إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

بفعل المقاومة العراقية : هل لازال مشروع الشرق الاوسط كبيرا..؟؟؟

عوني القلمجي

نسخة للطباعة 2006-10-14

إقرأ ايضاً


في البدء كانت منطقتنا تسمى بالشرق الادنى ، ومع بدايات الحرب الباردة بين امريكا والاتحاد السوفيتي ، ضاقت هذه المساحة بالنسبة للامريكيين ، فتحول الاسم الى الشرق الاوسط ، بعد الحاق تركيا وايران وباكستان به ، ليضمها لاحقا ، اضافة الى العراق ، حلف عسكري جديد انضم الى جانب الاحلاف الاخرى المعادية للسوفيت هو حلف بغداد. ومع نهاية القرن الماضي تقدم شيمون بيريز ، بمشروع الشرق الاوسط الجديد الذي عنون به كتابه الشهير (THE NEW MIDDLE EAST) الذي نُشر في عام 1993 ، وكان بيريز يطمح في الظاهر إلى جمع دول الشرق الأوسط في سوق مشتركة ، بعد تحقيق السلام المزعوم ، وقيام هذه السوق بتعزيز المصالح الحيوية لهذه الدول . في حين كان الهدف غير المعلن للمشروع ، ينحصر في دمج الكيان الصهيوني في المنطقة بعد إعادة صياغتها وتشكيلها سياسيا واقتصاديا ، ليصبح الشرق الأوسط الجديد تحت هيمنته والتحكم بشؤونه . اما هدف بوش من الشرق الاوسط ، ولماذا اراده كبيرا بحيث يمتد من افغانستان الى موريتانيا في اقصى المغرب العربي ، فالامر هنا يتعلق باقامة الامبراطورية الامريكية الكونية. ولتحقيق هذا المشروع ، كان لابد من احتلال العراق ، باعتباره الحلقة المركزية فيه ، والذي من دونه لا يمكن ان يتحول هذا المشروع الى امكانية قابلة للتحقيق.

وما حدث اصبح معروفا ، فالمقاومة العراقية ادخلت امريكا في مازق ، وضعها امام خيارين احلاهما مر. فاما الهزيمة ، واما البقاء في العراق وتحمل خسائر بشرية ومادية لا يقوى الشعب الامريكي على تحملها فترة اطول . الامر الذي عرقل تنفيذ هذا المشروع الغادر. وبدل ان يعيد بوش حساباته ويخضع للامر الواقع ، ويضع جانبا ملفه الامبراطوري ومن ضمنه مشروع الشرق الاوسط الكبير ، وينشغل بهموم امريكا وشعبها ، اختار بوش الهروب الى الامام وظل متمسكا بالعراق وبالمشروع معا ، مدعيا ان الرب اوصاه او حمله مسؤولية نشر الديمقراطية والاصلاحات السياسية والاقتصادية في هذه المنطقة. وحكاية بوش مع الرب ووصاياه ، ليست جديدة ولا من ابتكاره ، فاسلافه قد تداولوها قبل اكثر من مئة عام . ففي نهاية القرن التاسع عشر وعلى وجه الدقة سنة 1898 ، نجد أن واحدة من أشهر المداخلات أثناء مناقشات الكونغرس في مسألة الإمبراطورية ، اشار السيناتور ألبرت بيفردج عضو المجلس عن ولاية فرجينيا الى : " إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها ، وأما الشعوب التي لا تستطيع ، فإن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا لقيادتها إلى النموذج الأميركي في الحياة ، لأنه نموذج الحق مع الشرف. فنحن لا نستطيع أن نتهرب من مسؤولية وضعتها علينا العناية الإلهية لإنقاذ الحرية والحضارة، ولذلك فإن العلم الأميركي يجب أن يكون رمزا لكل الجنس البشري". ومنذ ذلك التاريخ والى بوش ، فان الرؤساء في كل هذه الفترة التاريخية تصرفوا على هذا الاساس واعتبروا انفسهم اوصياء على تلك الشعوب وطالبوها بالانصياع الى مشاريعهم وخططهم ، بصرف النظر عن الحجة التي استخدموها دينية كانت ام علمانية. او اللغة التي استخدموها سواء اللين او الشدة . او الالية التي اتبعوها سواء سياسة الترغيب او التهديد.


ولكن دعونا من بوش ووصايا الرب والواجب المقدس ، ودعونا من احلام السلف ، حول الامبراطورية والعلم الامريكي الذي يجب ان يكون رمزا لكل الجنس البشري ، فمشروع الشرق الاوسط الكبير لا علاقة له بتلك الوصايا الالهية ، ولا علاقة له بنشر الديمقراطية والاصلاح. فعلى سبيل المثال لا الحصر ، قال كولن باول وزير الخارجية الامريكي انذاك في مؤتمر صحفي له في كانون الثاني (يناير) عام 2003 ، اي قبل احتلال العراق باقل من شهرين ، قال : بـ "ان الهدف من شن الحرب علي العراق هو ايجاد خارطة جديدة لمنطقة الشرق الاوسط والمحافظة علي امن اسرائيل" . بينما أكد العديد من المعنيين بالسياسة الخارجية الامريكية ، الى ان ابرز اهداف احتلال العراق ، هو الاستيلاء علي بترول المنطقة ، ومن اهم دولها بترول العراق ، والحفاظ على امن وسلامة الكيان الصهيوني والسيطرة على منطقة الشرق الاوسط . في حين نشرت الصحف الامريكية في نيسان (ابريل) من عام 2004 ، رسم خريطة للشرق الاوسط الكبير ، التي تعد في تقسيماتها لدول المنطقة ، قزما امام معاهدة سايكس – بيكو السيئة الصيت والسمعة. حيث نجد فيها دول موحدة قسمت الى دويلات ، واقامة دول لا وجود لها اصلا ، واقتطاع اجزاء من دول واضافتها الى دول اخرى. وكل هذا ستتم حمايته ، من قبل انظمة اكثر دكتاتورية واكثر استبدادا واكثر تبعية للتحالف الامريكي الصهيوني. ناهيك عن التوجه لارساء ثقافة جديدة لشعوب الشرق الاوسط الكبير ، من خلال تغيير عاداتها وتقاليدها وثوابتها الوطنية وقيمها واخلاقها ، الى حد المساس بعقائدها بما فيها الاشد قدسية عند الغالبية المطلقة لشعوب المنطقة وهي العقيدة الاسلامية ودستورها القران الكريم. ليجري الوصول الى رسم خريطة جديدة للعالم تناسب مع جلالة الامبراطورية الامريكية المنشودة. اما تفاصيل الخطة العسكرية للتواجد العسكري الاستراتيجي الامريكي في الشرق الاوسط الكبير، فقد كان من بين اهم اهدافها:


1) تامين سيطرة عسكرية كاملة على كل هذه المنطقة بحيث تكون قادرة على حسم اي معركة أو ازمة قد تنشا ، دون الحاجة الى نقل قوات عسكرية من مناطق اخرى بعيدة.


2) ان تكون لامريكا قوات عسكرية محاددة لاكبر قوتيين هما روسيا والصين. وتامين سيطرة امريكية على الممرات وطرق المواصلات البحرية والسيطرة على الجو والفضاء.


3) فرض هيمنة كاملة على مصادر الطاقة ، والتحكم بها والمتمثلة في النفط والغاز في منطقة الخليج العربي وبحر قزوين ، لمنع روسيا من ان تصبح الدولة الاولى في انتاج النفط ، وتعرقل نمو الصين الاقتصادي ، لان النفط بالنسبة للصين عملة نادرة وهي تحتاج الى المزيد منه مع مرور السنين.


4) استخدام النفط سلاح ضد اوربا الموحدة او على الاقل ضد الدول التي تنوي مشاكسة امريكا.


5) السيطرة الكاملة للراسمالية الامريكية وشركاتها العملاقة على الاقتصاد العالمي ، بحيث تحتكر امريكا الاقتصادي العالمي ، وتكون هذه الشركات الاحتكارية القوة المسيطرة الوحيدة في العالم ، بحيث تصبح الراسماليات الاخرى تابعا للرأسمالية الامريكية العملاقة.


6) واخيرا وليس اخرا ، منع قيام أي منافس لامريكا على صعيد الدول الكبرى، او قيام اي تكتلات قد تهدّد مستقبلا هيمنتها على العالم.



لقد ساد الاعتقاد بان بوش سيتمكن من تحقيق الحلم الامبراطوري الذي عجز السلف عن تحقيقه. فقد صادف ان وصلت امريكا ، قبل صعود بوش الى سدة الرئاسة ، الى درجة من التطور والتقدم كبيرة ومذهلة ، وعلى وجه الخصوص امتلاك القوتين العسكرية والاقتصادية ، الدعامتان الرئيسيتان ، لاقامة اي مشروع امبراطوري كوني. بالمقابل فان خصوم امريكا او اندادها ، انتهى بهم الحال الى ما هو عليه من ذل وهوان ، فالاتحاد السوفيتى انتهى كقوى عظمى بعد تفككه وانهيار بنيانه الاقتصادي والسياسي وتراجعه الى داخل حدوده ، وبريطانيا ، وبعد ان سلمت مفاتيح الشرق الاوسط لامريكا منذ عام 1956 ، تحولت لاحقا الى تابع خانع يدور في الفلك الامريكي. وفرنسا التي ارسى ديغول استقلالها عن السياسة الامريكية ، تخلت عنه وانحازت بالتدريج الى امريكا. وحتى الصين التي كان من المؤمل ان تملا الفراغ وتكون المقابل للولايات المتحدة ، تخلت عن هذا الدور وقررت عدم الدخول في مواجهة مع امريكا ، لا من اجل مصالح اصدقائها او حلفائها ولا من اجل مصالحها ذاتها . بل ان حركات التحرر الوطني في العالم الثالث نظما واحزابا ، والتي وصلت الى عز قوتها في فترة الخمسينات والستينات ، وكادت تشكل خطرا على المصالح الامريكية من اندونيسيا الى الجزائر ، جرى ضرب وتصفية العدديد من مراكزها الهامة في بداية السبعينات والثمانينات ، وكان اخرها المقاومة الفلسطينية المسلحة التي قدمت اكبر تنازل ، بقبول المجلس الوطني الفلسطيني في اواخر عام 1988 في قمة الجزائر ، بقرار مجلس الامن 242 ، كاساس لتسوية سلمية مع الكيان الصهيوني.


ومع كل ذلك فشل بوش في مسعاه ، بسبب انتهاجه سياسة عفى عليها الزمن وتجاوزتها الاحداث ، ونعني بها ، سياسة الغطرسة والعنجهية واستخدام القوة العسكرية او الاحتلال العسكري المباشر لاي من البلدان التي لا تقف مع امريكا . ونجد في قرار بوش باحتلال العراق خير نموذج على فشل تلك السياسة ، وذلك من خلال النتائج التي آلت اليها ، والمازق الذي تعاني منه امريكا وقواتها المحتلة بفعل المقاومة العراقية . لكن مراهنات بوش الخائبة عادت لتتصدر جدول اعماله ، على وقع العدوان الصهيوني على لبنان ، ظنا منه بان قوات العدو الصهيوني ستحقق له النصر الذي يعوضه عن هزيمته في العراق ، ويمكنه من تنفيذ مشروعه السئ الذكر، حتى وان اتخذ شكلا اصغر او اسما اخر ، هو الشرق الاوسط الجديد ، وهذا ما يفسر اصرار رايس حينها على رفض بلادها لاي وقف لاطلاق النار ، قبل ان تحقق القوات العسكرية الصهيونية اهدافها.

وجراء فشل هذه القوات في تحقيق تلك الاهداف ، لجأت رايس الى طرح مشروع اكثر تواضعا من مشروع الشرق الاوسط الجديد ، اطلقت عليه لقب حلف الدول المعتدلة او حلف المعتدلين او الشرق الاوسط المعتدل. واختارت له دول الخليج الستة زائدا مصر والاردن ، يا للخيبة ، ومع ذلك انتهي هذا الحلف الى لا شئ سوى الضجيج الاعلامي الذي اجهد نفسه بوصف هذا المشروع بانه انجاز مهم.


فالدول الثمانية رغم تبعيتها وعمالة البعض منها للحلف الامريكي الصهيوني ، لم تتمكن من التسليم بمطالب رايس او حتى التماشي معها. سواء حول طلبها بمساعدة الرئيس محمود عباس ، من أجل إسقاط حكومة اسماعيل هنية ، وإبعاد حركة حماس عن السلطة ، كونه لا يرتبط باي حل للقضية الفلسطينة او تقديم عرض مقابل يتضمن ، من وجهة نظرهم ، احياء عملية السلام . أو حول ايران لجهة برنامجها النووي ومعالجته بالقوة العسكرية او بسلاح الحصار ، فقد طالبوا رايس بالتوصل إلي حلول سلمية في التعامل مع الملف‏ النووي الايراني بعيدا عن سياسة فرض العقوبات ، كونه لم يؤد تاريخيا إلي أي نتيجة. او حول السودان ورفضها لدخول قوات دولية الى اراضيها ، حيث ابدوا حرصهم علي وحدة السودان‏ في إطار اتفاقيات يجمع عليها الشعب السوداني ، وتجنب اي مواجهة دولية مع السودان‏. اما حول العراق فيبدو ان الامر ظل طي الكتمان


اذن الادارة الامريكية تتخبط على ما يبدو في تحقيق مشاريعها ، فهي تنتقل من مازق لتقع في مازق اخر اسوأ ، وهذا ليس غريبا ، فالادارات الامريكية قد فشلت على امتداد عقود طويلة من الزمن في فرض هيمنها المطلقة على المنطقة ، وتامين كامل مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني. والسؤال هنا : هل يعني ذلك ان مشروع بوش لاقامة شرق اوسط كبير ، وهو موضوع حديثنا ، قد انتهى دون رجعة ؟ ام ان الامر لا زال قائما وبالامكان تحقيقه ؟


يمكن القول بان وجود المقاومة العراقية ، والمازق الذي تعاني منه امريكا بسبب ضرباتها الموجعة لقواتها المحتلة ، وكان اخرها تدمير كامل لاهم مستودع للاسلحة والذخائر الحية في الدورة والذي تتواجد فيه ثلاث كتائب من الجنود والضباط الامريكان ، قد قطعت الطريق على الامريكيين لانجاز مثل هذا المشروع ، مثلما قطعت عليها الطريق لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط ، ولم يبق امام امريكا ان ارادت الاحتفاظ بهيبتها وسمعتها وكرامة شعبها ، سوى التخلي عن هذه الاوهام وحزم حقائبها والرحيل عن العراق والمنطقة. واذا ظنت امريكا بانها قادرة على الوصول الى تحقيق هذا الوهم لمجرد تغيير اسم الشرق الاوسط الكبير الى شرق اوسط الجديد او معتدل ، فهي لفي ظلال مبين. فهذا المشروع او غيره لن يرى النور مادام هدفه خدمة المصالح الامريكية والصهيونية ومادامت ، وهذا هو الاهم ، المقاومة العراقية مستمرة في انتصاراتها المذهلة ، ومصرة على احباط هذه المشاريع ودحرها.


اما الشرق الاوسط الكبير او الجديد او المعتدل ، فانه لن يخلق من رحم تلك السياسات العدوانية ، وانما يخلقه اهله وبسواعد مقاوميه ، ترى هل بامكان بوش ان يفهم هذه الحقيقة ؟ ام انه سيتبع اوهامه واحلامه ويمرغ انف امريكا في التراب؟


اتمنى كعراقي مسه الضر من امريكا وما فعلته بالعراق واهله ، وما جلبته عليه من المحن والكوارث التي لم يشهد التاريخ لوحشيتها مثيلا ، اتمنى ان تمرغ المقاومة العراقية الباسلة انف امريكا بالتراب ليتخلص من شرورها ليس العراق وحده ، وانما شعوب الارض كافة.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026