إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

وليد الكبيسي : انجاز عراقي في زمن صعب

عوني القلمجي

نسخة للطباعة 2007-01-20

إقرأ ايضاً


كان حائرا بين الغربة وما يدرك معانيها من اخطار والبقاء متشبثا بالارض والاهل وقسمة الحرية والفكر وطموحاته فيها ضيزى. فشد الرحال الى المجهول عساه ان يجد فيه الامل وكا ن خيار صعبا ، فحط رحاله في سوريا عساها ان تنصفه ، ضنا منه ان كل ارض العرب اوطانه من تطوان الى بغدان. وفي رحلته لم يكن يملك ما يسد الرمق. واذا بالمشهد ذاته يعيد نفسه ، فكان خيارا اخر اصعب واشد. فالمقصود هذه المرة بلاد لا يعرف عنها شيء سوى في الكتب والخرائط. ، كل ما يعرفه عنها ان اسمها النرويج وهي بلد اسكندنافي ومتحضر وفيه ينصف المظلوم ويجد الملاذ الامن ولقمة العيش الكريمة . ووجدها كذلك فعلا لكن نفسه الابية عزت عليه ان يعيش فيها دون جهد ، ودون طموح وتحقيق الهدف الذي لم يعرفه سواه . فالشاب الباحث عن الامل وعمره انذاك 24 عاما ، رفض الاستكانة لما قسمت له الاقدار، فسائل نفسه : هل اقبل السكون والاعتماد على الغير وفي القبول مذلة رغم ان نظام الحياة يوفر له ما للنروجي العاطل عن العمل ؟ وهل أقتل ما في دواخلي من الامل بالمستقبل المشرق ؟ لم تكن الاجابة سهلة فالرفض يحتاج عناء وعمل وجهد ، فهداه الله الى السراط المستقيم ، فدرس اللغة دون مدرسة او معهد ليضع خطواته على الطريق. ولشدة اصراره ان يتقن لغة النروج لغاية في نفسه ، وليس كما تعلمها الاخرون للتعايش مع المحيط ، نجح في فترة قياسية لم تتجاوز الخمس سنين في حين يحتاج اللاجيء الى مدة اطول بكثير. واذا بهذا الشاب الطموح يضع يده على اسرارها ويملك مفاتيحها وادوات استخدامها في مجالها الاصعب وهو مجال الثقافة والابداع. ليس هذا فحسب وانما اضاف لقاموسها خمس كلمات جديدة فكان موضع اعجاب من لغويها وبدأت الرحلة.

دخل في البداية عالم الصحافة ، فكتب المقالات في كبرى جرائدها ، فكان محط اهتمام كبير ، ثم بدا الدخول في عالم التاليف فانتج اعمالا ذات قيمة متميزة تناولت العلاقة بين المغترب ومحيطه الجديد ، فكان ان وصل الى نيل ارفع مكانة يتمناها المثقف النرويجي ، لتنتهي الى حصوله على منحة الدولة التقديرية التي تعد اعلى تقييم رسمي من الدولة ، والتي من شروطها ان يقدم .مجموعة من المثقفين والشخصيات المعروفة نرويجياً طلب الى وزارة الثقافة ، مقرونا باقتراح منح الشخص راتب دائم للخدمات العلميّة أو الثقافية أو الفنّية المتميّزة ، شرط ان تكون هذه الخدمات قد انجزت خارج أطار الجامعات والمؤسسات العلميّة. وأن يكون الشخص قد أصبح معروفاً على صعيد الدولة والمجتمع بحيث لا يعترض عليه آخرون. الطلب لهذه المنحة لا يقدمه المثقف نفسه بل بل مجموعة من ابرز شخصيات المجتمع الثقافية والادبية في النرويج ، وانما قدمه له أكبر فيلسوف في النرويج " كنر شيربك " ووقع على الطلب 35 شخص ليس في النرويج من لا يعرفهم : رؤساء مؤسسات ثقافية و لجنة جائزة الفلسفة في جامعة بيركن و رؤساء تحرير صحف و رئيس مؤسسة الأنسانيين و فلاسفة أربعة هم أكبر فلاسفة النرويج ومن ابرزها فردريك بارت و فتلسن و بروكس و يان شارستاند و بيتر نورمان فوكه . لقد قاموا بصياغة الطلب وتقديمة من غير علمه واذا .بوزارة الثقافة. توافق عليه وترفعه بأسم الحكومة النرويجية الى البرلمان. لانّ ميّزة هذا المنحة ان يتمّ الموافقة عليها من دولة النرويج وليس الحكومة ، ولذلك لا تصبح نافذة الا بعد موافقة البرلمان وتصويته عليها ‘ اي كلّ الاحزاب يجب أن توافق وتصوّت عليه. فقيمة المنحة المعنويّة هو انها تعتبر أمتياز واعتراف من الدولة بجهود الحائز عليها. ويعتبر الحاصل عليها موظف في الدوله. لكنّ المنحة لا تطالب صاحبها بأداء أي عمل بل فقط أن يمارس أبداعه االثقافي والفني . ويبقى يستلم المنحة حتى عمر ال 67 عام وهو عمر التقاعد. أي الدولة تثق بأمكانيات الشخص فلا تطالبه بعمل اخر. كما أنّ الدوله تقدرة بأعتبارة من مثقفي الدولة أو من الطبقة الأولى من المثقفين المعترف بهم.

الذين يحصلون على المنحة هم النرويجيين. والكبيسي وليد أوّل أجنبي يحصل عليها. ثمّ أن أغلب من حصل عليها تجاوز عمرة ال 60 . وهو لم يبلغ الخمسين بعد فهو في منتصف عقده الرابع ، فانضم بعد موافقة البرلمان الى الثلاثين شخصية نرويجية من الذين حصلوا على منحة الدولة التقديرية. لقد كان حدثا تاريخيا كما كتبت الصحف. سيما أنه شخص سجالي يثير الحوارات الفكرية في الصحف وأجهزة الأعلام وخاصة في مجال مناداته بالتكيف في المجتمع ، لكنّ التكيّف لا يعني بالنسبه له الذوبان ونسيان الهوية الوطنية. وهو الوحيد الذي كتب عن المقاومة العراقية علنا. وهذا يعتبر في الأعلام الغربي أرهابا. ونادى بعدم تحويل المسلمين الى طائفة دينية معزوله كما يطالب بذلك الأسلاميون. فهم يرفضون التكيف والأندماج في المجتمع بأعتبار أن قيم الأسلام تختلف عن قيم المجتمع النرويجي. في حين لا يرى الكبيسي تعارضا ما بين ثقافة الغرب والأسلام. فالتعارض عنده مصطنع يخلقة المتزمتون من الطرفين من المسلمين واليمينيين. كان دوما يردد أنّ الثقافة التي تشكّل هويتنا لا تتعارض مع أبسن وفولتير وروسو و الثورة الفرنسية. لكن هناك تعارض ما بين المسلمين والأيديولوجيا الغربية القائمة على أستغلال وأحتلال بلداننا.

قد يسال القارئ لماذا تمّ ترشيحه للمنحة ولماذا وافق البرلمان؟

لقد قام وليد بتأليف سبعة كتب نالت التقييم الأيجابي ودخلت موسوعات عدّة.ومنذ الكتاب الأول عام 1996 ، تمّ ترشيحيه الى جائزة براكة. وهي جائزة نرويجية للكتاب الذين يصدرون كتابا يثير الضجة الأعلامية وينال تقييما أبداعيا متميّزاً. ومنذ 20 عاما وهو يكتب في الصحف بشكل مستمر بمعدل مقالين الى ثلاثة في الأسبوع . ومقالاته كان ينظر اليها بأحترام.

لم يكتب وليد من موقع كونه مهاجرا ويريد أبراز ثقافته ومشاكله وعقده من المجتمع. لكنه أنطلق من موقعه ككاتب نرويجي يرى الموضوع من موقع المهاجر ثم من موقع المواطن النرويجي. ولذلك فالقراء النرويجيين يشعرون أنه صوت لهم بنفس الوقت. وهذا ما جعل الكثير من ذوي التصورات المتزمته مهاجمته بأعتباره يدافع عن الآخر. وهنا ثمة فقرة في الطلب المقدّم للدوله يقول: وليد الكبيسي (لا ينتمي الى مجموعة أو فئة بل للأنسان في هذا المجتمع بغض النظر عن هذا الأنسان أسود أو أبيض. أنه عاش على قلمه خلال العشرين سنة الأخيرة وكتب بلغتنا. وهذا صعب بالنسبة لنا نحن الكتاب النرويجيين فكيف لأجنبي مثله. أنّ أمكانياته ومحاضراته تتميّز بالأبداع والتفرّد .. لقد عمل وليد الكبيسي في هذا المجتمع وصنع فية له مكانا متميّزا بجهوده وحده‘ ولم تدعمه منظمة ولا مؤسسة ولا جهة سياسية أو ثقافية. وهذا ما يجعلنا نحتفظ له بالأحترام والتقدير والشكر لما اسداه لمجتمعنا من أثراء وغنى فكري متميّز. أننا لا نشعر أنه غريب عنّا يعيش في بلدنا. أنه مواطن متميّز في هذا المجتمع.)

اما نشاطاته في مجال القاء المحاضرات. فكانت متميزة وناجحة بحيث حصل على تقييمات خيالية. مكافأة البروفسور على محاضرة يلقيها هي الفين الى ثلاثة آلاف كرونة. في حين نصيب وليد كان اضعافا مضاعفة ناهيك عن أرساء حوار نرويجي عربي هو حوار السنونو ولمدة 3 سنوات بدعم من وزارة الثقافة. وفي هذا المجال نظم الدعوات الى المبدعين من عراقيين وعرب مثل فاضل العزاوي ومحمد الماغوط وحنان الشيخ وعزّت الغزاوي رئيس أتحاد كتّاب فلسطين اضافة الى أخرين وترجم نصوصهم الى النرويجية.وفي مجال اخر ترجم وليد تسعة كتب من النرويجية الى العربية صارت أساسا لتدريس الأدب النرويجي في جامعة الرباط وكانت البروفسورة لطيفة حليم هي التي قامت بهذا المشروع.

لقد حصل وليد على الجائزة الكبرى ، جائزة (شرفهَيم) لحرية الفكر . (أسمها على أسم الفيلسوف شرفهيم) ورشّح الى جوائز عدّة منها جائزة منظمة العفو الدولية (الأمنستي أنترناشنال) لنشاطه في قضايا حقوق الأنسان. وكذلك جائزة أوسلو الثقافية وجائزة براكه للآداب.

لقد احدث نيل وليد لهذه المنحة ضجة في الصحف والاذاعات النرويجية واجريت معه لقاءات على مستوى رفيع لينتهي الى دخوله الموسوعة في الانترنيت

انني كعراقي فخور بهذ الرجل الذي ما ان تجاوز الفطام حتى خر له مثقفوا النروج ساجيدنا


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026