيكيًا انتقاميًا يستهدف قوات العدو بالإغارات المداهمة...والكمائن... ووخز العدو في كل موضع من جسمه حتى تشل قواه ويصبح غير قادر على القتال... وبالرغم من أهميّة الدفاع عن المواضع الحصينة إلا أنه من الأفضل التفرّق بعد كل التحام أو الإنسحاب من موضع، استعدادًا لشن هجوم معاكس من موضع آخر وهذا أفضل بالطبع من حفر خندق دائم والإستعداد به لعمل جديد ... اليس هذا ما تفعله المقاومة؟ . وبعد نصف قرن من الزمن اكد ماو تسي تونغ ما قاله كلاوز فيتز في كتابه " المشاكل الاستراتيجية لحرب العصابات".


ترى هل قرا المقاومون العراقيون كلاوز فيتز ام لا ؟ اعتقد ان قادتهم قد فعلوا ذلك ، وان لم يفعلوا فان ما تقوم به المقاومة العراقية هو صورة طبق الاصل لما قاله هذا العسكري الالماني قبل اكثر من مئة عام. ثم الم تكن النتائج مطابقة لما وصل اليه الغزاة من وضع محرج وسئ ينبئ بالهزيمة عاجلا ام اجلا؟ ثم اليست قوات الاحتلال هي المهزومة على ارض الواقع ؟ ان احترام عقل القارئ ، يحتم علينا ألا نعيد الادلة والبراهين لاثبات هذه الحقيقة ، خاصة وان بوش نفسه قد تخلى عن الحديث حول الانتصار ، وتحول الى مجال البحث عن الحلول التي تجنبه الهزيمة المنكرة. ولجنة بيكر – هاملتون خير دليل على ذلك.


اذا كان ذلك صحيحا وهو صحيح قطعا ، فلماذا لا نصدق بان امريكا قد حسمت امرها ، وانها تسعى فعلا الى اجراء مفاوضات مع المقاومة ، لترتيب خروجها من العراق بما يحفظ لها ماء الوجه ، وفي هذه الحالة فانه ليس مهما من يبدا بالمبادرة؟


من اهم واجبات الوطنيين العراقيين وعلى الرغم من ايمانهم المطلق بانتصار المقاومة العراقية ، فانهم ملزمون بان يكونوا عيونا ساهرة لحماية مسيرة المقاومة من اي ضرر يقع عليها ، وان يكونوا عونا لها ، وان يضعوا بين يديها ما لديهم من خبرات وحقائق ، لا ان يتزلفوا لها ويحرموا انتقادها او حتى توجيه النصائح المخلصة لها . وفي هذا الصدد يجب التذكير باهداف المحتل التي جاء بها ، وفيما اذا كانت قابلة للتنازل ، او التخلي عنها طواعية في هذا الظرف بالذات ، الذي لا يزال فيه المحتل ، يمتلك من الامكانات العسكرية والسياسية ما تساعده على الصمود فترة اضافية ، او تجنبه الهزيمة على وجه السرعة. وهذا يندرج في اطار ضرورة فهمنا لتلك الاهداف ، واذا كان المحتل مستعد للقتال من اجلها ، وتقديم اغلى التضحيات لتحقيقها ، والحديث هنا يتصل تماما بمئات الادلة والبراهين التي تؤكد على ان الادارة الامريكية تعتبر هزيمتها في العراق هزيمة لمشروعها الامبراطوري الكوني ، والذي يعد العراق فيه حجر الزاوية ، ليس هذا فحسب ، وانما سيصبح بامكان اي دولة مهما كانت صغيرة ان تقول لا لامريكا في اي شان يخصها ، بعد ان تفقد هيبتها وسمعتها كاكبر قوة في التاريخ. وخلاصة القول فانه المبكر الدخول في مفاوضات مع المحتل ، قبل ان يقتنع بان لا جدوى في بقاء قواته في العراق.


ولكن ليس هذا كل شيء ، فهناك اعتبار اخر يجب وضعه بالحسبان ، وهو ان القرار الامريكي لم يعد قرارا امريكيا خالصا ، منذ الساعة التي دخل فيها بوش الصغير البيت الابيض ،. فالصهيونية العالمية وكيانها في فلسطين المحتلة اصبح لهما حصة الاسد في صناعة القرار الامريكي ، وخاصة فيما يتعلق الامر بالعراق. ومعلوم مدى الحقد والكراهية الشديدة التي يضمرها هولاء للعراق وشعب العراق. ولهذا فليس من الحكمة ان نستعجل النصر قبل اوانه ، او تحقيق نصر مثلوم. فالدماء كانت غزيرة والتضحيات التي دفعها العراقيون جسيمة ، والحكمة الى جانب السلاح امر في غاية الاهمية ، ولا يساورنا ادنى شك بان المقاومة سائرة بثبات على طريق تحقيق النصر الاكيد. والتذكير بثقل المهمة واجب كل وطني عراقي ، يتطلع الى اليوم الذي يرى فيه بلده محررا من رجس المحتلين.





 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026