بداية، وحين يتحدث المرء عن الديمقراطية والنظم الديمقراطية ،كمصطلح سياسي غربي، وعلى وجه التحديد يوناني، وبعيدا عن السخرية والإستهزاء بالآخرين، وتضليلهم، والازدراء بعقولهم وآراءهم، فان الديمقراطية لا تعني الانتخابات فحسب، كما يروج المحتل الامريكي واجهزة اعلامه، فالانتخابات تعد واحدة من اليات النظام الديمقراطي والتي اهمها الفصل بين السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية وسيادة القانون والمساواة بين الناس بصرف النظر عن الجنس والدين والمذهب واللغة.وهذه غير متوفرة في العراق المحتل سوى من حيث الشكل. بل ان ما يسمى بالدستور العراقي الدائم ،الذي قسم البلاد والعباد، قد اقر نظام المحاصصة الطائفية لادارة الحكم في العراق التي تتعاكس كليا مع اي نظام ديمقراطي في ادنى اشكاله وصوره. ولكي لا نطيل فانه لا يجوز الخلط بين الانتخابات والنظام الديمقراطي، وانه بمجرد اجراء انتخابات دورية يصبح النظام ديمقراطيا.
المناسبة هنا تخص الانتخابات المقبلة التي ستجري في العراق بعد اقل من اربعة شهور، وسنتجاوز هنا علاقتها او موقعها في النظام الديمقراطي كما ورد قبل قليل، ونتجاوز ايضا شروطها ومواصفاتها من حيث النزاهة والشفاقية، اذ لم تعد هناك حاجة ،كما كنا نفعل في السابق، الى نقد وتحليل أو تقديم ادلة لاثبات عيوب الانتخابات في العراق، من تزوير وشراء اصوات وفتاوى ايات الله وتوزيع المقاعد والمناصب مسبقا على قاعدة المحاصصة الطائفية ، فهذه قد جرى فضحها بالمفرد والجملة.مثلما لم تعد هناك حاجة ايضا للدخول في رحاب القانون الدولي لابراز الجانب غير القانوني للانتخابات، فالمواثيق الدولية التي اقرتها الامم المتحدة لا تعترف بالانتخابات التي تجري في ظل الاحتلال، ولا بتغيير شكل النظام السياسي او الاقتصادي او الدستوري. وعليه سينصب اهتمامنا على الاهداف التي يراد تحقيقها من وراء هذه الانتخابات وما تنطوي عليها من مخاطر جدية على العراق واهله.
ان الهدف المركزي الذي يكمن وراء الانتخابات المقبلة، لا علاقة له في ارساء نظام ديمقراطي، والا لصدقنا المحتل بانه جاء محررا وليس مستعمرا، وانما الهدف الاول منها هو راس المقاومة العراقية ، وبالتالي ليس من الحكمة السياسية تجاهل هذا الامر، والتعامل معه بنفس الطريقة التي جرى التعامل بها مع الانتخابات السابقة. من يدقق في الانتخابات الثلاث التي جرت في العراق، حيث الاولى خصصت لانتخاب برلمان مؤقت وتشكيل حكومة انتقالية في 13/1/2005 ، والثانية للتصويت على ما يسمى بالدستور الدائم في 15/10/2005 ، والثالة لانتخاب برلمان ورئيس حكومة لمدة اربع سنوات في 15/12/2005، سيجد ان الغرض منها لا يتعدى ايجاد الية سياسية ذات صفة ديمقراطية تمكن امريكا من حكم البلاد بطريقة غير مباشرة، بعد فشل الحكم المباشر عبر الحاكم العسكري جي كارنر ثم الحاكم المدني بول بريمر. ولا يغير من هذه الحقيقة دور المقاومة العراقية في اجبار المحتل على اللجوء لهذه الوسيلة.ولا يغيرها ايضا حالة الرفض الشعبي ضد الاحتلال والتي شملت عموم الشعب العراقي.
دعونا نتفحص هذا الامر.
"نجاح الانتخابات المقبلة شرط ضروري لحل بعض المسائل العالقة في العملية السياسية، وانجاز المصالحة الوطنية واشراك قوى واحزاب في العملية السياسية ". هذا ما صرح به جو بايدن نائب الرئيس الامريكي باراك اوباما ومسؤول الملف العراقي فور وصوله الى بغداد قبل عدة ايام، ومن اجل الاسراع في انجاز مهمته، هدد بايدن نوري المالكي وجلال الطالباني ومسعود البرزاني كل على انفراد "بأن الولايات المتحدة ستغير من سياستها تجاه العراق إذا لم يلتزموا بتحقيق المصالحة الوطنية في أسرع وقت"، ثم املى عليهم اسلوب وطريقة هذه المصالحة حسب اعتراف المالكي . وليست مصادفة سيئة ان يتزامن تصريح باراك اوباما مع تصريحات بايدن حين قال، ان "انجاز المصالحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية ، تشكل الضمانة الاكيدة لانسحاب القوات الامريكية من العراق في موعدها المحدد". ناهيك عن الجهود التي بذلها بايدن بهذا الخصوص من خلال الزيارات التي قام بها الى العراق في هذا العام.ترى هل يحق لنا تجاهل هذه الحقائق او الهروب منها؟ ام ان المطلوب مواجهتها والتصدي لها واحباطها؟
صحيح ان الامريكيين لم يجنوا ثمار هذه الجهود حتي الان، الا ان هناك بوادر تشير، الى وجود فرص لا يستهان بها لنجاح الانتخابات المقبلة و"المصالحة الوطنية". في هذا الصدد هناك ثلاث اسباب على الاقل يمكن رصدها في هذا الجانب.
السبب الاول له علاقة ، حسب علمنا، بما يجري من اتصالات بين الامريكان وبعض القوى المحسوبة على معسكر المقاومة، او التي تلوذ به عبر دول عربية ، وعلى وجه الخصوص دول خليجية، لما لها من تاثير كبير على هذه القوى، وما تقدمه لها من اموال طائلة لدفعها الى الاشتراك في الانتخابات وقبول المصالحة مع احزاب الحكومة العميلة لاسباب معروفة لامجال هنا لذكرها، وتقول المصادر الاوربية بان واشنطن تسعى الى عقد مؤتمر موسع للمصالحة الوطنية ،خلال فترة قصيرة، يضم شخصيات وقوى عراقية مناهضة للاحتلال، بما فيها شخصيات بعثية سابقة. هذا يعيد للاذهان المصالحة التي تمت مع هذه القوى واحزاب الحكومة في القاهرة قبل اقل من شهر واحد على موعد الانتخابات التي جرت في 15/ 12 / 2005 تحت رعاية الجامعة العربية وبحضور رئيس النظام المصري حسني مبارك، ويذكرنا ايضا، بالبيان الختامي المشترك الذي خرج به المجتمعون ، والذي دعى في بنده الثامن وبالحرف الواحد الى "احترام موقف جميع اطياف الشعب العراقي وعدم اعاقة العملية السياسية والمشاركة الواسعة في الانتخابات المقبلة والاحتكام الى صناديق الاقتراع واحترام راي الشعب العراقي في اختيار ممثليه". مثلما يعيد للاذهان حضور هذه القوى مؤتمرات اخرى في اسطنبول والبحر الميت وبيروت.ترى لماذا نستبعد ان يعيد التاريخ نفسه ،بصرف النظر ان كانت نتائجه ماساة او ملهاة؟.
اما السبب الثاني، فانه يتعلق باعادة انتاج اراء وطروحات جرى التخلي عنها، لضعفها وهشاشتها، امام التحليل السياسي الدقيق والمقنع، والمقصود هنا المقارنة بين الاحتلال الامريكي والاحتلال الايراني للعراق، ومن ثم تغليب الخطر الايراني ليجري الوصول الى ترويج مقولات من قبيل عدو عدوي صديقي. اي التعاون او المهادنة مع المحتل الامريكي لانهاء الاحتلال الايراني. وكأن الاحتلال الايراني قد تم اكتشافه هذه الايام، وليس كونه موجودا منذ احتلال بغداد قبل اكثر من ست سنوات، وان من فسح المجال لايران بهذا الامتداد داخل العراق،هي امريكا مقابل الخدمات التي قدمتها ايران لها لغزوالعراق. ثم من قال لهذا الجمع ان امريكا تريد طرد ايران من العراق في هذا الوقت بالذات؟ لا يحتاج المرء الى قدر كبير من الذكاء ليفسر هذا الهراء، بانه مقدمة للدخول في مستنقع المحتل وعمليته السياسية . فانهاء الاحتلال الايراني ايها السادة ،وباختصار شديد جدا جدا ، مرتبط كليا بانهاء الاحتلال الامريكي ، ومن يتمكن من هزيمة امريكا في العراق لن يعجز عن هزيمة ايران، في نفس الوقت او لاحقا.
نفس الشيء يجري ترويجه لجهة اطراف السلطة المتصارعة على حكم البلاد المحتلة، فجراء استبعاد ايران لنوري المالكي لتجديد ولايته لصالح رجلها الاول والمعتمد عادل عبد المهدي، وتطور الخلاف بينهما بشكل عنيف، بدانا نسمع عن ضرورة الاشتراك في الانتخابات لدعم المالكي او التحالف معه لانهاء النقوذ الايراني، بل لم يتورع هؤلاء في ذكر "مناقب" المالكي حول تخليه عن الطائفية وسعيه لارساء دولة القانون وتمسكه بالمواطنة والوطنية والتغني بصلابته وذكائه، حتى خيل لنا بانه الرجل الذي ادخره القدر لانقاذ العراق من الاحتلالين الامريكي والايراني وربما سيحرر لنا فلسطين.!!!!. من المعيب فعلا تبريرالاشتراك في الانتخابات والعملية السياسية او اجراء مصالحة مع من قتل شعبنا ودمر بلادنا بهذا المنطق الاعوج والمفلوج.
السبب الثالث، يتعلق بالعراقيين عموما. صحيح ان العراقيين شعب له القدرة على التمييز ويصعب خداعه، وانهم يدركون زيف وكذب المحتل ودجله ، الا ان ذلك لا يعد حصانة كافية لحمايته من مكر المحتل وتاثير الته الاعلامية ، خصوصا وان هذا الشعب الجريح قد ضاقت به سبل الحياة واوهنت قواه الة الدمار والقتل ، والاهم من ذلك الاحباط الذي اصابه جراء تراجع المقاومة العراقية الملحوظ من جهة، ومن جهة اخرى عجزها عن تحقيق وحدة فصائلها ، ومن جهة ثالثة تاثير الاجواء السائدة التي القت بضلالها على الناس، حول انسحاب قوات الاحتلال من المدن العراقية والذي صور على انه مقدمة للانسحاب الكلي من العراق بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية، الامر الذي سيشجع الناس على البحث عن خيارات اخرى غير المقاومة المسلحة، وبالتالي يصبح خيار الاشتراك بالانتخابات او العملية السياسية خيارا مفضلا.
لايجب ان يفهم من هذ الاستنتاجات ، اننا نريد ان نشيع حالة الياس او الاحباط في النفوس، وانما اردنا مواجهة الحقائق لا ان نهرب منها، على امل ان تواجهها المقاومة ايضا وباهتمام اكبر.وبعيدا عن الانتهازيين والوصوليين والمتملقين ،فان المقاومة العراقية وقادتها لم تاخذ ،على ما يبدو، امرالانتخابات المقبلة ونتائجها الخطيرة على محمل الجد ، والا لما تأخرت في التوجه الى العراقيين وشن حملة اعلامية واسعة النطاق لتعبئتهم لمقاطعتها، ودعت، في نفس الوقت، كل القوى والاحزاب المناهضة للاحتلال الى عدم المشاركة في الانتخابات وتحت اي ذريعة كانت، كون هذه المشاركة ستضفي على السلطة التي ستنتج عنها صفة الشرعية، ويصبح الاحتلال امرا واقعا..وهذا من شانه ان يعزل المقاومة، شئنا ام ابينا ،عن محيطها الشعبي الذي يعد سندها الاول والاخير.
ان الفعل السياسي يعد الوجه الاخر للبندقية المقاتلة، وان اللجوء الى الناس والتلاحم معهم وحشد طاقاتهم وتفعيل قدراتهم والانتقال بهم الى المشاركة الفعلية في معركة التحرير، شرط من شروط الانتصار، بل اهمها ، وليس اللجوء الى الدول العربية لطلب التاييد والمساعدة منها تحت ذريعة كلنا امة واحدة ، فهذه دون استثناء من شارك بذبح العراق من خلال مشاركتها ومساهمتها في احتلاله وتدميره ، وقبلها مشاركتها بالعدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 والحصار الجائر الذي راح ضحيته اكثر من مليوني عراقي.
مع ذلك لايزال املنا كبيرا بان تراجع قيادات المقاومة حساباتها وتنجز وحدتها وتؤكد على ثوابتها الوطنية وثوابت التحرير، فهذه المقاومة الباسلة التي وضعت امريكا كـ اكبر قوة محتلة عرفها التاريخ في مازق حرج، ومرغت سمعتها وهيبتها في الوحل، واهانت التها العسكرية ،وادخلت الرعب والهلع في نفوس جنودها المارينز، لديها الكثير من الاسباب لتاكيد وجودها. ليس هناك مقاومة في التاريخ القديم والحديث لم تقع بمثل هذه الاخطاء وقامت بتداركها.
ما يقلقنا هو غدر الزمن، فهو كالسيف القاطع اذا لم نقطعه قطعنا لا محال.
اللهم هل بلغت فاشهد.
|