إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

هل يلتحق لبنان بقافلة «فوضى التغيير العربي»؟

العميد د. أمين محمد حطيط - البناء

نسخة للطباعة 2012-12-22

الارشيف

باتت الفوضى السّمة الرئيسية التي تطبع حال البلدان التي شهدت الحراك الشعبي العربي الذي تعددت تسمياته حسب مصادرها بين «الربيع» و»الثورة» وما إليها من «صحوة» او «انتفاضة». وباتت تسمية «الفوضى العربية « هي الأنسب اليوم، لنصف ما يحلّ في تونس من انعدام امن واستقرار، وما تشهده ليبيا من ضياع للسلطة والثروة وتشتتها، وما دخلت فيه مصر من انقسام يحضّر الى مواجهات وحرب أهلية لا يعلم أحد الآن أفقها ومنتهاها، وما تتقلب فيه اليمن من انعدام رؤية للمستقبل والمصير وارتباك في المسار السياسي والأمني، وما تعيشه البحرين من هبّة شعبية بوجه الحاكم ما يفسد عليه السلطة واستقرارها، ويبقى ما هو افظع من كل ما تقدم من المآسي التي تعيشها سورية نتيجة العدوان الكوني عليها، والذي تسبب بدمار وقتل يستمر مرتكبوه في غيّهم رافضين اي حوار يعيد للعقل سلطانه ويضع الامور في نصابها.

في ظل هذا المشهد الفوضوي التدميري الذي تسللت اليه اميركا وامتلكت معظم ازمته، اختار لبنان الرسمي ان ينأى بنفسه عن كل ما جرى، وظن دعاة هذا الشعار ان تنفيذه متيسّر، ولكن نسوا ان وصول الفوضى الى حدودهم الشمالية والشرقية، ومع وجود تشابك العلاقات والمصالح مع سورية، سيكون النجاح في التطبيق معدوماً، وفاقم الوضع سوءاً انخراط فريق لبناني وبشكل علني مباشر في الازمة السورية تحت ذرائع شتى، ثم إقدام الفريق ذاته ومدفوعا بشهوة السلطة القاتلة الى تعطيل العمل في مجلس النواب ،هذا الامر وسواه بات يطرح جدياً اسئلة حول مستقبل لبنان ومصيره خاصة في ظل العناصر التالية:

الانتخابات النيابية: اعتمد لبنان في العام 2009 قانون انتخاب لا زال نافذا وهو قانون انتخاب اتفق الجميع على انه غير ملائم للحالة اللبنانية وانه قانون «تزوير الارادة الشعبية» عبر تحكّم المال والعصبية الطائفية بصناديق الاقتراع، وإضافة الى ذلك فإنه لا يمكن المسيحيين الذين اعطاهم اتفاق الطائف نسبة النصف

من عدد النواب لاعتبارات تتعلق بالوفاق الوطني وحماية الوجود والفاعلية (مع علم المؤتمرين يومها بأن المسيحيين لا يشكلون النصف من سكان لبنان) ولكن القانون النافذ حالياً لا يمكنهم وبإرادتهم من انتخاب اكثر من 45% من حصتهم (31 نائباً من اصل 64) وبالتالي فإن التمثيل الحقيقي للمسيحيين في المجلس هو الآن ربع المجلس (أي اقل من نسبتهم الشعبية ايضاً) لكل هذه الاسباب كان رفض اجراء الانتخابات وفقا لهذا القانون، وبالتالي فإن البلاد ومع حلول حزيران المقبل ومع اصرار فريق الحريري- جعجع على مقاطعة مجلس النواب اي رفض البحث في قانون انتخاب جديد، يقابله رفض فريق الاكثرية النيابية الممثل في الحكومة اجراء الانتخابات وفقا للقانون القائم، فإننا سنتصور المشهد اللبناني كالتالي:

ـ انتهاء ولاية مجلس النواب بحلول الأجل (اربع سنوات ) لأن مبدأ استمرارية المرفق العام لا يطبّق على مجلس النواب، لانه يخضع لمبدأ الوكالة التي تسقط بحلول الأجل.

استمرار الحكومة القائمة حاليا بمهام السلطة التنفيذية، وهي خاضعة لمبدأ استمرارية المرفق العام، بخلاف الحال مع منصب رئيس الجمهورية الذي تكون الولاية فيه خاضعة لمنطق الاجل والمدة المحددة. وفي حال انتهت الولاية من دون انتخاب الخلف، فإن الحكومة مجتمعة تقوم مقام رئيس الجمهورية في صلاحياته التنفيذية غير التمثيلية وغير البروتوكولية.

ـ ومع اصرار رفض اجراء الانتخابات وفقا للقانون الحالي لا يكون بداً من صيغة او تسوية ما، ولا يمكن الوصول اليها الا عبر جمعية وطنية تأسيسية يشارك فيها – من غير انتخاب او بانتخاب – القوى الوطنية التي سيكون واجبها ليس البحث عن قانون انتخاب فحسب، بل وأهم من ذلك البحث عن صيغة نظام جديد يحل مكان الطائف الذي ثبت عقمه وعجزه على انتاج الحلول للمآزق في السياسة والحكم. ومع هذا الوضع يكون لبنان قد التحق بمنطقة الفوضى العربية الباحثة عن نظم سياسية جديدة.

التحدي الديمغرافي : تعرّض الجسم الديمغرافي اللبناني لأكثر صدمة وهزة خلال شهور «فوضى التغيير العربي « ادت الى تصدعه خاصة مع ظهور :

ـ حدة في التباين والانقسام الطائفي والمذهبي وبشكل خاص بين «السنية السياسية» والشيعية السياسية « انقسام تطور الى بدء رسم خنادق وخطوط بين الطوائف والمذاهب، دفع الكثير الى الانطواء على الذات والتقوقع رغم ما في هذه الامر من ضرر يلحق بالمصالح الخاصة لهم اولا وبالوحدة الوطنية ثانيا، ولولا استمرار علاقات معينة وفي سقوف محددة لوقعت القطيعة التي لا يمكن معها التفكير بسلطة وطنية واحدة.

ـ دفق النازحين من سورية الى لبنان وبصورة خاصة الفلسطينيين من سكان المخيمات الذين تعدى عددهم في اسبوع فقط الـ 12 الف نازح، وتحذر الجهات المعنية من وصول العدد مع استمرار الازمة في سورية الى مئة الف يضافون الى مئة الف سوري وصل حتى الآن الى لبنان.

ـ استشراء نزعة اغلاق المناطق بوجه اللبنانيين عند اختلاف الدين او المذهب، حيث انه وخلافا لاحكام الدستور التي تؤكد على حق اللبناني بالتملك والسكن في اي منطقة يشاء، فإن هذه الاحكام باتت شبه معطلة مع انتشار ذهنية « لا نقبل بيننا من لم يكن من مذهبناً».

التناقض السياسي : مع اغتيال رفيق الحريري في العام 2005، ظهر الى العلن انقسام لبناني حاد بين تيارين : تيار اقليمي مشرقي يرفض التبعية وارتهان لبنان للغرب (اسمي فريق 8 آذار لانه في 8 اذار 2005 اجرى حشده الاكبر للتعبير عن خياراته ) وتيار معاكس وهو غربي التبعية والهوى اسمي «14 آذار» لأنه في هذا التاريخ من العام 2005 رد على الحشد الاول بما استطاع تحشيده من جمهور). وفي البدء تعايش هذان التياران في مساكنة «الاعدقاء» ثم تنافرا واستأثر الفريق الغربي بالسلطة الى ان وقع الصدام الميداني الذي قاد الى تسوية هجينة ثم حكومة وحدة وطنية تكررت مرتين، ثم ومع سقوط الحكومة الثانية وقع طلاق ( يبدو انه طلاق بائن) طلاق شهره فريق» 14 آذار» الى حد رفضه العمل مع الفريق الاول تحت اي سقف وفي اي صيغة حيث انه يرفض:

ـ الاشتراك في حكومة وحدة وطنية مهما كانت المبررات والدوافع اليها، ورغم كل الاغراءات التي قدمت لهم منذ سنتين – يوم تشكيل الحكومة التي لازالت قائمة – رفض فريق» 14 اذار» الدخول في الحكومة.

ـ العمل في مجلس النواب، حيث انهم ومنذ تشكيل لحكومة امتهنوا في مرحلة اولى تطيير نصاب جلسات المجلس، ثم وأنهم منذ شهرين رفضوا حتى الاشتراك في اللجان الفرعية للمجلس بشكل يقود كما يرغبون الى تعطيل مجلس النواب.

ـ الدخول في حوار وطني حول المسائل الوطنية الكبرى، ومنذ التزموا مقاطعة جلسات الحوار التي يدعو اليها رئيس الجمهورية يصرون على رفض الحوار. وكلّل هذا الموقف بموقف صريح من مسؤولي «14 آذار» بأنهم ليسوا على استعداد للقاء الفريق الآخر أو الاجتماع به تحت سقف واحد مهما كانت صيغة هذا الاجتماع.

هذه الأمور تقود الى القول بأن لبنان لا يعاني من ازمة قانون، او ازمة حكومة، بل ان لبنان بات يعاني بالفعل من ازمة نظام وصيغة حكم تراعي الهواجس وتحفظ الحقوق وتؤمّن العدالة، ازمة لا يمكن ان تحل بالمسكنات، أزمة لا بد لها من حل جذري يتجاوز المعالجات العادية السطحية ليصل الى الجوهر، وهنا قد يسجل لتيار مستقبل الحريري انه بعد اقحام نفسه في الأزمة السورية، وزيارته الى غزة في طبعتها الجديدة، واستمراره في تعطيل الانتخاب من باب منع إقرار قانون انتخاب، قد يسجل له انه دفن الطائف وألحق لبنان بقافلة فوضى التغيير العربي فهل على اللبنانيين التحضّر لهذا الالتحاق؟ ثم هل ان الحريريين يسعون فعلا الى ذلك ويريدون نظاما سياسياً جديداً لا يشاركهم فيه أحد؟ مراهنين على متغيّر يأملونه في سورية؟ اعتقد ان الرهانات خاسرة والتغيير إن حصل لن يكون في مصلحة من دفع اليه.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017