مرة اخرى يستنجد بوش بدول الجوار لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط ، ليؤكد ما ذهب اليه مجمع طبي امريكي بانه الاغبى من بين الرؤساء الذين مروا بتاريخ الولايات المتحدة الامريكية. فهو قد تخيل بان عقد هذا المؤتمر في امارة الكويت وحشد اكبر عدد من دول العالم لحضوره سيحقق له نجاحا يداري به فشل مشروع الاحتلال ويحسن صورته قبل مغادرته البيت الابيض دون رجعة، ونسى ما جناه من خيبة في مؤتمرات مماثلة عقدت في شرم الشيخ واسطنبول. وقد جاء البيان الختامي للمؤتمر العتيد ببنوده الواحد والعشرين ليؤكد هذه الحقيقة. حيث لم يتضمن البيان اي جديد يستحق الذكر واقتصر على تكرار نفس الجمل والعبارات التي انتهت اليها بيانات المؤتمرات السابقة وخلاصتها دعم حكومة الاحتلال وانجاز مشروع ما يسمى بالمصالحة الوطنية ومكافحة الارهاب اي المقاومة العراقية. ودعك من البنود الاخرى التي تحدثت عن وحدة العراق والحفاظ على عروبته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، فهذه ليست سوى محاولات بائسة لتجميل صورة الاحتلال البشعة، اذ كيف يمكن للمرء ان يربط بين المحافظة على وحدة العراق والحفاظ على عروبته والدستور الدائم الذي سنه الاحتلال قد قسم العراق ليس الى ثلاث دول فحسب ، وانما قسمه على عدد محافظاته الثمانية عشر ونزع في نفس الوقت عروبة العراق حين ربطه بالعالم الاسلامي وليس بامته العربية؟. وكيف يمكن الربط ايضا بين عدم التدخل في شؤون العراق الداخلية وبين وجود 160 الف جندي امريكي على اراضيه؟ الا يعد ذلك اعلى درجات التدخل في شؤون العراق؟ ام ان بوش صدق كذبته الشهيرة بان قواته جاءت للعراق محررة وليست فاتحة؟
ولم تقتصر مصيبة بوش على ضحالة النتائج التي خرج بها هذا البيان ، وانما تكمن في ضحالة تفكير القائمين على ادارة مشروع الاحتلال والتي تبشر بالخير لجهة المقاومة العراقية وفق قاعدة المقدمات الخاطئة تقود حتما الى نتائج خاطئة، اذ كيف يمكن للخطة التي تضمنها البيان العتيد من انقاذ مشروع الاحتلال من السقوط وهي اقل شانا او تعتبر متواضعة اذا ما جرى مقارنتها بما قدمته ولازالت تقدمه دول الجوار من خدمات جليلة لبوش وعصابته منذ بداية الاحتلال ولحد يومنا الحاضر. والا ماذا تعني مطالبة البيان الختامي بتعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية مع الحكومة العراقية؟ الم تعترف دول الجوار بحكومة الاحتلال واعتبرتها حكومة منتخبة وشرعية تارة وتارة اخرى تصفها بحكومة الوحدة الوطنية؟ الم تتبادل هذه الدول العلاقات السياسية والدبلوماسية بدرجات مختلفة لاسباب معروفة مع حكومة الاحتلال؟. ثم ما معنى المطالبة بتعزيز العلاقات الاجتماعية مع العراق وحكومته العملية تعمل ليل نهار على تمزيق وحدة المجتمع العراقي؟ وما هو المقصود بتحقيق الامن والاستقرار في العراق سوى تبرئة الاحتلال ونفي المسولية عنه كونه السبب الرئيسي في خلق هذا الوضع الذي لم يكن موجود اصلا قبل الاحتلال؟ واذا كان الامر غير ذلك وان جهات اخرى مسؤولة عن هذه الحالة، ترى هل بامكان هذه الدول من تقديم المساعدة بهذا الشان ولم تفعل؟ بوش يدرك قبل غيره عدم قدرة هذه الدول على تحقيق امنها واستقرارها فكيف لها ان تحقق امن واستقرار الدول الاخرى؟ اما المطالبة بتعامل دول الجوار اقتصاديا مع دولة مصطنعة محصورة في بقعة صغيرة اسمها المنطقة الخضراء فانه ليس سوى تضليل الاخرين بوجود دولة مستقلة وذات سيادة كاملة، ولو كان لهذه الدولة وجود فعلا وقادرة على التحكم بالاقتصاد العراقي او تمتلك بعض الصلاحية لسارعت هذه الدول لاقامة علاقات اقتصادية معها على الاقل لانها ستعود عليها بفوائد او نيل حصة من الكعكة العراقية كما يقال.
ليس هذا فحسب ، فالبيان الختامي طالب ببذل الجهود من اجل انجاز مشروع ما يسمى بالمصالحة الوطنية وكأن دول الجوار لم تطرق هذا الباب ولم تسعى الى تحقيقه ليل نهار سواء بالضغط على القوى المناهضة للاحتلال او اغرائها بالمكاسب او تقديم الرشاوى لبعضها بعشرات الملايين من الدولارات من اجل جرها الى العملية السياسية بهدف احيائها من جديد.ولنا في الجهود المضنية التي بذلتها هذه الدول عبر الجامعة العربية والاجتماع الذي جرى بين قوى الاحتلال وبعض القوى المناهضة لها في القاهرة في نهاية عام 2005 خير دليل على ذلك.
واخيرا وليس اخرا لابد من ذكر مطلب اخر ورد في البيان الختامي كونه يدل على سفاهة صاحبه بوش الا وهو مساهمة دول الجوار في اعمار العراق، فهذا الرجل يعلم قبل غيره بان بعض دول الجوار مثل سوريا والاردن او الذين يسيرون جنبها مثل مصر لا تملك قوتها اليومي او تامين قطعة خبز لمواطينها وتعيش على الديون والهبات، اما الدول الغنية الاخرى وتحديدا دول النفط في الخليج العربي فان ما تمتلكه من اموال قد اصبحت رهينة في البنوك الامريكية وما تبقى منها جرى امتصاصها عبر صفقات الاسلحة التي بلغت في بعض الاحيان ارقام فلكية لتودع في المخازن لعدم الحاجة اليها او عدم القدرة على استخدامها. ثم اين هي اموال العراق؟ اليست كافية لوحدها من اعمار العراق لولا سرقتها على عينك يا تاجر سواء من قبل الاحتلال او من قبل حكومته العميلة؟
اما اذا صدق الرواة حول طلب بوش من هذه الدول على هامش المؤتمر عبر وزيرة خارجيته كوندليزا رايس عرابة المؤتمر ومهندسته ارسال قوات عربية الى العراق، فهذا عز الطلب بالنسبة للمقاومة العراقية، لسببين رئيسيين اولها ان القادمين الجدد سيشكلون عبئا اضافيا على القوات الامريكية المحتلة على الاقل لعدم كفائتها القتالية وستحتاج الى حمايتها ،مثلما احتاج هتلر الى اربع فرق المانية لحماية الفرقتين العسكريتين التي ارسلها موسيلني لدعم قواته في شمال افريقا في الحرب العالمية الثانية، الامر الذي دعاه الى اعادتها بعد مدة وجيزة. وثانيها ان القوات العربية سيعوزها الدافع لقتال ابناء جلدتها، وهذا يعيد للاذهان قصة ما حدث في حفر الباطن اثناء العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 ، فحين سمع الجنود المصريون والسوريون في معسكراتهم نبا اطلاق العراق اول صاروخ من طراز سكود على تل ابيب اطلقوا صيحة التهليل والتكبير عدة مرات ثم جاء من يذكرهم اين هم.
هل هذا كل شيء؟ بالطبع لا ، فهذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات يخفي في ثناياه ذلك الهدف المركزي ولا يوجد غيره، الا وهو التامر على المقاومة العراقية كونها السبب الرئيسي في فشل مشروع الاحتلال. وفي هذا الصدد لا يحتاج بوش الى عقد هذا المؤتمر اصلا. فدول الجوار لا بارك الله فيها ، قد قدمت كل ما لديها من امكانات لتحقيق هذا الهدف ، وربما ضاهت حميتها حمية بوش نفسه لان انتصارها سيفقدها عروشها. ولا نحتاج في هذا الصدد الى توضيح هذا الامر وما ينطوي عليه من خسة ونذالة اذا ما اخذنا نموذجا مصغرا عنه والمتمثل في الموقف السوري الذي عبر عنه وزير داخليتها اللواء بسام عبد المجيد في الاجتماع الاخير الذي جرى في دمشق لوزراء داخلية دول الجوار الذي عقد قبل اسبوع من هذا الاجتماع السيء الذكر، فهو قد قال وبالحرف الواحد،بان سورية مازالت تبذل الجهود وتتخذ الإجراءات اللازمة على حدودها للإسهام في تحقيق الأمن واستتبابه في العراق. واضاف لقد دعمنا إجراءاتنا الأمنية على حدودنا مع العراق الشقيق بزيادة نقاط الحراسة الثابتة والدوريات اللازمة منعاً لعبور الأشخاص والمواد الممنوعة من خط الحدود بصورة غير مشروعة، ثم ابدى تذمره من امريكا بقوله أننا كنا نتوقع أن يتم الإيفاء بالوعود المتعلقة بتزويدنا بتجهيزات تساعدنا في مراقبة الحدود ليلاً إلا أن من وعد لم يف بوعده. ولا يحتاج العيان او العميان الى جهد ليكتشفوا بان المقصود بهذه الاجراءات هي المقاومة العراقية.
بالتاكيد فان مسلسل الفشل الذي يواجهه بوش لن يثنيه عن مواصلة محاولاته في هذا الاتجاه لانه لم يزل هو وعصابة المحافظين الجدد ومن ورائهما الكيان الصهيوني اسير افكار العنجهية والغطرسة التي لا تدرك قدرة الشعوب على مقاومة الاحتلال ورفضها للغزاة والمحتلين واستعدادها للقتال بجلدها حتى اذا وقف الانس والجن ضدها، والا بماذا نفسر هذا الاصرار على مواصلة الاحتلال على الرغم من المازق الذي تعاني منه قواته المحتلة؟ وهذا يتطلب من المقاومة العراقية ادراك هذه الحقيق وتستعد لمواجهتها وتسارع في تحقيق وحدتها وتشكيل جيشها وبناء الجبهة الوطنية الشامل وفق برنامج سياسي مشترك.
نعم لقد اثبتت وقائع التاريخ بان ما من شعب تعرض للاحتلال وصمم على المقاومة الا وحقق الانتصار المبين طال الزمن ام قصر، فها هي امريكا وقد هزمت في فييتنام ولبنان وها هي بريطانيا قد فقدت مستعمراتها التي لا تغيب عنها الشمس وها هي فرنسا وقد هزمت في فيتنام الشمالية والهند الصينية واخرها في الجزائر.لكن الاعتماد على هذه الوقائع لا يكفي لانها تكلف المزيد من الجهد والتضحيات.
وفي كل الاحوال يمكننا التاكيد بان محاولة بوش هذه تعد اخر سهم خائب في جعبته قبل الرحيل فانقاذ مشروع الاحتلال بات امرا صعب المنال في ظل وجود المقاومة العراقية الباسلة ولا يفيد في هذه الحالة ابتكار حلول لإنقاذ الاحتلال من الورطة وتداعياتها. لا من خلال عقد المؤتمرات الاقليمية والدولية ولا بمطالبة دول الجوار بالدعم وفتح السفارات ولا بزيادة عدد القوات او وضع الاستراتيجيات المختلفة. وهذا لا يعني الاستهانة بما يجري على الاقل من باب الاحتياط ، فالاحتياط لمواجهة غير المتوقع واجب وواجب مهم جدا.
|