إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

حديث لا يخلو من الصراحة: المقاومة العراقية ما لها وما عليها بعد خمس سنين من الاحتلال

عوني القلمجي

نسخة للطباعة 2008-03-29

إقرأ ايضاً


للمقاومة العراقية مناقب كثيرة وفريدة من نوعها بين مقاومات الشعوب التي تعرضت للاحتلال قاطبة، فعلى الرغم من كل الظروف الذاتية والموضوعية الصعبة ومساوئ النظام العربي والاقليمي وسقوط التوازن في المعادلة الدولية ، فان المقاومة العراقية قد حققت خلال سنين الاحتلال الخمس انتصارات رائعة ضد امريكا وحطت من قوتها ونالت من مكانتها بين دول العالم وشعوبه. وكان ابرز هذه المناقب تمسك المقاومة بالارادة وحب الوطن واعتبرتهما اقوى من كل الظروف وامضى من اي سلاح مدمر. والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومشرفة.

ومع فرادة هذه التجربة، فالمقاومة العراقية لم تزل ترواح مكانها لجهة انجاز مهمات الانتصار والتحرير وابرزها توحيد فصائل المقاومة وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة واقامة الجبهة الوطنية الشاملة وفق برنامج سياسي يلبي طموحات كافة اطرافها، اذ لا يكفي ان يكون البديل عن انجاز هذه المهمات مجرد وحدة موقف فصائل المقاومة تجاه المحتل وايمانها بشعار التحرير والاعتماد على رابطة الدم بين المقاتلين. فكل ذلك رغم اهميته لن يصل بالمقاومة الى مرحلة تحرير البلاد. وكنا في السابق نغض الطرف عن الاسباب التي حالت دون تحقيق هذه المهمات واكتفينا بالمطالبة والمناشدة لتحقيقها على امل ان ترتقي فصائل المقاومة الى مسؤوليتها الوطنية وتتخلى عن النزعات الذاتية والتفكير بعقلية الماضي التي تستهين بالاخر وتغليب مصالحها على حساب مصلحة الوطن.

لا نقصد هنا المساس بقدسية المقاومة ولا بسلاحها او التقليل من اهمية دورها في مجابهة الاحتلال او الاستهانة بالتضحيات الجسام التي قدمتها ، وانما نقصد ممارسة حقنا كعراقيين ضد الاحتلال في النقد البناء بكل اشكاله بما فيه نقد السلاح ، خاصة وان الصراع بلغ اشده والمحتل واعوانه يعدون العدة لتجاوز مازقهم والانتقال مجددا الى موقع الهجوم الشامل. اضافة الى ظهور بوادر المساومة مع المحتل او حكومته من قبل بعض الاطراف الوطنية. وعلى هذا الاساس نرى من حقنا ان نتسائل: ترى لماذا جرى التراجع عن كل وعود فصائل المقاومة العراقية بانجاز تلك المهمات النبيلة وتحقيق شروط الانتصار؟ هل هناك فعلا اسباب حالت دون ذلك؟ ام ان هناك عقبات يصعب التغلب عليها فعلا وتتعلق بظروف الصراع وطبيعته الصعبة كما يدعي البعض ؟ ام ان الامر يعود الى اسباب اخرى لها صلة بنهج وتفكير فصائل المقاومة ذاتها؟

من دون اي لف ودوران، فان العلة تكمن في نهج وتفكير فصائل المقاومة ذاتها. وهذه حقيقة لا ينبغي التستر عليها خشية استغلالها من قبل معسكر الاحتلال او المتصيدين في الماء العكر ، وهذا التفكير والنهج لايزال،على ما يبدو، اسير عقلية التفرد والاقصاء والغطرسة. ولا يغير من هذه الحقيقة اشتراك عدد من فصائل المقاومة في جبهات عديدة كان ابرزها جبهة الجهاد والتحرير وجبهة الجهاد والتغيير وجبهة الجهاد والاصلاح. فهذه الجبهات التي استبشر بها العراقيون ، سرعان ما تخلت عن وعودها وتمترست خلف مرجعياتها ووضعت فيما بينها الحواجز بدل التمترس حول القاسم المشترك الاعظم الذي يجمعها والذي يتمثل تحديدا بتحرير العراق واعادة بنائه واقامة النظام الديمقراطي التعددي. ليتبين فيما بعد بان البيانات التي بشرت بالوحدة الشاملة ليست سوى يافطات سياسية كان الغرض منها كسب ثقة العراقيين واستثمارها في تحقيق مكاسبها الفئوية الضيقة.

واذا كان في هذا الراي تجنيا، ترى بماذا تفسر لنا هذه الجبهات او المنضوين تحت رايتها عجزها عن التقدم خطوة واحدة باتجاه الوحدة الشاملة؟ وما معنى هذا التسابق فيما بينها بتشكيل مؤسساتها الاعلامية والسياسية؟ ثم ما هذا التباهي في انضمام هذه الجهة او التجمع الى هذه الجبهة او تلك حتى اذا كان المنتمي مجهول الهوية او مشبوها؟ وما هذا التعالي واعتبار كل جبهة نفسها هي الافضل والاصلح والاقوى والاوسع انتشارا في صفوف العراقيين؟ الم يتصرف البعض منها وكأنه المرجع الاعلى وان تحرير العراق لن يتم من دونه وان على الجميع الانصياع لرغبته ومشيئته والا واجه النقد اللاذع والتخوين احيانا؟

يبدو اننا امام حالة لا تبشر بالخير، وان عقلية التفرد والاقصاء والغطرسة قد اطلت علينا بوجهها المقيت من جديد لتعيد الى الاذهان ذلك الموروث السيء الذي حكم العلاقة بين الاحزاب والقوى الوطنية على مدى عقود من الزمن، وهي ذاتها التي قادت البلاد والعباد الى الخراب والتدمير. واذا لم يجر التخلى عنها والعودة لمنطق العقل والوقائع والاسترشاد بتجارب الشعوب التي حققت الانتصار ضد المحتلين والغزاة ، فانها ستؤدي حتما الى تراجع المد الشعبي المؤيد للمقاومة وتتحول من مقاومة شعب ضد الاحتلال لنيل الاستقلال الى مجرد مجموعات مسلحة لا يتعدى دورها سوى استنزاف القوات المحتلة وارباكها ، أو في احسن الاحوال تظل عملياتها العسكرية محصورة في نطاق الحروب التكتيكية التي لن ترتق الى الحروب الاستراتيجية والتي من دونها لا يمكن طرد الاحتلال نهائيا. بل لا نستبعد ان تنتهي هذه المجموعات المسلحة في نهاية المطاف، بفعل اختلال التوازن العسكري المختل لصالح قوات الاحتلال وما تمتلكه من اسلحة ومعدات متطورة وتكنيك عالي ووسائل مواصلات ومعلومات واجهزة استخباراتية الامر الذي يؤهلها لتحمل حرب استنزاف لمدة طويلة.

وفي هذا الصدد فان اول هذه الحقائق تقول باننا امام قوة محتلة وهي امريكا التي لم يشهد التاريخ لها مثيلا من حيث العدة والعتاد تساندها الصهيونية العالمية ودول كبرى في العالم وتشاركها دول اقليمية ابرزها ايران العدو التقليدي للعراق وتدعمها بكل الوسائل حكومات الردة العربية وتحميها المنظمات الدولية وفي المقدمة منها الامم المتحدة،

وثانيها وعلى ضوء فهمنا لهذه القوة المحتلة الغاشمة، فانه ليس بمقدور اية جهة او فصيل او جبهة واحدة من هذه الجبهات تحرير العراق بمفردها وانما يتطلب ذلك وحدة جميع فصائل المقاومة العراقية وعلى وجه السرعة.

وثالثها ان المقاومة هي فعل شعبي بالأساس اي حركة شعب ضد الاحتلال من اجل نيل الاستقلال وان دور الفصائل المسلحة ياتي في المقدمة من هذه الحركة بشرط ان تحظى بدعم وتاييد شعبى متصاعد ومتواتر بمعدلات كبيرة والا تحولت هذه الفصائل المقاومة الى عصابات مسلحة

ورابعها ان المقاومة لا يقتصر دورها على العمل العسكري فحسب وانما يتطلب منها تعبئة عموم الشعب واستنهاض هممه لدحر الاحتلال وتصفية عملائه. بمعنى اخر فان عجز المقاومة عن تجييش الشعب العراقي سياسيا وجماهيريا ضمن اطار جبهة شاملة، سيؤدي على الاغلب الى فشلها في تحقيق شروط الانتصار والتحرير. ولنا في تجربة الجيش الجمهورى الايرلندى خير مثال على ذلك فهذا الجيش لم يسترجع قوته بعد الهزائم التي تعرض لها امام الجيش البريطاني المحتل الا بعد تشكيل جناحه السياسى والعمل وسط الشعب الايرلندي.

لا نجادل اطلاقا في مازق قوات الاحتلال في العراق ولا في حيرة الادارة الامريكية في ايجاد سبيل للخروج منه ولا في الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها بوش من قبل خصومه الديمقراطيين ، بوضع جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة من العراق ، ولا نجادل اخيرا بهزيمة قوات الاحتلال في نهاية المطاف طال الزمن او قصر ، وانما نجادل حول حقيقة هذا المازق ومخاطر تضخيمه في هذه المرحلة من الصراع والاستهانة بقدرات المحتل واستعداده للقتال لتجنب الهزيمة التي من شانها تحطيم مشروع الامبراطورية الكونية ، التي يسعى بوش ومن يخلفه لبناءها ليتسنى لها التحكم بالعالم وبمقدرات شعوبه. يضاف الى ذلك اصرار الصهيونية العالمية وكيانها في فلسطين المحتلة وكذلك المجمعات العسكرية والمالية في الولايات المتحدة والذين يتحكمون بقرار الادارة الامريكية على مواصلة احتلال العراق الى ملا نهاية.

وامام ذلك لا نجد امامنا من خيارسوى دعوة فصائل المقاومة فرادا او تلك التي تنضوي تحت جبهات معينة،الى التخلي عن هذا النهج القديم والارتقاء بالمسؤولية الوطنية عاليا والاستعداد الى تقديم التنازلات المتبادلة من اجل تحقيق تلك الاهداف النبيلة بدل التفكير في تقديم التنازلات للمحتلين واعوانهم من اجل تحقيق مكاسب فئوية ضيقة. فوحدة فصائل المقاومة تمكن من توفير مستلزمات النصر والتحرير وفي ظلها يمكن تحقيق قيادة عسكرية مشتركة تمهد لبناء جيش التحرير الشعبي القادر على الانتقال من المعارك المحدودة او معارك الاستنزاف الى المعارك ذات البعد الاستراتيجي. وعن طريقها تتحقق الجبهة الوطنية الشاملة ، التي من دونها لا يمكن تطوير دور الجماهير العراقية في تامين مستلزمات المقاومة المسلحة من مال وسلاح وابناء بررة، ومن خلالها تتمكن المقاومة من مد الجسور مع فئات الشعب المختلفة في المدن المركزية والمحافظات والبلدات ،. وتحت جناحها يتعزز العمل المشترك وتتمتن اواصر التعاون والتنسيق واشاعة روح التضحية من اجل العراق قبل التضحية من اجل المبادئ الخاصة.

ليس هناك ما يعيق انجاز وحدة فصائل المقاومة وبناء الجبهة الوطنية الشاملة اذا صدقت النوايا. فمثلما تمكن 22 فصيل من الانضواء تحت جبهة الجهاد والتحرير و10 فصائل اشتركت في جبهة الجهاد والاصلاح وعدد مقارب توحد في جبهة الجهاد والتغيير وسمعنا مؤخرا عن انبثاق جبهة جديدة تحت اسم جبهة الجهاد والخلاص الوطني ، فان بامكان قادة او ممثلي هذه الجبهات من توحيد نفسها في جبهة واحدة،الامر الذي سيشجع بقية الفصائل والقوى للانضمام الى الجبهة الموحدة الذي طال انتظارها خاصة وان شعار الجبهات وبقية الفصائل هو تحرير العراق واعادة استقلاله كاملا غير منقوص.

انها لحظة تاريخية لا ينبغي ان تفلت من ايدينا، والامساك بها والتوقف عند معانيها الكبيرة يعد الحجر الاساس في حماية الانتصارات التي حققتها المقاومة العراقية وتوفر لها قواعد الحماية والامان، فاذ كان تحقيق الانتصار فعلا في غاية الاهمية في حد ذاته، فان الحفاظ على هذه الانجازات العظيمة مهمة اصعب في ظل وجود محتل شرس وفي ظل تامر محلي وعربي واقليمي ودولي يحثون الخطى ويستخدمون كل الوسائل لانهاء هذه الانتصارات والانجازات بل ومحوها من وعي ووجدان الشعب العراقي الذي قدم التضحيات الجسام من اجل دحر الاحتلال وتحرير العراق من رجسه. وليس هناك من وسيلة افضل للحماية من وحدة فصائل المقاومة العراقية واقامة الجبهة الوطنية الشاملة.

ترى هل هناك ما يبرر تاخير امل العراقيين المنشود اذا تخلينا عن الذات لصالح العراق واهله؟


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026