إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

سعاده الغائب الأكبر في حزبه (8)

طه غدار

نسخة للطباعة 2021-06-21

إقرأ ايضاً


تحرير حزب "الجهاد القومي " من أسر الجمعية السياسية

ليس الحزب السوري القومي الاجتماعي جمعية او حلقة كما قد يكون لا يزال عالقا بأذهان بعض الاعضاء الذين لما يسمح لهم الوقت بالوقوف على المبدأ الحيوي الذي ينطوي عليه الحزب القومي الاجتماعي وعلى حاجة الامة السورية في هذا العصر. ان الحزب السوري القومي الاجتماعي لأكثر كثيرا من جمعية تضم عددا من الاعضاء، او حلقة وجدت لفئة من الناس أو من الشباب. انه فكرة وحركة تتناولان حياة امة بأسرها." (الخطاب المنهاجي). والحقيقة المؤلمة أن قلة من أعضاء الحزب هم من تسنى لهم الوقوف على" المبدأ الحيوي" للحزب. وقلة أيضا من قرن الفكرة بالحركة. ولم يتسن لهؤلاء ان يطبقوا عمليا ما وصلت إليه تطلعاتهم، لعدم وجود إدارات تكترث بالأمور العملية المقترنة بفكر سعاده. لان الادارات الحزبية، منذ غياب سعاده عام 1949 لم تخرج الحزب من شرنقة "الجمعية السياسية"، خلافا لدعوة سعاده منذ تأسيسه الحزب : انه ليس جمعية من الجمعيات المنتشرة في الوطن السوري. وساير الأعضاء هذه الإدارات وسكتوا عن هذا الخلل الفظيع "بحكم النظام". وأبقوا أنفسهم" رهائن" هذه الادارات الحزبية" المشلولة التي لا يمكنها ان تنظر إلى الأمور إلا من وراء نظارات مصالحها المحدودة النطاق بكرسي وزاري او نيابي، مما دعاها لإنشاء "عمدة"- التي هي" مصلحة عامة رئيسية"- للشؤون البلدية والنيابية في تجاهل تام لما سطره سعاده عن نشؤ العمدات أو المصالح العامة والخاصة. وايضا في ظل سكوت الاعضاء والانقياد الاعمى "بحكم النظام" غير عابئين بتعاقدهم مع الزعامة القومية. هذا العقد الذي يلزم كل عضو بمسؤولية صيانة الحزب، وصيانة كل مصالح الامة والوطن السوريين. ويعتبر سعاده في محاضرته الأولى عام 1948 ظاهرة قبول القوميين "بحكم النظام " من" المسائل الخطيرة".

وفي هذا الشأن كتب سعاده في مقالته "اليمين" (1. 9. 1943) "فلليمين خطورة عظيمة جدا في علاقات المجتمع الإنساني وروابطه. وهي بطبيعتها تصبغ الامور المقطوعة لها بصبغة الواجب الذي لا مفر منه، إذ اليمين توضع للأمور العظيمة دون الصغيرة وللقضايا الأساسية الجوهرية دون المسائل السطحية العرضية.

.. وإننا نرى تقدير الزعيم لخطورة اليمين وعظم أهمية العمل القومي المنظم لتحقيق العقيدة القومية الاجتماعية ولما يقتضيه ذلك من صحة العزائم، في طلبه من كثيرين مراجعة نفوسهم قبل الاقدام على حلف اليمين ليكون حلفهم بوعي وإدراك تام لخطورة الموقف وما يترتب عليه. "

من جهة أخرى لطالما شدد سعاده على ان الحزب ليس مجرد حزب سياسي اعتيادي وهو القائل ردا على سؤال الأديبة مي زيادة خلال زيارته لها:" الذي أقوم به هو توليد نهضة الامة السورية، وشق طريق الحياة لها ووضع القواعد الاجتماعية الاقتصادية لحياة أفضل للمجتمع السوري. والسياسة في الحزب ليست سوى عمل تكتيكي مسخر للأغراض القومية الاجتماعية وهذا يختلف كل الاختلاف عن أعمال الأحزاب السياسية المعتادة.."

هذه هي السياسة التي قصدها سعاده، السياسة التي تأخذ على عاتقها مهمة تحسين حياة السوريين والنوع الإنساني وحفظ النظام العام. السياسة التي هي فن التمكين لا فن الممكن كما أشار كلاوس فيتز. لذلك نجد الحزب في تراجع دائم، ولم يحصل ان تقدم خطوة واحدة على طريق تحقيق غايته التي مازالت صعبة التحقيق في ظل ادارات مسيسة و غائبة كليا عن هموم القوميين و الشعب نتيجة ذلك "كفر "بعض القوميين بالحزب فتركوه غير آسفين وأسسوا جمعيات اجتماعية وثقافية صار لبعضها صدى واسع في بعض الكيانات.

وتفرغ بعض القوميين لمعالجة ازمة الحزب، بتصميم كلي لانقاذه من "براثن " الفساد والفاسدين و الانحراف والمنحرفين وقعدوا يتحاورون في مضمون الأزمة والأسباب التي أوصلت الحزب الى الكارثة. أدت هذه الحالة، الى ابتعادهم الكلي عن واقع الشعب أيضا ، الواقع تحت مطارق الطغمة الحاكمة في بعض الكيانات دون ان يصلوا الى نتيجة مرضية. وما زالوا منغلقين ضمن هذا القمقم بعيدا عن مشاكل مجتمعهم. ويعمل بعض القوميين لانتشال الحزب من مأزقه التاريخي في مجموعات تعمل ثقافة وسياسة واقتصادا.. و يتجه بعضها لتوحيد جهودها في هذا السبيل. من الواضح إستسلام معظم الأعضاء للأمر المفعول بالبقاء داخل جدران جمعية، بعدما ألف هؤلاء الاقامة فيها ويجدون صعوبة في الخروج من قمقم الجمعية الى رحاب الحزب- الدولة ومشاركة الشعب قضاياه وهمومه.

إن الإبقاء على الحزب - الجمعية السياسية - مسألة قديمة تعود إلى فترة الاغتراب القسري لسعاده. حيث جرى إلغاء الزعامة، والمبادئ الأساسية والمركزية... وخلال هذه الفترة ألغي الهتاف باسم سورية وسعاده. فصدر تعميم عن عميد الإذاعة فايز صايغ (عدد 12 تاريخ 4 اغسطس 1945) بمنعه واستبداله بهتاف آخر.

اذن بغياب سعاده، عادت لتطل مجددا مسألة الحزب - الجمعية السياسية. لكن هذه المرة أبقوا على الأسم دون الجوهر. وأجروا أول تعديل مناقض لدستور سعاده عام 1951 (قانون عدد 8). فأصبح المجلس الاعلى السلطة العليا التي حلت محل الزعامة - كما كان الأمر خلال فترة غياب سعاده القسرية- فقبض على خناق الحزب. وكالعادة، ساير الأعضاء الوقائع الجديدة، وقبلوا بكل تعديل يجريه المجلس الأعلى. ومنذ ذلك الحين، والأمور تتدحرج حتى وصل الأمر الى تداول عبارات مثل: الوفاء للنهج مرفقة بصورة لأحد المسؤولين وأوفياء لفلان... و أوفياء لفليتان. حتى كاد يبطل الوفاء للزعامة او لفكر سعاده إلا من قلة قليلة مؤمنة.

لقد كانت التعديلات التي طاولت دستور سعاده منذ غيابه، أعمالا منحطة، ستقود الحزب الى الانقراض والتلاشي... كان هم الإدارات الحزبية الوحيد إستمرار تسلطها على الحزب، فانشأت لجنة لمنح الأمانة، وقانون للمؤتمر العام "لتبرز مواهبها" الخطابية وتكتلاتها الإقطاعية. ولم تلتفت هذه الإدارات لإنشاء مؤسسات للقوميين واخرى للشعب. حتى انها اهملت جمع "الأعمال الكاملة" للزعيم. فقامت "مؤسسة سعاده للثقافة" بهذا العمل الجليل. هذه المؤسسة التي يقوم عليها بعض الأعضاء الأوفياء للزعيم، فنراها تتابع البحث عن مقالات و رسائل جديدة للزعيم لنشرها. وبعض آخر من الاعضاء، قام بترجمة بعض أعمال سعاده الى اللغة الانكليزية...!

كما أهملت هذه الإدارات جملة مواضيع بحاجة للاستكمال والدراسة والبحث، طرحها سعاده لوضع دراسات جديدة حولها مثال المسألة الدينية في سورية لاسيما عن "الكنيسة السورية" كما يقول في رسالته لفخري معلوف. ويطلب من شرابي القدوم إلى الوطن و "التخصص في فلسفتنا" ويكتب انه أصبح مقلا في التأليف:"أما أنا فلم يكن كثيرا في ناحية التأليف لعدم وجود وقت مادي لشيء من هذا القبيل، مع أني قد جهزت عنوانات الفصول لمؤلف فلسفي اجتماعي في "طبقات الأمم" أبحث فيه النظام-السياسي - الاقتصادي- الاجتماعي الأنترنسيوني، وأستخرج منه نظرة إلى العالم تعين اتجاها جديدا. ثم إني كنت قد أخذت في تخطيط موضوع فلسفي في الدولة و إنشاء نظام جديد لها يختلف عن النظام الذي اتخذته بعد الثورة الفرنسية.ولكن جميع ذلك هو الآن مجرد رؤى.

و في مثل هذه الحالة أجد" نشوء الأمة السورية". فهذا الموضوع الخطير قد فقدت الأوراق التي تحتوي الملاحظات والمستندات بين أوراق الدعوى في دار القضاء.... و العودة إلى هذا الموضوع تقتضي تفريغ وقت. وهذا أمر مستحيل في ظروفي الحاضرة و لا تلبية مستمرة ولا مساعدة فعلية موجودة".

( من رسالة الزعيم الى ابراهيم طنوس 17.3.1942)

من جهة أخرى، أيعقل ان يكون حزب على عاتقه إنتشال أمة من "قبر التاريخ" ومهام مصيرية كبرى، ليس لديه مركز وأبحاث ودراسات ومليء بالمختصين في كل الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية... هو في حالته الحاضرة مليء بالفساد والفاسدين ولا يقوى "الذين آمنوا" ان يقتلعوهم عملا بكلمة سعاده " لا بأس أن نكون طغاة على المفاسد".

وتجاهلت الإدارة الحزبية انطلاق التحركات الشعبية في لبنان في تشرين أول 2019، والمستمرة لتاريخه، نتيجة الأزمة المعيشية والمالية، والتي ازدادت تفاقما بعد الانفجار المفتعل في مرفأ بيروت في آب 2020.

فلم ينخرط الحزب في وضع الحلول للمسألة الاجتماعية والاقتصادية، ولم يدعو لندوات دراسية مع مختصين لوضع الحلول والمقترحات للأزمة التي تعصف بلبنان، سيما وان على رأس إدارته التنفيذية دكتور جامعي في الإقتصاد... ولم يقدم خطة لإعادة النهوض بلبنان! إضافة لغياب كلي لدائرة المحامين في الحزب.

عود إلى بدء، أمام هذا الواقع الذي أبعد الحزب عن السير قدما على طريق تحقيق غايته. كل ذلك نتيجة عدم التزام العضو بما أقسم عليه، هذا القسم الذي يقدم عليه العضو بكل حرية ومسؤولية. وان لا يتهرب من التقيد بكل موجباته عند أي ازمة يتعرض لها الحزب.

فالعضو مسؤول عن "صيانة" الحزب بكل جوارحه. فهو أمانة في أعناق الأعضاء. وهو مدعو لعدم التنازل عن الأساس الذي تعاقد عليه مع الزعامة القومية لإجراء اية تسوية مع الفساد والفاسدين. فهو ملتزم مع الشارع ومؤسس النهضة "العقيدة والنظام". ومن يتنازل عن حقوق العضوية كمن يتنازل عن شرفه وكرامته القومية (ومن يهن، يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام) ولا تستطيع أية مؤسسة مهما ادعت زورا وبهتانا حرفه عن الالتزام بالعقد، وعلى أنها الشرعية بعد انتخابات كانت مجرد إجراء شكلي لا قيمة له. ولا يكسبها اية شرعية، طالما لم تنطلق من دستور سعاده الأساسي عقيدة ونظاما وتلغي كل التعديلات التي حولت نظام الحزب الى خليط هجين. ومثالنا مؤخرا، القرار الصادر عن "المحكمة" (4. 2021.6) هذا "القرار" المتضمن "الطلب" (؟؟) من السلطة التشريعية عقد مؤتمر وإجراء انتخابات؟ فما "الحق" الذي استندت اليه محكمة معينة من قبل "سلطة" ان تطلب منها إجراء مؤتمر وانتخابات. مما يعتبر تدخلا سافرا في شؤون سلطة تشريعية (عدم احترام مبدأ فصل السلطات). والحقيقة ان هذا القرار "السياسي الفاسد" خير دليل على انه مجرد باسبور مرور لتسوية مع فريق آخر فاسد. ومن يطالع صيغة القرار يرى المستوى الهابط في مستوى الحقوق والعدالة في حزب عريق شاء مؤسسه ان يكون" دولة قانون" باعتباره "دولة الشعب السوري الاجتماعية المستقلة الحقوق والواجبات العامة..." وصلنا الى هذا الواقع الفاسد نتيجة تخلي الاعضاء عن مسؤولية صيانة الحزب وتركه لابناء الأفاعي وتجار الهيكل.

بفضل الإدارات الفاسدة ابتعد الحزب عن محوره الطبيعي، ووقعنا في شرور الشرذمة والانقسام. واستسهلنا عقد التسويات على حساب أخلاقنا ومناقبنا. وننظر الى عقد مؤتمر لن ياتي سوى بحزب عاجز فاسد، مقطور بقاطرة الاقطاعيات والفساد... كفانا تغريبا لسعاده في "حزبه"..!

آن الاوان ان يستيقظ "أبناء الحياة" ليحملوا سوط الحق لطرد كل أهل الفساد والانحراف من حزب سعاده. والتوجه لانتقاء ادارة موقتة من "رجال نهضة" يتمتعون بمواصفات نضالية واخلاقيه ويحملون إختصاصات عالية (ديمقراطية تعبيرية) لفترة موقتة يتم خلالها إعادة الحزب الى خط سعاده، الخط القومي السليم لإخراج الحزب من قمقم الجمعية السياسية العاجزة ونقله الى ساحة الجهاد الفعلي لتغيير وجه التاريخ.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021