إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الانسحاب الامريكي المزعوم من المدن العراقية..كيف ينبغي ان نفهمه؟؟

عوني القلمجي

نسخة للطباعة 2009-07-20

إقرأ ايضاً


ما ان شرعت قوات الاحتلال الامريكية بالانسحاب من المدن والبلدات العراقية وتموضعها في القواعد العسكرية، ونحن نواجه سيلا من المقالات والتحليلات والتصريحات والخطب والبيانات، اوحت بان هذا الانسحاب هو هزيمة نكراء لمشروع الاحتلال الامريكي في العراق، واعتبرته خطوة اولى اراد منها الرئيس الامريكي الجديد باراك اوباما الخروج من العراق على مراحل لتجنب الهزيمة والاحتفاظ بماء الوجه!!.وليست مصادفة سيئة ان تزداد ،مع هذا الحدث،حدة التنافس على تمثيل المقاومة العراقية والتحدث باسمها والتفاوض نيابة عنها مع اوباما الذي وعد ،كذبا، بالانسحاب النهائي من العراق وتركه الى اهله.في حين ان الرجل لم يفكر بذلك، لا في الوقت الحاضر ولا في نهاية عام 2011، كما نصت اتفاقية العارالامنية،فهو قد اعلن اكثر من مرة بانه سيترك ما بين 35 الى 50 الف جندي اضافة الى 50 قاعدة عسكرية اذا حدث ونفذ تلك الاتفاقية المشؤومة.منها 14 قاعدة عملاقة تحوي داخلها اسلحة وذخيرة ضخمة وطائرات عسكرية متطورة تكفي امريكا للدخول في حرب عالمية ثالثة، اضافة الى وجود اكثر من 100 الف مقاتل من المرتزقة تحت اسم الشركات الامنية،ناهيك عن وجود اكبر سفارة امريكية في العالم.والانكى من ذلك ان اوباما لم يزل يرى في المقاومة العراقية مجرد مجموعات ارهابية خارجة عن القانون وتستحق العقاب ولا يمكن التفاوض معها في اي شان يخص العراق.

لا نجادل في ان الانسحاب من المدن يشكل في احد جوانبه تراجعا واضحا لقوات الاحتلال جراء ضربات المقاومة العراقية، خصوصا وان هذه القوات قد فشلت في انهاء المقاومة او القضاء عليها ، الامر الذي مرغ سمعة امريكا في الوحل وحط من هيبتها وانهى اسطورة امريكا التي لا تقهر. هذه الحقيقة التي تدعو الى الفخر والاعتزاز ورفعت هاماتنا عاليا امام الخلق،لا تعفينا من ضرورة رؤية الاهداف الحقيقية لهذا الانسحاب.فاذا امعنا النظر ودققنا في الاهداف التي تتستر وراء الانسحاب المزعوم وربطها بتراجع المقاومة،قياسا الى فترات سابقة، وظهور نزعات المساومة لدى بعض القوى المناهضة للاحتلال واستعدادها للدخول في العملية السياسية، سنجد ان هذا الانسحاب لا يصنف على انه قرار بالخروج من العراق بماء الوجه،وانما يصنف على انه جزء من استراتيجية امريكية جديدة لانهاء المقاومة وتكريس الاحتلال لعقود طويلة من الزمن قد تصل لمئة عام كما قال اكثر من مسؤول في الادارة الامريكية،ويمكننا اختصار فحوى هذه الاستراتيجية الخبيثة والمضللة تحت عنوان او مقولة عسكرية شائعة: بالامكان تحقيق الانتصار عبر تجنب الهزيمة.

ان اية نظرة عامة لما سيحققه "المنقذ" اوباما من مكاسب في حال نجاح استراتيجيته لا سمح الله، تكشف بما لا يدع مجال للشك مدى اهميتها لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط.اولها تقليل الخسائر البشرية لتطمين الشعب الامريكي وانهاء مطالبته بالانسحاب من العراق واعادة الثقة اليه بقوة امريكا التي لا تقهر،وثانيها تقليص النفقات العسكرية التي كانت السبب الاهم في الانهيار الاقتصادي الذي حصل في امريكا وشمل بلدان العالم، وثالثها تشجيع حلفاء امريكا المقربين وخصوصا حكام الردة العرب على تقديم مزيد من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لحكومة المالكي العميلة ،اما رابعها، دفع الاطراف التي تحوم حول معسكر المقاومة لحسم ترددها والدخول فيما يسمى بالعملية السياسية تحت ذريعة قبول اوباما بجدولة الانسحاب، في حين ان خامسها ،وهو الاخطر، تولي قوات الحكومة من جيش وشرطة واجهزة امنية ومليشيات مسلحة، مهمة مواجهة المقاومة العراقية في جميع المدن العراقية التي سيطرت عليها بعد انسحاب القوات الامريكية منها، بعد ان كانت هذه الحكومة اسيرة المنطقة الخضراء،وبعد ان كانت قواتها تشكل عبئا على قوات الاحتلال..باختصار شديد جدا، فان اوباما قد عدل من استراتيجيات سلفه بوش المتهورة لانهاء المقاومة بالاعتماد على استراتيجية طويلة الامد تحقق لاوباما ما عجز بوش عن تحقيقه.

هذه الحقيقة ينبغي على فصائل المقاومة الاعتراف بها ،رغم مرارتها، بدل الهروب الى الامام وتفسير الانسحاب على انه انتصار حاسم ،فمثل هذا الاعتراف لا يعيب ولا يخيف ،اذا اعتبرنا بان الصراع الدائر هو صراع طويل الامد، فخسارة معركة في مرحلة من مراحله لا تعني خسارة الحرب كما يقول الخبراء العسكريون.وقد شهدنا خلال السنوات الست الماضية كيف تبدلت موازين القوى بين الطرفين، فتارة تفرض المقاومة سيطرتها على ساحة المعركة وتارة اخرى تفرض قوات الاحتلال التراجع على المقاومة.وسيظل هذا الوضع قائما الى ان يستسلم احد طرفي الصراع للطرف الاخر ويقر بشروطه كاملة غير منقوصة.

نعم لقد خسرت المقاومة اول معركة في ظل استراتيجية اوباما الجديدة، فبدل ان تتقدم المقاومة لملء الفراغ في المدن التي انسحبت منها القوات الامريكية وتقيم سلطتها الوطنية عليها وتكون القاعدة لقيادة الكفاح ضد الاحتلال، تقدمت قوات الحكومة وفرضت السيطرة الكاملةعليها، الامر الذي سمح عميل صغير مثل المالكي لان يتجرا ويتحدي المقاومة اذا كان بمقدورها انتزاع شارع واحد من يد قواته.ولا يغير من هذه الحقيقة اعتماد المالكي على اسناد قوات الاحتلال له او مشاركتها في القتال معه اذا تطلب الامر ذلك. بعبارة اخرى، لو كانت قوات الاحتلال على يقين من قدرة المقاومة على ملء الفراغ بدل قوات الحكومة لما انسحبت من مدينة واحدة قطعا.

اذا كان استنتاجنا صحيحا،وظني انه صحيح، ترى ما الذي ينبغي على المقاومة العراقية القيام به لتعديل ميزان القوى لصالحها وكسب المعارك القادمة؟، سواء ضد قوات الاحتلال او قوات الحكومة او كليهما معا؟

قال خبراء الحروب من هذا الوزن والنوع ،قبل اكثر من الفي عام ولازال صدى اقوالهم يتردد حتى يومنا الحاضر،إذا كنت تعرف العدو وتعرف نفسك فلا حاجة بك للخوف من نتائج مئة معركة. إذا عرفت نفسك لا العدو، فكل نصر تحرزه سيقابله هزيمة تلقاها. إذا كنت لا تعرف نفسك أو العدو ستنهزم في كل معركة. علمك بعدوك يعرفك كيف تدافع، علمك بنفسك يعرفك كيف تهاجم،الهجوم هو سر الدفاع، والدفاع هو التخطيط للهجوم.وفي تقديرنا فان هذه الخلاصة الدقيقة تصلح تماما لان تكون حجر الاساس لما ينبغي على المقاومة عمله في المرحلة المقبلة.ترى هل وصل هذا الصدى لاذاننا؟

لا نتردد في القول بان المقاومة العراقية لم تعرف نفسها كما يجب ولم تعرف عدوها كما يجب.وهذا لا يعني ،والكلام موجه لمن يصطاد بالماء العكر،التقليل من شان المقاومة وتجاهل عظمتها وفرادتها او الاستهانة بكفاحها وانتصاراتها العظيمة، ولا الشك في قدراتها على دحر قوات الاحتلال في نهاية المطاف، فالتاريخ لم يقدم لنا سابقة عن انتصار اي قوة محتلة في حروب التحرير الطويلة الامد مهما كانت غاشمة.وانما هو مجرد اجتهاد قد يصيب ولنا فيه حسنتان وقد يخطيء ولنا فيه حسنة.وعلى هذا الاساس وبكل صراحة ووضوح ندخل في صلب الموضوع.

حين نتحدث عن المقاومة فاننا لا نقصد تصنيفها على انها موحدة، وانما هي فصائل وجبهات، ومن المؤسف انها جميعا بدون استثناء لم تعرف نفسها.حيث كانت المبالغة والاعتداد والانا الطابع السائد لديها،فكل فصيل او مجموعة او جبهة تعتقد بانها مؤهلة وحدها لدحر الاحتلال واستلام السلطة. بل ان ممثل احدى هذه الجبهات سمح لنفسه بتجريد اي عراقي من وطنيته اذا لم يسارع للالتحاق بجبهته.في حين ان جبهات اخرى لم تكن اقل تفاخرا من غيرها، بل ان البعض الاخر لم يتورع في تقزيم الاخرين جهارا نهارا، حتى وصل بنا الحال لان تختصر كل المقاومة العراقية في شخص واحد لا غير.كان من الطبيعي جدا لو عرفت كل جهة نفسها، لتخلت عن هذه الافكار المقيتة وسارعت الى تلبية مطلب الشعب العراقي المنكوب لجهة وحدة فصائل المقاومة العراقية، لا ان تبتكر الاعذار والعقبات لتحول دون تحقيق هذا الهدف النبيل، والذي من دونه سيتحول مشروع تحرير العراق الى مجرد حلم او امل.

في الجانب الاخر ترى هل عرفت المقاومة العراقية عدوها؟

عند هذه النقطة نجد الامر يزداد سوءا، فهذا العدو الذي لم يشهد التاريخ مثيلا لقوته وجبروته، ولم يشهد محتلا حمل اهداف ابعد مدى من اهدافه، ولا حلما اوسع من احلامه، نظرت اليه فصائل المقاومة نظرة ملؤها الاستهانة والازدراء لا تبررها الانتصارات العظيمة التي حققتها. فمنها من ظن بان العظم وهن منه واشتعل الشيب في راسه وخارت قواه ولم يعد له من هم سوى البحث عن هزيمة مشرفة، ومنها من اعتقد بعدم قدرته على تحمل مزيدا من التضحيات التي ستجبره على الاستسلام. وثالثة وجدت في اوباما رجلا طيبا لا يضمر الشر للعراق ويسعى الى الخروج من العراق طواعية او من خلال عقد اتفاقيات منصفة!!. والا ما معنى تقديم العروض السخية له لسحب قواته من العراق وتسليمه اليها على طبق من ذهب؟.

امكانية اصلاح ما افسدته الفرقة بين فصائل المقاومة وما نتج عنها من اخطاء لم تزل امكانية قابلة للتحقيق وخلال ايام معدودات وليست اسابيع او شهور اذا جرى التخلي عن نزعة الانا البغيضة، خصوصا وان المقاومة العراقية ستواجه جبهة جديدة ،اضافة الى جبهة المحتل،ليس من الحكمة الاستهانة بها كما كان يجري في السابق،واعني بها الحكومة وقواتها التي فرضت سيطرتها على المدن وستربط استمرار وجودها بالدفاع عنها، بعبارة اخرى فانه بدل ان كان الصراع يدور بشكل رئيسي بين المقاومة والمحتل، فانه سيدور من الان فصاعدا بينها وبين قوات الحكومة والاحتلال على حد سواء.

باختصار شديد ، فعلم المقاومة بعدوها يعرفها كيف تدافع، وعلمها بنفسها يعرفها كيف تهاجم وعلمها بنفسها وعدوها يعلمها كيف تجر العدو الى ارض القتل وتجبره على الدخول في مواجهة معها وجها لوجه، لا ان تتركه يستريح في قواعده ويلتقط انفاسه،ويحكم البلاد عقود من السنين كما حكمت بريطانيا العراق من قواعدها العسكرية البائسة اكثر من اربعين عام.

المعركة الحقيقة لم تنته بعد،وانه لا يزال امام المقاومة العراقية معارك حامية الوطيس،بالاحرى صراع دموي لم تشهدها حروب التحرير من قبل، وانه آن الاوان لان تعرف المقاومة نفسها وتعرف اكثر عدوها وتسارع لانجاز وحدتها التي تاخر انجازها كثيرا واقامة جبهتها الوطنية الشاملة لتحقيق الانتصار وتحرير البلاد والعباد،

ترى متى تزف المقاومة هذه البشرى للشعب العراقي الجريح؟


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026