واضح ان باراك اوباما قد حسم امره بسحب قواته المحتلة من المدن والبلدات العراقية، حتى قبل الموعد المحدد لها في 30 حزيران/يونيو من الشهر القادم.فمنذ عدة ايام تسلمت حكومة الاحتلال مواقع عسكرية في مدن عدة من ضمنها مواقع في العاصمة العراقية بغداد،هذا الحدث تناوله العديد من الكتاب واثار جدلا واسعا في صفوف الناس فيما اذا كان الامر حقيقة ام كذبة جديدة،وكل فريق ادلى بدلوه بهذا الخصوص.لقد اخترنا في هذه المقالة الوقوف على الدوافع والاهداف الخفية لهذا القرار خصوصا وانه اخذ حيز التنفيذ.
حسب اعتقادنا، فان اقدام اوباما على هذه الخطوة جاء جراء قناعته بفشل استراتيجيات سلفه بوش لانهاء المقاومة العراقية الباسلة،والتي اعتمدت على الهجوم الدموي ضد المقاومة ومعاقلها واستخدام الاسلحة الفتاكة بما فيها الاسلحة المحرمة دوليا، فكان لابد من اللجوء الى استراتيجية جديدة تحقق الهدف الذي عجز بوش عن تحقيقه، وان كان طابعها يدل على التراجع، فالعبرة دائما تكمن في النتائج.ومما عزز قناعة اوباما بهذا التوجه عودة المقاومة بقوة الى سابق عهدها وتصاعد عملياتها المسلحة بطريقة ملفتة للانتباه،بعد ان ساد الاعتقاد بانها انتهت بسبب تراجعها الملحوظ خلال العام الماضي.
كان من المفترض تفسير قرار اوباما واركان حربه على هذا الاساس والتفكير الجدي في التصدي له،وليس كما لاحظنا، حيث جرى تفسيره من قبل بعض اطراف القوى المناهضة للاحتلال على انه هزيمة او مقدمة لها، وهذا يدل على قصور في فهم الانسحاب كمصطلح عسكري وليس بالمفهوم الدارج لبسطاء الناس،من ان الانسحاب يرتبط عادة بالهزيمة. ناهيك عن حالة الاحباط التي ستنعكس على نفوس العراقيين،الذين يشكلون العمود الفقري للمقاومة، جراء هذا التفسير، حين يتبين لهم بان ما قيل بعيدا عن الحقيقة والواقع.
ثم ان ماحدث ليس انسحابا،وانما يدخل في باب اعادة تنظيم وتموضع القوات المحتلة في القواعد العسكرية المنتشرة في طول البلاد وعرضها،يضاف الى ذلك فان قائد قوات الاحتلال في العراق قال، بان "هذا التحول ليس ثابتا او نهائيا اذ يمكن لهذه القوات العودة الى مواقعها السابقة اذا تطلب الامر ذلك"، اما قائد القوات البرية الأمريكية الجنرال جورج كيسي، فقد اكد قبل ايام وعلى وجه التحديد في 28/5 لجريدة الخليج "بان الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة القتال في العراق لمدة عشر سنوات أخرى، رغم أنها التزمت بالانسحاب من الأراضي العراقية بنهايةعام2011" ثم هل سمعتم عن محتل ترك غنيمته طواعية؟
وما دمنا نتحدث عن امريكا، فهل يدلنا تاريخها الاستعماري على انها انسحبت طواعية من اي بلد لديها فيه قواعد عسكرية او جراء مطالب او ضغوط؟،واذا كانت امريكا تنوي الانسحاب فعلا من العراق او فكرت به او بعد انتهاء المهمة كما يقول بوش واوباما من بعده، ترى بماذا نفسر اقامة قواعد عسكرية دائمة وتزويدها بكافة التجهيزات اللازمة؟, الم تخبرنا الاحصائيات المتداولة بين الناس،عن ان قوات الاحتلال في العراق قد انتهت في يناير/كانون الثاني 2004 من بناء سبع قواعد عسكرية دائمة على الأقل ونظام اتصالات له علاقة بوجود عسكري دائم؟ثم هل توقف الامر عند هذا الحد؟ لقد وصل عدد القواعد حتى منتصف عام 2008 الى اكثر من خمسين قاعدة عسكرية،واذا اخذنا بنظر الاعتبار متوسط تكاليف بناء القاعدة الواحدة 200 مليون دولار،سنجد مدى اصرار امريكا على البقاء في العراق عقود طويلة من السنين وربما مئة عام كما قال جون ماكين مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة ضد اوباما.
يقول اوباما حول موضوع الانسحاب "لذلك وللظروف المعقدة التي رافقت هذه الحالة فليس من المعقول أن تتخلى الإدارة الأمريكية الجديدة عن إلتزامات الإدارة الأمريكية القديمة بهذه السرعة وفي مكان مثل العراق".هذه الالتزامات التي لا يريد اوباما التخلي عنها قد نجد نموذجا صارخا عنها في اتفاقيات العار التي عقدها بوش مع عميله المالكي والتي جعلت من العراق مستعمرة امريكية بامتياز، وبهذه المناسبة فان اوباما بعد فوزه بالرئاسة اوصى بوش بالقول "عليك ان لا تتنازل عن اي بند من بنود الاتفاقية وانت لم تزل على راس الولايات المتحدة الامريكية".ناهيك عن ان اوباما وهو يتحدث عن الانسحاب من العراق سواء في حملته الانتخابية او كرئيس او في الوقت الراهن، لم يتطرق ابدا عن مصير القواعد العسكرية ولا حتى عن الشركات الامنية التي تعد جيشا يعادل جيش الاحتلال.
اذا كان ذلك صحيحا، ترى ما هي الاهداف العسكرية والسياسية التي تقف وراء هذه الخطوة التي يصح تسميتها بنقلة نوعية في ادارة الصراع مع المقاومة العراقية الباسلة؟
على الجانب العسكري ،فان هذا التحول سيحقق ،غير تجنب الخسائر المادية والبشرية،البقاء داخل العراق لسنين طويلة،حيث التموضع في القواعد العسكرية يؤمن لقوات الاحتلال الدفاع عنها لما تتمتع به من تحصينات متنوعة ومخزون هائل من الاسلحة ذات القدرات التدميرية وطائرات حربية متطورة، تفوق جميع ما لدى قواعد الولايات المتحدة الامريكية المنشرة في كل ارجاء العالم.وهذا يعيد للاذهان ما فعلته القوات البريطانية التي احتلت العراق عام 1917 بالتمام والكمال، فبعد ثورة العشرين المجيدة والضغوط الشعبية وفعاليات القوى والاحزاب الوطنية المطالبة بالاستقلال التام ،قامت بريطانيا بنفس الخطوة وتموضعت قواتها في قاعدتين عسكرتين،احداهما في الشعيبة جنوب العراق والاخرى في الحبانية بالقرب من بغداد، وتمكنت من خلالهما البقاء في العراق حوالي 40 عاما.والاكثر من ذلك ان المحتل البريطاني انذاك لم يستند الى حكومة عميلة كحكومة المالكي ولا مليشيات مسلحة مثل مليشياتها ولا ربطت مصيرها بالكامل مع مصير المحتل البريطاني،واذا غابت المقاومة المسلحة في ذاك العهد، فان المقاومة الان ،على الرغم من طول قامتها وبسالتها واستعدادها لتقديم جسام التضحيات، فانها لم تصل بعد الى امكانية مواجهة المحتل في قواعده العسكرية واجباره على تركها، كونها لم تزل موزعة على احزاب وقوى او حتى على جبهات.
لكن هذا ليس كل شيء في هذا الجانب،فما حدث لا يعني بان قوات الاحتلال تخلت عن قتال المقاومة او تركت الحبل على الغارب، وانما ستكون الظهير الصلد لقوات الحكومة التي سيزجها المحتل لمواجهة المقاومة العراقية،وهذا من شانه، اذا لم يجر الانتباه اليه، تحويل وجهة الصراع من صراع بين المقاومة وقوات الاحتلال الى صراع بين المقاومة وقوات الحكومة،واقتصار دور القوات الامريكية على تقديم الدعم العسكري واللوجيستي لها والمشاركة معها في بعض المعارك اذا تطلب الامر ذلك. وهذا ما يفسر الجهود المضنية التي يبذلها اوباما لبناء دولة مركزية قوية وجيش وشرطة واجهزة امنية قادرة على ملء الفراغ في جميع المدن والبلدات العراقية التي تنسحب القوات الامريكية منها.
اما في الجانب السياسي فان الوضع سيكون اكثر خطورة وقد يفوق الخطر العسكري، حيث سيخلق ،هذا التوجه، متاعب جدية للمقاومة العراقية وقد يحدث شرخا في صفوفها من الصعب تفاديه هذه المرة. فلقد اشاع الاعلام الامريكي وبالتعاون مع اتباعه ومريديه من دول واحزاب وقوى لها مصلحة في انقاذ مشروع الاحتلال من السقوط، بان قرار اوباما بالانسحاب من العراق قرارا جديا وهو يسعى الى غلق ملف الاحتلال وترك العراق لاهله. وهذا يستوجب ،حسب الاعلام الامريكي،التخلي عن المقاومة والاستعداد لادارة البلاد مع القوى الاخرى داخل العملية السياسية واقامة العلاقات مع امريكا وفق المعاهدة الامنية التي تخدم مصالح الشعبين العراقي والامريكي. ولا يخفى الهدف من هذه الحملة الاعلامية، وهو تشجيع العراقيين لتأييد أي دعوة من قبل بعض القوى المحسوبة على معسكر المقاومة للمشاركة في العملية السياسية، ناهيك عن ان هذه القوى هي اصلا تنتظر مثل هذه الفرصة ، مثلما فعلت حين اشتركت مع احزاب الحكومة في مؤتمر القاهرة في نهايات عام 2005 تحت شعار الوفاق الوطني.
هذا ليس استنتاجا فحسب وانما نشهد حدوثه هذه الايام، فبعض القوى دعت إلى تشكيل حكومة انتقالية تنبثق عن مؤتمر لجميع القوى بما في ذلك المنضوية منها في العملية السياسية الأميركية واخرى اخذت تمهد الطريق للسير بهذا الاتجاه،وثالثة عرضت مساومات مذلة على اوباما ورابعة بعثت برسائل الى حلفاء امريكا وخصوصا من حكام الردة العرب لتنال حصة في الحكومة والبرلمان،والا ما معنى ان يتصدر كتاب محسوبون على هذه القوى بالدفاع عن هذه الانظمة العميلة لامريكا والتي شاركت بذبح العراق بما فيها امارة الكويت واعتبارها دول شقيقة والمطالبة بحمايتها من اي مكروه؟!!!!
ليس هذا فحسب، فاوباما اعد العدة لتطويق المقاومة من كل جهة، اذا لم يكتف بما تقدمه دول الجوار في هذا المجال،وانما يسعى الى تفعيل دورها في اسناد مشروع الاحتلال ومنعه من السقوط مقابل الاعتراف بنصيب كل منهم على حسب خدماته في هذا المجال، فعلى سبيل المثال لا الحصر، انهى اوباما كل خلافاته مع ايران وقدم لها مزيد من المكاسب التي حققتها في العراق والتي وصلت الى درجة محتل ثاني للعراق، اما حكام السعودية،فحصر دورها في دفع القوى المناهضة للاحتلال التي ترتبط بعلاقات معها الى قبول مشروع ما يسمى بالمصالحة الوطنية والاشتراك بالعملية السياسية سواء في الحكومة او البرلمان.
نحن اذن امام مرحلة خطيرة من مراحل معركة التحرير ينبغي التصدي لها بنقلة نوعية ايضا ،دون المساس بالثوابت التي تمسكت بها فصائل المقاومة طيلة سنين الاحتلال،اولها عدم تغيير اوليات المقاومة في تحديد العدو الاول المتمثل بقوات الاحتلال الامريكي، وانه لا مساومة مع المحتل او حكومته في ظل اصراره على البقاء في العراق ،سواء كانت قواته متموضعة في قواعد عسكرية او حتى في قاعدة واحدة.والاهم من ذلك بذل الجهود لتعبئة الشعب العراقي لان يرتقي في مجابهته للاحتلال من دور الداعم للمقاومة العراقية الى دور المشارك الفعال في عملية التحرير ، واعني على وجه التحديد مواجهة جبهة الحكومة التي ستقاتل من اجل ملء الفراغ في المدن والبلدات العراقية بجبهة وطنية شاملة، تماما كما تفعل المعارضة ضد الانظمة العميلة او الدكتاورية من اجل اسقاطها بكل الوسائل وفي المقدمة منها الكفاح المسلح،خصوصا وان هذا الفعل سيجد ظهيره في المقاومة العراقية مثلما ستكون قوات الاحتلال الظهير لقوات الحكومة، عندها فقط يمكن للمقاومة العراقية الحفاظ على اولويات المعركة وملاحقة قوات الاحتلال داخل قواعدها العسكرية. ومن ناقل القول فانه من دون وحدة فصائل المقاومة فان تحقيق الانتصار وتحرير العراق سيتحول الى امل بعيد المنال.
|