المطلوب من المحتل واعوانه ، من حكومة وبرلمان واجهزة امنية وشرطة وأحزاب وتجمعات مرتبطة به ومن الاتباع والمريدين ، ان يقدموا الدليل على ان من قام بالمذابح بحق اهلنا في مدينة الصدر هم من السنة ، او من القادمين من خارج الحدود ، وان يثبتوا بالمقابل بان من قام بالمذابح بحق اهلنا في الاعظمية والصليخ وغيرها هم من الشيعة. في حين ان هناك مئات الدلائل تشبر الى ان من قام بالمذابح في كل المناطق ، هم جهة واحدة : هي الاحتلال ومليشيات السلطة وعدد من المخابرات الايرانية والموساد الاسرائيلي وفرق الموت والقوات الخاصة التي شكلها نيغروبنتي عندما كان سفيرا في العراق. فالبينة على من ادعى واليمين على من انكر ، والشعب العراقي قال كلمته ان قام بهذه المذابح هم المحتلون واعوانهم.. وفي كل الاحوال فعندما لا يتوفر الدليل على مرتكب الجريمة ، يجري البحث عن صاحب المصلحة في ارتكابها. فهل من مصلحة عراقي ان يقتل نفسه ؟
دعونا نرى.
منذ احتلال العراق ولغاية يومنا هذا ، والصراع بين الشعب العراقي ممثلا بالمقاومة المسلحة وبين قوات الاحتلال ، يزداد ضراوة ويتخذ اشكال متعددة ، عسكرية وسياسية واجتماعية وثقافية. وفي الشهور الاخيرة اتضح عمق المازق الذي تعاني منه قوات الاحتلال من جهاته الاربعة ، فشل عسكري واخر سياسي وثالث تمثل في حكومة وبرلمان ودستور لا حول لها ولا قوة ، ورابع نقمة في العالم ضد بوش ، .باختصار وبوضوح ، فان امريكا باحتلالها العراق ولجهلها بطبيعة الشعب العراقي وعدم توقعها صدمة ورعب المقاومه العراقية ، اوقعت نفسها في مستنقع شبيه بمستنقع فيتنام ان لم يكن اشد ، حيث بدأت بالظهور معالم الهزيمة التي هي ذاتها كانت المقدمات للهزيمة في فييتنام ، والمتمثلة في ارتفاع حجم الخسائر على غير ما كان متوقعا ، وفي ارتفاع حجم التكاليف المالية إلى درجة الإرهاق، وفي داخل امريكا فالناخبون الأميركيون أدانوا ادارة بوش، وخسر الجمهوريون مجلسي الكونغرس الأميركي بسبب عدوانه على العراق.
لو كان للادارة الامريكية وبوش وصقوره ذاكرة ، لانسحبوا من العراق وفق مبدا <نصف الخسارة ربح> لان الاصرار على التغابي او الغباء سيؤدي الى الخسارة الكاملة. فالرئيس الامريكي نكسون الذي رفع حينها شعار لن ننسحب ولن نتعب ولن نهزم مثلما يكرر بوش ، قد شكل لجنة لتدارس الوضع في فيتنام ، فاستدعى حكيما مثل بيكر اسمه كلارك كليفورد ، ساهم في حياته في صنع القرارات التي كان من شانها الحفاظ على امن امريكا. وفي ديسمبر كانون الاول عام 1968 ، عينه جونسون كليفورد بعد فوزه بالانتخابات رئيسا للجنة تضم مجموعة من المستشارين لتحقيق نصر كامل في فييتنام. وعقد نيكسون عدة اجتماعات معها ، توصل فيها الجميع الى الاقتناع بتوصيات كلارك كليفورد. وفي مقدمتها زيادة عديد القوات الأمريكية وتكثيف الغارات الجوية وتقوية الحكومة والجيش الفيتنامي والشرطة وتهدئة الاوضاع مع دول الجوار مثل كمبوديا ولاوس. وهكذا بعد تثبيت سلطة نيكسون في يناير/ ك2/ 1969 تم توسيع نطاق الحرب التي قادت الى الهزيمة بدل ان تقود النصر الكامل.
وهذا ما يجري الاعداد له الان من احتمال زيادة القوات الامريكية في العراق ، واشراك سوريا وايران بفاعلية اكبر في الحل. لكن الفرق الوحيد بين الرجلين الحكيمين ، ان بيكر زاد على سلفه كليفورد مسالة تقسيم العراق ، بين مجموعاته الثلاث ، كما قال ، وتكليف الحكومة المركزية الضعيفة بمهمة توزيع عائدات النفط والملف الخارجي وحماية الحدود. ولكي يتحقق هذا الهدف تم اقرار قانون الاقاليم في الحادي عشر من الشهر الماضي. وكما اشرنا في مقال سابق فان الجديد في هذا القانون ليس ما تضمنه من بنود ، فهو يبقى صورة طبق الاصل عن قانون ادارة الدولة في عهد بول بريمر ، وانما االجديد فيه ، ان الادارة الامريكية اعتبرته احد الحلول لتحقيق النصر. كونه يعطي الضوء الاخضر لزعماء المليشيات ، للشروع بتمزيق العراق الى اكثر من ثلاث دول ، من خلال استغلال المادة 118 من "الدستور الدائم" ، والتي منحت الحق لكل محافظة او اكثر بتشكيل اقليم مستقل ،على امل نشوب صراعات مسلحة على النفوذ والسلطة والثروة ، لتنتهي الى حروب طائفية وعرقية ، كون هذه المحافظات ، متداخلة ومتزاوجة ومتمازجة على المستوى البشري.ولما فشل القانون في تحقيق الهدف ودخول المجتمع العراقي في تلك الحروب ، قام الاحتلال واعوانه بهذه المذابح على امل الوصول الى الهدف ذاته.
دعونا من االطابع العام التي اتسمت به المذابح ، وشملت عن سابق اصرار وتعمد المناطق التي يسكن غالبيتها السنة ، مما أوهم بعض الكتاب وخاصة الكتاب العرب ، بان ما يجري في العراق هو حرب طائفية بين الشيعة والسنة. ونعتقد ان فهما كهذا ، مرده عدم معرفة كافية بطبيعة المجتمع العراقي وقوة لحمته وتعايش فئاته ومكوناته ، ومنها الدينية والمذهبية او الطائفية. ودعونا ايضا من دعم الاحزاب الصفوية لهذا التوجه الخطير كونها احزابا مرتبطة بالاحتلال وبايران والتي من مصلحتهم جميعا تقسيم العراق واقامة دولة في جنوبه لصالح ايران ، بعد ان اصبح شمال الوطن ما يشبه الدولة المستقلة. وكما فشلت مثل هذه المحاولات الغادرة بعد تفجير مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء لاثارة فتنة بين الشيعية والسنية ، فان هذه المحاولة الجديدة ستلاقي ذات المصير. فكل الانباء واستطلاعات اكدت بان العراقيين قد حملوا الاحتلال واعوانه مسؤولية ما حدث.
ومثل هذا الامر ليس غريبا على العراقيين ، فالتعددية في العراق كانت على الدوام مصدر قوة وابداع وليس مصدر للفرقة والاقتتال وتاريخ العراق شاهد على ذلك. فخلال اربعة قرون من تاريخ العراق وعلى وجه التحديد فترة خضوع العراق للامبراطورية العثمانية ، كان السنة يحمون الشيعة من بطش الاتراك والشيعة يحمون السنة من بطش الصفويين اذا غزوا العراق ، والاكثر من هذا ان الوحدة بين الطائفتين الكبيرتين ، تزداد متانة حين يتعرض الوطن للعدوان الخارجي. فبعد هزيمة الامبراطورية العثمانية ووقوع العراق تحت الاحتلال البريطاني عام 1918 ، توحد الشيعة والسنة في جبهة واحدة لمقاومة القوات الغازية ، وتوجوا وحدتهم في ثورة العشرين. ومع كل محاولة قام بها الاحتلال البريطاني لاثارة فتنة طائفية ، كان الرد عليها اشتراك السنة والشيعة في الاحتفالات الدينية لكل منهما ، وغالبا ما تنتهي بخطابات واشعار سياسية تهدد الانكليز وتتوعدهم ان لم يغادروا ارض العراق الطاهرة .
لا لاشك بان ما حدث ويحدث خطير جدا ، وان الاحتلال واعوانه سيقدمون على محاولات شبيهة بتلك أو اشد ايلاما ، وان الاعتماد كثيرا على تاريخ وحدة المجتمع العراقي وقوة وصلابة تعدديته ، يعد نوعا من الهروب الى الامام وتخلي عن المسؤولية الوطنية ، لكن تضخيم ما حدث ووصفه على انه حرب طائفية انفلتت من عقالها ومن الصعب وقفها ، يخالف الحقيقة والواقع. فحرب الطوائف تقوم عادة بين طائفة بمجموعها وطائفة اخرى بمجموعها ، الى ان تنتهي بانتصار احداها على الاخرى او تنتهي لان تاخذ كل طائفة "حصة" من الوطن ، وتقيم نظامها الخاص بها ، وتكون الدولة مجرد غطاء قانوني لا حول لها ولا قوة. والوقائع الاولية تشير الى ان من قام بهذه المذابح هم مليشيات السلطة وفرق الموت ومغاوير الداخلية ، بالضبط مثلما اكدت الوقائع الدامغة بعد تفجير مرقد الامامين الهادي والعسكري في سامراء. وهذا ما يفسر لماذا شهدت حينها مثلما تشهد الان العديد من مناطق واحياء متفرقة من العراق ، دوريات مشتركة من السنة والشيعة لحماية ارواح الابرياء وكذلك حماية المساجد والحسينيات ، على الرغم من التعتيم الاعلامي على مثل هذه الظواهر.
وفي كل الاحوال فان تلك المذابح التي شهدتها الايام الماضية والتي لازالت ذيولها ممتدة حتى هذا اليوم ، هي وجه اخر من وجوه الحرب الدائرة بين قوات الاحتلال وبين المقاومة الوطنية العراقية ، حيث بلغت الحرب مرحلة متقدمة ، بعد ان بدأت تلوح في الافق علامات هزيمة قوات الاحتلال جراء الخسائر الكبيرة في صفوفها وفقدان الادارة الامريكية لاسلحتها العسكرية والسياسية وعدم قدرتها على تبرير احتلالها للعراق امام الراي العام العالمي وحتى امام الراي العام الامريكي ، في وقت عجزت فيه الادارة الامريكية عن بناء جيش محلي لمساعدتها على اعادة انتشار قواتها خارج المدن ، لتقليل خسائرها البشرية والمادية. الامر الذي دعاها الى طلب النجدة من سوريا وايران لايجاد حل لازمتها عبر زيادة دعمها للاحتلال. وفي هذا السياق جاءت زيارة وزير الخارجية السوري الى بغداد ، واللقاءات العلنية والسرية بين الامريكيين والايرانيين. ومع ذلك فلا زال الصراع معقدا بما فيه الكفاية ، على الرغم من ان طريق المقاومة واضح وجلي ، كونه محصورا بهدف اكثر وضوحا وهو تحرير العراق ، وعلى اساس ذلك سيظل عمل المقاومة مستمرا ومتصاعدا على جميع الجبهات العسكرية والسياسية والتنظيمية ، ومن جهة اخرى فان المقاومة قد اعدت العدة لمواجهة اي عمل او فعل من هذا النوع وخاصة ما يستهدف تمزيق الوحدة الوطنية.
هذا الصراع الدموي سينتهي حتما الى طرد المحتل وتحرير العراق واقامة النظام الديمقراطي ، الذي يكفل لجميع المواطنين حقوقهم كاملة غير منقوصة ، كما يكفل العيش في ظل اجواء التاخي والتسامح المعهودة عبر العصور.
|