بدى بوش خلال الايام الماضية مسعورا تجاه مطالبيه بالانسحاب من العراق ، وصعد من لهجته وزاد من تاكيداته على مواصلة الاحتلال ، وفي احد ردوده قال: " ان اؤلئك الذين يريدون الانسحاب من العراق مخطئون " و" ان الذهاب قبل انجاز مهمتنا سيؤدي الى قيام دولة ارهابية في قلب الشرق الاوسط ، دولة تمتلك احتياطيا ضخما من النفط وتريد الشبكات الارهابية استعماله لالحاق الاذى اقتصاديا بالذين يؤمنون بالديمقراطية بيننا ، وان اي انسحاب سيكون هزيمة للولايات المتحدة في معركتها الرئيسية في الحرب الشاملة على الارهاب ". وهذا التصريح الذي سبقته عدة تصريحات مشابهة وعلى طول فترة الاحتلال ، ينفي الادعاءات التي تم الترويج لها عن وجود استراتيجية للخروج ، او خطة لجدولة الانسحاب ، او الانسحاب بعد تحقيق المهمة ، علما بان احدا لايدري ماهي هذه المهمة ومتى تتحقق.
حين يواصل بوش اصراره على هذا الموقف ، ويسعى الى تثبيته بكل الوسائل ، فانه يعطي بذلك درسا بليغا للحالمين بتحرير العراق عبر المقاومة السلمية ، او عبر الحوار والمبادرات ، او قبول المصالحات مع احزاب الاحتلال ، او الدخول في العملية السياسية. وموقف بوش هذا ليس جديدا ولا يعبر عن رايه وحده ، وانما يعبر عن حقيقة موقف الادارة الامريكية بصقورها وحمائمها. فالجميع هناك يعتبرون الانسحاب من العراق ، ليس هزيمة للولايات المتحدة في معركتها الرئيسية ضد الارهاب وحسب ، وانما هزيمة للمشروع الامريكي لفرض السيطرة على العالم وبناء الامبراطورية التي ينتهي التاريخ عند ابوابها.
واذا كان ذلك صحيحا وهو صحيح قطعا ، ترى مالذي ينتظره الحالمون من القوى الوطنية العراقية التي تتخذ صفة قوى مناهضة للاحتلال ، لكي تستفيق من حلمها ومن اوهامها تلك ، وتقر وتعترف بان تحرير العراق الذي احتل بالقوة لا يتحرر الا بالمقاومة ؟. ثم الى متى تستمر هذه القوى بانتهاج سياسة المساومات المذلة ، او التورط في قبول مبادرات الاحتلال ، او البحث عن صيغ سياسية متدنية ، او اطلاق مبادرات اقل ما يقال عنها انها تصب في خدمة الاحتلال ولا تصب في خدمة المقاومة كما يدعون؟ ثم اما آن الاوان لان تعود هذه القوى الى معسكر المقاومة وتدير ظهرها بالثلاثة لمعسكر الاحتلال واعوانه بعد ان تبين لها الخيط الابيض من الخيط الاسود ؟
دعونا من البديهيات التي ترددها هذه القوى لتبرير مواقفها المتخاذلة ، من قبيل ان الشعوب لا تتحرر بالمقاومة المسلحة وحدها ، وان المقاومة السلمية هي الوجه الاخر للمقاومة المسلحة ، او ان المقاومة السلمية لا تلحق ضررا بالمقاومة المسلحة او تعطل مسيرتها اوتقدمها. وان الدخول في مفاوضات مع المحتل او القبول ببعض مبادراته ، يدخل في صميم العمل السياسي ، الى ان يضرب هؤلاء الامثال للناس عن شعوب تحررت بالمقاومة السلمية ، ويستشهدون بتجربة بلد هنا وبلد هناك . ان مثل هذه الادعاءات تثير فينا الاستهجان والسخرية ، لانها ببساطة شديدة تشبه من يقول ان الارض كروية ، لكن هذه القوى تتهرب مع سبق الاصرار والترصد وليس بسبب النسيان ، من الحديث عن المرتكزات او الثوابت التي تستند اليها المقاومة السلمية ، ومن اهمها مقاطعة الاحتلال وتحريم التعاون معه ، ورفض كل الصيغ السياسية والاقتصادية والتشريعية التي تنتج عنه ، والتظاهر ضده والقيام بالاضرابات والاعتصامات وصولا الى العصيان المدني. اما الدخول في مفاوضات مع المحتل فانها ستكون عديمة الجدوى وتقدم خدمة للاحتلال اذا لم تتوفر شروطها ، واولها امتلاك وسائل القوة واختيار الوقت المناسب ، والذي يصل فيه المحتل الى الدرجة التي لا يستطيع معها تحمل اعباء الاحتلال ويستعد للرحيل دون قيد او شرط ، لان المفاوضات تحكمها موازين القوى ، فالطرف القوي يحصل على ما يريد والطرف الضعيف يتنازل دون مقابل يستحق الذكر.
ولكن دعونا مرة اخرى نكون اكثر تحديدا ونسمي الاشياء باسمائها ، ونضرب نحن هذه المرة مثلا واحدا للناس ، ونتحدث عن هذه القوى وعن ما جنته من سياسة المساومات التي دخلتها ، والاضرار التي نتجت عنها.خاصة وان الحديث عن المصالحة الوطنية يملا صفحات الجرائد والاخبار ، وتعقد من اجل ذلك الندوات والمؤتمرات ، وتتحرك الدول الحليفة لامريكا باتجاه دعم مشروع المصالحة اكراما للاحتلال ومساعدته على الخروج من مازقه الخانق. والمثل هو مؤتمر الوفاق الوطني الذي عقد في القاهرة في شهر تشرين الثاني << نوفمبر>> من العام الماضي. فلقد حضرت هذا المؤتمر قوى وطنية وقومية ودينية ، اهمها تلك القوى المنضوية تحت خيمة المؤتمر التاسيسي ، وابرزها هيئة علماء المسلمين ، وجماعة الخالصي وبعض اطراف التيار القومي ، كماحضر من خارجه التيار الصدري ، ويعد هذا الحضور بحد ذاته خطا فادحا بالنسبة لهذه القوى ، لانها مدت يدها وصافحت الايدي التي تلطخت بدماء شعبنا ، وساهمت باحتلال العراق وتدميره. وهي ثانيا قد قدمت اعترافا بالاحتلال كامر واقع وبالحكومة التي عينها ، والمصيبة ان هذه القوى ، لم تحقق مقابل هذه التنازلات اوتلك التي تلتها لاحقا ، اي مكسب يفيد المقاومة كما ادعت ، او يفيد حتى مصالحها الفئوية الضيقة. فلقد اثبتت هذه القوى بانها غير جديرة بالموقع الذي منحته لها قطاعات واسعة من الشعب العراقي ، فقد تراجع الحاضرون في مؤتمر القاهرة باسم القوى المناهضة للاحتلال امام الطرف الاخر وسلموا كليا بطروحاته بما فيها الاكثر حساسية ، اذ جرى الاتفاق على انهاء المقاومة من خلال دمغها بصفة الارهاب ، كشرط مسبق لانسحاب القوات الامريكية من دون تحديد سقف زمني لهذا الانسحاب ، وخرجوا من المؤتر مهزومين بامتياز لينتهي حال البعض منهم كـ التيار الصدري في احضان الحكومة العميلة ، وبالتالي في احضان الاحتلال ، والبعض الاخر ظل ينتظر وعيونه مفتوحة على حضور مؤتمر جديد ، هو مؤتمر المصالحة الوطنية الذي يعمل المالكي على انجاحه نيابة عن المحتل.
ما الذي يدعونا لان نسيء الظن ونذهب بعيدا ونخرج باستنتاج كهذا ، وهيئة علماء المسلمين وهي الطرف المسموع بالنسبة لبقية القوى المعنية ، قد طرحت اربعة شروط تعتبرها تعجزية لقبول مشروع المصالحة ؟ الا يوحي ذلك بان الهيئة وحلفاؤها قد قررت عدم الدخول في هذا المشروع ، وارادت التملص من التزامتها المسبقة بطرح مثل هذه الشروط ؟ ثم الم تعبر الهيئة في السر والعلن عن امتعاضها من تنصل اصحاب مشروع المصالحة الحالي من الوفاء بما تم الاتفاق عليه في مؤتمر "الوفاق الوطني" حول مطالبها المتواضعة ؟ ثم اذا كانت الهيئة وحلفاؤها قد لدغوا مرة ، فهل من المعقول ان يلدغوا من ذات الجحرمرة اخرى؟
لا يعيبنا ان نعترف بان اسئلة كهذه تعتبر ذات قيمة وفائدة وتدعو الى التامل ، بل ونكون سعداء جدا اذا اخطانا في هذا الصدد ، لكن حين يتعرض الوطن الى الخطر فان المسؤولية تصبح جماعية ، ومن جهتنا لانملك سوى الكلمة التي نحمي بها وطننا واهلنا ، ومن حقنا والحالة هذه ان نبدي تخوفنا وخشيتنا من وقوع المحظور ، لما ينطوي عليه من اضرار بالغة ويساهم في رفد محاولات الاحتلال للخروج من مازقه ، فلهذه القوى تاثير في صفوف قطاعات واسعة من الشعب العراقي ، وخروجها من دائرة الفعل المقاوم سيترك اثار سلبية على عملية تحرير العراق. واذا اردنا الصراحة والوضوح اكثر ، فان مجرد طرح هذه الشروط ، دون الاعلان الصريح عن رفض المبادرة ، يعد اعترافا بالحكومة قد يضفي عليها شيئا من صفة الوطنية . كما انها تمثل من جهة اخرى نوعا من الحوار ، يسهل عملية تطبيع العلاقات مع المحتل ، شبيه ببدايات التطبيع التي قام بها الحكام العرب مع الكيان الصهيوني ، لان من اهم مبادئ الحوار هو وقف الحملات الاعلامية العدائية بين الطرفين ، في حين ان هذه القوى وغيرها مطالبة بشن حملة واسعة لفضح الاحتلال وعملائه واعتبار هذه الحكومة هدفا مشروعا للمقاومة كونها اداة من ادوات الاحتلال.
صحيح ان هيئة علماء المسلمين التي تتحدث عادة باسم تلك القوى ، قد قدمت اربعة شروط لنوري المالكي لقبول المصالحة ، وهي ايقاف العمل بالدستور الحالي وحل الميليشيات والاعتراف بالمقاومة وجدولة انسحاب قوات الاحتلال من العراق ، لكن الصحيح ايضا ، وهنا يكمن مصدر مخاوفنا وخشيتنا ، ان الهيئة وبقية القوى الاخرى المعنية ، قد قدمت شروطا مشابهة قبل دخولها الى مؤتمر "الوفاق الوطني" السيء الذكر ثم جرى التنازل عنها لاحقا. ونحن اذ لا نتمنى لهذه القوى ان تقع في هذا المستنقع وان تلدغ من الجحر نفسه مرتين ، نجد ان لا خيار امامنا سوى ان نعيد الى الاذهان ، بان الادارة الامريكية لم تقدم على اطلاق مبادرة "المصالحة الوطنية" بلسان المالكي ، الا بعد ان بلغ بها العجز حدا يصعب جرائه مواصلة احتلالها للعراق عبر الوسائل العسكرية ، ومن غير المستبعد ان تقدم تلك الادارة بعض التنازلات ، او حتى القبول ببعض الشروط مثل تعديل الدستور او حل المليشيات المسلحة ، او حتى القبول بجدولة الانسحاب اذا ما جرى ربطه بالقضاء على "الارهاب" اي المقاومة العراقية ، مقابل جر هذه القوى نحو مشروع المصالحة مادام نجاح هذا المشروع يؤمن لها ، حسب اعتقادها ، خروج امريكا من مازقها ، وحين تتمكن من ذلك سينتهي دور هذه القوى وتقضي نحبها ، بعد ان تكون قد خسرت كل ما لديها من رصيد شعبي خاصة اذا ماتكررت المهزله وتنصل المحتل واعوانه كعادتهم من تلك الالتزامات او جري الالتفاف عليها. ونحن اذ نطيل في هذا الجانب ، نعلم تماما باننا لم نكشف اسرار عصية وانما نريد ان نذكر بها عسى ان تنفع الذكرى
ولكن ليس هذا كل شيء فمن واجبنا ايضا ان نذكر هذه القوى الوطنية ، بان الوقوع في هذا الفخ لا يمكن تفسيره هذه المرة بانه فعل يقع في دائرة الخطا او يعد سذاجة سياسية ، وانما سيؤكد شكوكنا بان الولوج في هذا الطريق مصدره تاثير بعض الدول العربية وعلى وجه الخصوص الدول الخليجية ، التي تدفع باتجاه مشاركة هذه القوى في العملية السياسية ، ظنا منها بانها ستخلق نوعا من التوازن في الحكومة والبرلمان يمنع الاحزاب الشيعية من تقديم العراق او جنوبه على الاقل هدية لايران ، الامر الذي سيمهد الطريق لان يمتد خطر ايران الى عروشها ، خاصة وان لديها هي الاخرى احزاب موالية لايران نشيطة وفعالة ، ناهيك عن انها اي هذه الدول ستفوز برضى امريكا عنها جراء تقديم خدمة كهذه. ولا يفوتنا ايضا ان نذكر بان الهيئة وحلفاءها لها مصالح على ما يبدو من الدخول في تلك العملية السياسية التي شارفت على النهاية.
انتم في الهيئة وحلفائكم ، اطراف وطنية ، ولا يليق بكم ان تقيموا حوارا او اتصالا بالمحتل واعوانه ، او تتوسمون خيرا بالجامعة العربية او الامم المتحدة ، فهذه المنظمات هي التي شاركت بذبحنا وتدمير بلادنا واغتصاب نسائنا ، او تتوقعون من حاكم عربي او شيخ او امير ان يقدم لنا خيرا فهولاء اوباش اكثر ظلما من الاجنبي ، ما يليق بكم ان يكون حواركم مع المقاتلين الذين يدمون قوات الاحتلال على مدار الساعة ، لتقدموا لهم الدعم والاسناد ولتكونوا مع القوى الاخرى في جبهة سياسية واسعة تضمنا جميعا ، تستحق ان تكون الوجه السياسي للمقاومة المسلحة. شعبنا الجريح الصامد يتطلع الى اي جهد يصب في خدمة المقاومة المسلحة ، فهي الامل وهي الرجاء لتحرير العراق ، واذا كنا قد اسانا الظن بكم ، فهل لكم ان تصححوا نظرتنا وتبددوا مخاوفنا وتحسموا امركم ، بالالتحاق بمعسكر المقاومة مثلما حسم بوش امره؟
افعلوها بالله عليكم واعلنوا قراركم على الملآ ولا تخشوا في الحق لومة لائم.
|