إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

العام السادس لاحتلال العراق ومستقبل امريكا.. الانسحاب أو الهزيمة

عوني القلمجي

نسخة للطباعة 2009-04-13

إقرأ ايضاً


من مباديء الحرب تاتي الارادة والمعنويات متقدمة على السلاح والتجهيزات والمعلومات والاتصالات وغيرها، واذا سلمنا بما قاله الجنرال البريطاني برنارد مونتغمري الذي قاد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور بقيادة هتلر واستطاع تحقيق النصر ضد الجنرال ارفن رومل في معركة العلمين عام 1942 "إن الحرب ليست دبابات تتصادم وليست مدافع تهدر وليست جنود مشاة يحتلون مواقع، وإنما هي إرادة تعلو فوق إرادة"، فان لحمة معركة الشعب العراقي ومقاومته ضد قوات الاحتلال وسداها ليست سوى الارادة،والا لما تمكنت المقاومة العراقية من الوقوف في وجه اكبر الة عسكرية في العالم باسلحة بسيطة وبدائية. هذه الحقيقة لم يجرالانتباه اليها بالقدر الكافي من قبل الكتاب الوطنيين، سواء من العراقيين او العرب. ومع مرور كل عام على الاحتلال يجري تناول ما فعله المحتل بالعراق سواء ما يخص انتزاع استقلاله السياسي وسيادته الوطنية او تدمير البلاد والعباد ثم الاشادة بالمقاومة العراقية وبطولاتها ، في حين كان ينبغي،الى جانب ذلك،التركيز على ما تكبدته امريكا المحتلة من خسائر كبيرة ليس في الجانب البشري والمادي وحسب، وانما في الجانب الاخرالذي سيهدد مستقبلها كقوة وحيدة في العالم وينهي احلامها الامبراطورية على المدى البعيد وربما المدى المنظور.ان ابراز هذا الجانب في مناسبة كهذه اوغيرها من المناسبات مسالة مهمة تدخل ضمن ادوات الصراع الدائر بين المقاومة وقوات الاحتلال، كونه يساهم في تعزيز ارادة المقاومين والثقة بقدرات العراقيين على دحر المحتل، خصوصا وان الاعلام الامريكي قد صور القوة الامريكية بانها قوة لا تقهر وان المقاومة ضدها ليست سوى ضربا من الجنون او الانتحار.

لنرى ما حل بامريكا رغم استمرار وجود قواتها على ارضنا الطاهرة.

حين قرر بوش احتلال العراق، كان يأمل بادارة شؤونه عبر حاكم عسكري فاختار جي كارنر لهذه المهمة، ثم يفكك دول المنطقة ويعيد تشكيلها وفق مشروع اسماه الشرق الاوسط الكبير، الذي يمتد من شرق الصين الى المغرب ، ليضمن ،كما قال، مصالح امريكا الحيوية ويحافظ على امن وسلامة الكيان الصهيوني.غير ان ما اخفاه بوش في البداية ظهر لاحقا، حيث ان الهدف الاول او المركزي من وراء احتلال العراق ان يكون حجر الاساس لبناء الامبراطورية الكونية دون منافس او منازع ، لما يمتلكه هذا البلد من ثروات هائلة وموقع استراتيجي من الناحيتين العسكرية والسياسية. فان تم ذلك يصبح بالامكان اقامة مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي يشكل سدا منيعا في وجه البلدان الواعدة كالصين والهند وربما روسيا، وقوة اقتصادية بوجه اوربا الموحدة.

المعنيون بشؤون التحولات التاريخية الكبرى، ربطوا بين احتلال العراق واحتلال افغانستان التي تؤمن لامريكا السيطرة على كل احتياطات النفط والغاز في بحر قزوين ، خصوصا عقب سقوط الاتحاد السوفياتي وانفراط عقده إلى دول مستقلة بما في ذلك الدول المشاطئة لبحر قزوين التي كانت تخضع قبل ذلك الحين لسيطرة النظام السوفيتي. وبهذا الصدد اكد مدير معهد دراسات الأمن القومي الأميركي انذاك وليام أودوم ، بـ "ان منطقة بحر قزوين هي الاخرى منطقة إستراتيجية بالنسبة للمشروع الامبراطوري كونها تشكل امتدادا طبيعيا وتلقائيا لمنطقة الخليج العربي بوصف الأخيرة منطقة النفوذ الإستراتيجية الثالثة التي أقامت عليها الولايات المتحدة ما يعرف بسياسة الاحتواء عقب الحرب العالمية الثانية". ويضيف أودوم ،وهو جنرال متقاعد، قائلا "مع أن زوال الاتحاد السوفياتي يفترض منطقيا التخلي عن هذه السياسة إلا أن ذلك يقتضي من الناحية العملية الإبقاء عليها من أجل تحقيق مصالح الولايات المتحدة في تلك المنطقة". فاذا انضم نفط العراق ودول الخليج الى قوة امريكا العسكرية، فان امريكا ستحقق متطلبات بناء الامبراطورية، وهما قوة المال وقوة السلاح.

ترى هل تمكن بوش من تحقيق ما كان يصبو اليه؟ !!!!

فيما يخص العراق، لم يستطع بوش السيطرة عليه، لا بحاكم عسكري ولا مدني ولا من خلال مجلس حكم او حكومات الاحتلال الاربعة. اما عمليته السياسية فقد دخلت الموت السريري رغم كل المحاولات لاحيائها ومنها مشاريع ما يسمى بالمصالحة الوطنية، كما عجزت قوات بوش المحتلة عن انهاء المقاومة عسكريا او الالتفاف عليها سياسيا ، وقد شهد على ذلك اهل البيت الذين يعرفون البير وغطاه، فمعاهد الدراسات الاستراتيجية الامريكية ،العسكرية والسياسية والاقتصادية ، والخبراء المتخصصون بشؤون امريكا من عسكريين وسياسيين انتهوا الى نتيجة مفادها "ان العامل الفاعل الرئيسي في أحداث هذا الصراع هو تحديداً، اشتعال المقاومة العراقية، وإيقاعها الخسائر في صفوف الأمريكيين ورفعها التكلفة الاقتصادية للاحتلال، وعدم تمكين الأمريكيين من الاستقرار في العراق وتحقيق أهدافهم من احتلاله".

بالطبع هناك تفصيلات كثيرة حول هذا الموضوع، ناخذ منها بعض النماذج.احدى الدراسات الصادرة عن البنتاغون، وصفت ارقام القتلى وحالات الانتحار بين الجنود الامريكيين بالمرعبة والاخرى عزتها الى نجاح المقاومة العراقية وتمكنها من االوقوف بوجه قوات الاحتلال رغم التفاوت الكبير في مستويات التسلح، وثالثة ذكرت بان المقاومة تمكنت من اختراق التحصينات الأمريكية المحكمة وتنفيذ عملياتها المسلحة ضد الجنود الأمريكيين، والاهم من ذلك فقد ختمت احدى الدراسات بحثها بالقول: "والمفارقة العجيبة في هذا الصدد أنه في الوقت الذي يتناقص فيه عدد القوات الأمريكية العاملة في العراق، بسبب حالة الرعب والفزع في صفوفهم، تزداد أعداد المقاومين العراقيين، الذين يؤازرهم العراقيون ويقدمون لها الدعم والاسناد وجمع المعلومات وتأمين الاتصالات والنقل والسلاح والمال والمساكن الامنة".

اما التكلفة الاقتصادية فقد تعدت الترليون دولار، وحسب تصريحات للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون فقد ذكر "تذهب الحكومة الأمريكية كل يوم من أيام السنة إلى السوق لتقترض مالا من دول أخرى لتمويل الحرب في العراق، وأن هذا لم يحدث من قبل أبدا في تاريخ أمريكا الحديث.في حين ذكرت صحيفة "نيوستا تسمان" الأمريكية أن عددا من الخبراء الاقتصاديين أعدوا دراسات أكدت "أن تكلفة الحرب على العراق تبلغ 2.5 تريليون دولار،. اما الخبيرة الاقتصادية "ليندا بيلمز" فقد قالت في دراستها أن تكاليف تبعات الحرب المتمثلة في البطالة والعنف الأسري والجريمة وإدمان المخدرات والكحوليات تضاف إلي تكلفة تلك الحرب التي بلغت 2.5 تريليون دولار، بالإضافة إلي تكلفة تزويد الجيش بالمعدات العسكرية حيث تنتشر 40 % من معدات الجيش الأمريكي علي أرض العراق. وكل هذا يعني أن بقاء أمريكا في العراق، سيكون أمراً في غاية الصعوبة،بسبب تزايد الثقة بالمقاومة العراقية ، في مقابل فقد الثقة في الاحتلال ومن يدعمه في الداخل والخارج".

ترى اين اصبحت هذه الاهداف وفي اي ركن من الرفوف العالية وضع ملف تلك الاحلام بعد ست سنوات من الاحتلال؟

ما يخص مشروع الشرق الاوسط الكبير فقد تحول الى مشروع شرق اوسط جديد ثم صغير ثم ركن فوق الرفوف العالية، في حين تمزق التحالف العسكري في العراق بعد هروب دوله الواحدة تلو الاخرى بعد ان شاهدوا السفينة وهي تغرق. اما وضعها في امريكا اللاتينية فحدث ولا حرج، فالقادة الوطنيون والمعادون لامريكا عادوا الى السلطة في اكثر من بلد عبر انتخابات نزيهة وقزموا نفوذها في هذه القارة، وكانت الطامة الكبرى انهيار اقتصادها المتين جراء الازمة المالية الراهنة.

لقد كاد هذا الحلم الامريكي ان يتحقق لولا المقاومة العراقية التي كانت السبب الاول والاخير في هزائم امريكا وانهيار اقتصادها العملاق، الذي كان اقوى اقتصاد في العالم، وكلنا يذكر كيف استسلمت دول العالم لمشيئة امريكا وارادتها بعد اعلان بوش انتهاء الحرب في العراق، وراحت تستجدي رضاه لتكون في مأمن من شروره، خصوصا وانه اخذ يستعد لاختيار الهدف التالي من المسجلين على قائمته،في حين بدأت امريكا تتصرف على انها القوة الوحيدة المؤهلة لقيادة العالم ، ووضعت نفسها الخصم والحكم وعاقبت كل من يخرج على ارادتها ، واستخفت بحلفائها واستهانت بالامم المتحدة ومجلس الامن واعطت لنفسها الحق في شن الحرب على من تشاء من دول العالم .

انها المقاومة العراقية وليس غيرها من كبد امريكا كل هذه الخسائر الجسيمة. ولكن هذا ليس كل شيء، فاذا ما انتصرت المقاومة ، وستنتصر حتما، فان امريكا ستنكفأ الى داخلها ويصبح شانها شان اي دولة كبرى، وربما اقل شانا، او تنهار كما انهار الاتحاد السوفياتي حسب توقع الكثير من الخبراء ذوي الصلة في مختلف انحاء العالم.

هذه الحقائق الدامغة التي تحدثنا عنها ينبغي ان لا يساء فهمها بان كاتب هذه السطور قد انتضم في جوقة كتاب الغفلة الذين يتحدثون دون علم او تقربا من هذا الحزب او ذاك ، بان امريكا ستعلن استسلامها وتهرب من العراق في هذا الشهر او هذه السنة،وانما اردنا منها المساهمة في تعزيز الارادة المقاتلة لمواصلة المعركة حتى نهايتها، فامريكا ستبقى حريصة على تجنب الهزيمة وانها ستقاتل بقوة وشراسة ليس فقط على الجانب العسكري وانما على الجانب السياسي ايضا، ودعك من باراك اوباما ووعوده بالانسحاب من العراق، فالرجل امريكي الاصل وصهيوني الهوى وانه في المحصلة النهائية ليس ضد مشروع احتلال العراق وبناء امبراطورية امريكية كونية، وانما كان ضد بوش لكونه فشل في ادارة هذا المشروع.

اذن ينبغي على المقاومة العراقية ان تعيد حساباتها وتراجع سياساتها بما يخدم المرحلة الجديدة من الصراع مع المحتل الامريكي بقيادة اوباما وفق استراتيجية جديدة وادوات جديدة ايضا.وقد بدت بوادر هذا التوجه بتفعيل دور عرب امريكا في هذا الصراع بكل ما لديهم من امكانات، وتفعيل التعاون مع ايران وتشكيل حلف دولي لدعم حكومة الاحتلال. كل ذلك يقتضي ترسيخ القناعة بين المقاتلين والعراقيين عموما، بان المعركة مع امريكا ستكون معركة طويلة الامد والتخلي ، بالمقابل ، عن اشاعة الوهم بين الناس من ان الانتصار اصبح قاب قوسين او ادنى. نحن نواجه محتل اسمه امريكا ودول كبرى واحلاف تساندها وتدعمها بكل قوة وتسعى لانقاذ مشروعها الاحتلالي من السقوط، وقناعتي بان توحيد فصائل المقاومة هو الطريق الصحيح الذي يوفر ارضية صالحة لادارة المعركة وتحقيق الانتصار النهائي.

انها معركة حامية الوطيس وعلى جبهات متعددة، عسكرية وسياسية واعلامية، وعلينا ان نتقن العمل الذي بدأناه وفق الحديث الشريف لنبينا الكريم محمد "صلعم" اذا عملتم عملا صالحا فاتقنوه"،فهل هناك من عمل اكثر اتقانا من توحيد فصائل المقاومة العراقية وجعلها كالبيان المرصوص؟


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026