لم يدر في خلدي التعرض لحكام الردة العرب وقممهم المشينة في مقال مستقل ، ليس بسبب الخشية، وانما بسبب عجزي في تغطية هذا الموضوع. فمهما كانت قدرة الكاتب على اظهار مساويء هؤلاء الحكام وقممهم البائسة ثم فضحهم وتعريتهم، فانها لن تشفي غليل المواطن العربي الذي امتلا صدره غيظا وقلبه قيحا من افعالهم المشينة. لكن الوزير السوري رياض نعسان اغا دفعني للخروج عن صمتي جراء ما تفوه به من مغالطات في برنامج الاتجاه المعاكس وما كاله من مديح لمؤتمر القمة الذي عقد في دمشق واصفا اياه باكبر انجاز حققه العرب في كل تاريخهم كونه سيضع من الان فصاعدا حدا لغطرسة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وسيحد من سياستهما العدوانية تجاه الامة العربية وسيحرر العراق وفلسطين. ولم ينقص الوزير العتيد سوى القول بان القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا سوريا وان دمشق ستكون عاصمة العالم وان بشار الاسد هو الذي ادخرته العناية الالهية لانقاذ البشرية في جهاتها الاربع.
هل نحن في حلم ام علم مما بشرنا به الوزير العتيد؟ ام ان ماقاله مغالطات فعلا ؟
في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وصعود حركة التحرر الوطني العربية ، كانت للقمم العربية اهمية مشهودة، على الاقل في الاقوال واحترام مشاعر الناس. ولنا في قمة الخرطوم التي عقدت بعد نكسة حزيران عام 1967 خير دليل على ذلك ،حيث خرج المؤتمر بلاءاته الثلاث المشهورة:لا صلح لا هدنة لا مفاوضات مع الكيان الصهيوني . وبعد غياب عبد الناصر لم نشهد سوى قمة مماثلة في بغداد بعد زيارة السادات المقبور للقدس المحتلة وما نتج عنها من قرارات كان اهمها رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني وطرد مصر السادات من الجامعة العربية ونقل مقرها الى تونس وتشكيل جبهة الصمود والتصدي. في حين اختصت القمم العربية فيما بعد بتقديم الخدمات للتحالف الامريكي الصهيوني، بل والمشاركة الفعلية في تنفيذ مخططاته ضد الامة العربية من محيطها الى خليجها.
وكان ابرز هذه القمم في الخيانة السياسية هي قمة القاهرة بعد دخول الجيش العراقي الى امارة الكويت ،حيث منحت الحق لامريكا بشن عدوان على العراق والسماح لجيشها والجيوش المتحالفة معها باستخدام اراضي السعودية كقاعدة للعدوان ثم مشاركة بعض الجيوش العربية في هذا العدوان تحت ذريعة تحرير الامارة من الاحتلال العراقي. ثم جاءت قمة بيروت عام 2002 لتكون قمة عبرية وليست عربية كونها اقرت المبادرة العربية للسلام مع الكيان الصهيوني والتي هي في جوهرها اعتراف بهذا الكيان وتنازل مسبق عن معظم ارض فلسطين وتصفية للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.في حين شرعنت القمم اللاحقة احتلال العراق ثم تكريسه وتقديم كل الخدمات لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط.
لا يفيد كثيرا دحض وجهة نظر كتاب السلاطين حول مديحهم لقمة دمشق، فقراراتها كفيلة بالقيام بهذه المهمة. فهي بالمفرد والجملة تخدم مخططات التحالف الامريكي الصهيوني وبالقلم العريض، وهذا الامر ليس غريبا او مستغربا، فحكام الردة بعد ان اصبحوا اداة طيعة بيد الامريكيين والصهاينة وباعوا الدين بالدنيا، لن نتوقع منهم اصدار قرارات تتناسب مع متطلبات المرحلة التاريخية وخاصة فيما يتعلق الامر بمواجهة احتلال فلسطين والعراق ومنها على الاقل اسناد المقاومة العراقية والفلسطينية لتسهيل مهمتها في تحرير بلدانها من رجس المحتلين ماداموا هم عاجزين عن تحقيق ذلك.ولكي لا نطيل، دعونا نرى وعلى عجل ما قدمت القمة العتيدة في دمشق من خدمات فعلية للمحتلين والغزاة. ودعك من الاقوال المعسولة مثل ادانة الجرائم الصهيونية ورفض العقوبات والنهوض باللغة العربية ودعم التنمية ووحدة البلدان ورفض التدخل بالشؤون الداخلية الخ. فلقد تعودنا على هذه الاكاذيب وحبالها القصيرة.
ما يتعلق الامر بفلسطين، فالقرارات اكدت على الالتزام بالسلام العادل والشامل كخيار استراتيجي وأن عملية السلام عملية شاملة لا يمكن تجزئتها والتأكيد على أن "السلام العادل والشامل" في المنطقة يتحقق من خلال الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة بما في ذلك الجولان العربي السوري المحتل حتى خط الرابع من حزيران لعام 1967، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان. سود الله وجوهكم. فعن اي سلام تتحدثون وشارون الميت الحي وصف مبادرتكم ، بانها لا تساوي الحبر الذي كتبت فيه؟، ثم ماذا جنيتم منها طيلة هذه السنين سوى مزيد من تكريس الكيان الصهيوني للاحتلال والسير قدما في تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والاعلان عن يهودية دولة اسرائيل؟ وما معنى التاكيد على على قدسية وعروبة القدس والصهاينة يهودونها ويعملون على هدم المسجد الأقصى؟ ثم ما معنى دعوة المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية إلى تحمل مسؤولياتها بالحفاظ على المقدسات الإسلامية والمسيحية، والكيان الصهيوني يضرب عرض الحائط قرارات هذه المنظمات البائسة ؟
اما فيما يتعلق بالعراق فقد اكد حكام الردة على احترام وحدة وسيادة واستقلال العراق وهويته العربية الإسلامية ورفض الدعوات إلى تقسيمه، والتأكيد على عدم التدخل في شؤونه الداخلية واحترام إرادة الشعب العراقي بكل مكوناته في تقرير مستقبله السياسي!!!!. عجيب امركم معشر حكام الردة، فعن اي استقلال وسيادة تتحدثون في ظل وجود 160 الف جندي امريكي جاءوا ليبقوا مدة مئة عام؟ وعن اي هوية عربية تبحثون والدساتير الذي وضعها الاحتلال قد شطبت منها عروبة العراق؟ وما هذا الهراء حول تمسككم بوحدة العراق ودستور الاحتلال قد قسم العراق الى 18 دولة وليس ثلاث دول؟ اليس من المعيب الحديث عن رفضكم التدخل في شؤون العراق الداخلية والامريكان تدخلوا في شؤونكم ودينكم ايضا؟ الم يشرعن زعيم القمة بشار الاسد التدخل التركي العسكري في شمال العراق؟ بالله عليكم اذا كنتم تعبدون الله وليس البيت الابيض وتل ابيب ، كيف يتحقق الأمن والاستقرار على يد حكومة قامت على اسس المحاصصة الطائفية وترتكزعلى مليشيات مسلحة تقتل الناس وتقطع رؤوسهم؟ ثم كيف تبيحون لانفسكم وصف هذه الحكومة بحكومة الوحدة الوطنية ومؤسساتها بالدستورية وهي حكومة معينة من قبل الاحتلال؟
ولكن ليس هذا كل شيء فهناك الانكى، فقد قالت القمة على الدول العربية ان تدعم وتساند جهود الحكومة المبذولة لتحقيق المصالحة الوطنية لانجاز العملية السياسية ؟ اليس هذا ما يسعى اليه بوش وادارته؟ اليست المصاحة الوطنية وانقاذ العملية السياسية من السقوط هي مطلب الادارة الامريكية وسعت الى تحقيقه في العديد من المؤتمرات كان اولها مؤتمر القاهرة ثم مؤتمر اسطنبول وبيروت وليس اخرها البحر الميت؟ الم يطرق سمعكم بان المقاومة العراقية ادانت مثل هذه المصالحات؟ نعم تعلمون كل ذلك وتعلمون ان الهدف من المصالحة هو جر القوى والاحزاب الوطنية الرافضة للاحتلال الى العملية السياسية للالتفاف على المقاومة العراقية وعزلها عن محيطها الشعبي بعد عجز القوات المحتلة من تصفيتها عسكريا. اما وقوف القمة ضد الارهاب بكل اشكاله فالمقصود منه هو الوقوف ضد المقاومة العراقية لان قرارات القمة السيئة الذكرلم تات على ذكرها في قراراتها ولا في البيان الختامي.
ولكن ماذا بعد؟ هل نكتفي بادانة مثل هذه القمم وفضحها وتعريتها فحسب؟ ام ان المطلوب تغيير هذا الواقع بكل السبل المتاحة؟
ان الانظمة العربية دون استثاء هي انظمة دكتاتورية وقمعية وان اختلفت في الطريقة والاسلوب وحكامها المستبدون لاهم لهم سوى البقاء في السلطة وتوريثها لاولادهم واحفادهم، ومن اجل ذلك فهم مستعدون لارضاء واشنطن وتل ابيب حتى اذا تطلب الامر منهم تغييركل شيء بما فيه حذف ايات من القران الكريم. وعليه فان الطريق لتغيير هذا الواقع لن يمر عبر الحوار او ممارسة الضغوط ، وانما يمر عبر اسقاط هذه الانظمة وتحطيم كافة مؤسساتها القمعية. وفي هذا الصدد فان من المفترض ان يتحول الغضب المكبوت، الى تحرك جماهيري واسع والتحضير لانتفاضات شعبية تشمل الوطن العربي باكمله ، خاصة وان الظروف اصبحت مهياة للقيام بهذا الفعل . فظلم حكام الردة جاوز المدى والفجوة بينهم وبين شعوبهم تزداد اتساعا، في حين يغوص حماتهم الامريكان في وحل العراق اضافة الى استمرارالمقاومة الفلسطينية رغم كل الصعوبات والمحن، وتصاعد عمليات المقاومة الشعبية في الصومال واحرازها الانتصار تلو الاخر ضد القوات الاثيوبية المحتلة.
ولكن هذا ليس كل شيء فتجربة المقاومة العراقية العملاقة، قد شكلت راس الحربة في مسيرة التحرير وبدات نيرانها المستعرة تمتد خارج حدود العراق وهذه فرصة نادرة بل وتاريخية يمكن استغلالها وتوظيفها لصالح نضال الشعب العربي في انجاز مهمة التغيير، الامر الذي يتطلب من جميع القوى والاحزاب في الوطن العربي مد الجسور معها والالتحام في خندقها والاستفادة من تجاربها لخلق حالة ثورية من نمط جديد، يكون عنوانها القيام بالهجوم المعاكس ضد هذه الانظمة البالية. وكما اكدنا في السابق فانه لم يعد هناك عذر او مبرر يمنع هذا التوجه مهما كانت الة القمع للانظمة العربية قاسية وشديدة ، فهي مهما بلغت من القسوة فانها لن تصل الى مستوى الة المحتل القمعية في العراق، حيث هناك 160 الف جندي امريكي و 200 الف مرتزق اضافة الى قوات ايرانية بلباس مدني ناهيك عن المليشيات المسلحة من عرب وكرد يتجاوز عددها مئات الالوف، ومع ذلك فالمقاومة العراقية تحقق الانتصار تلو الاخر واضعه هذه الجيوش الجرارة في مازق حرج لن تخرج منه الا بالانسحاب الكامل غير المشروط او تواجه هزيمة منكرة.
لقد آن الاوان ، بعد ان بلغ السيل الزبى، لوضع هذه المهمة موضع التنفيذ مسترشدين بقول الشاعر ابا القاسم الشابي:
اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلابد ان يستجيب القدر
ولابد لليل ان ينجلي
ولابد للقيد ان ينكسر
انه اليوم الموعود لاستحضار تاريخ كفاح امتنا العربية المشرق وشد العزائم وتقوية الارادة لازاحة الظلم عنا. فركب اعداءنا تصطك خوفا ورعبا، واذا ما سقط لهم موقع هنا او هناك فستنهار بقية المواقع تباعا. فالتاريخ لن يرحم المتقاعسين عن تلبية نداء الوطن.
|