إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

من المناورات الإيرانية والروسية إلى خطاب الرئيس الأسد: ما هي الأهداف والدلالات؟

العميد د. أمين محمد حطيط - البناء

نسخة للطباعة 2013-01-10

الارشيف

مع دخول الازمة السورية شهرها الـ 22 شهدت منطقة الشرق الاوسط او ستشهد في اقل من شهر واحد سلسلة من المناورات العسكرية ثم جاء خطاب القاه الرئيس الأسد، ضمّنه من المواقف ما تكامل أو تقاطع او قطع به الطريق على كثير من مناورات الاصدقاء والخصوم اواللاعبين في المناطق الرمادية فكيف تُفهم المناورات وكيف يفهم الخطاب في خضم ما يعصف في البيئة الدولية من رياح؟

و نذكر بان ايران فرغت في الاسبوع الماضي من تنفيذ مناورة بحرية هي الاولى من نوعها من حيث طبيعة القوى والمساحة التي تحركت عليها والاسلحة التي استعملت فيها. وفي الاسابيع المقبلة ستنفذ روسيا مناورة وصفتها بأنها «منقطعة النظير» من حيث حجم القوى والمساحة التي ستغطيها فضلاً عن الاهداف المعلنة لها، كما ان «إسرائيل» وحلفاءها وبعد مناورات عدة، وهي في غمرة التحضير للانتخابات المبكرة، أعلنت انها بصدد التحضير لتنفيذ مناورة ضخمة تشارك فيها اكثر من دولة بما فيها تركيا، حيث ستكون مناورة برية - جوية هدفها التحضير لمتغيّر «تعتقد بوقوعه» انطلاقاً من الساحة السورية ويستوجب تدخلا لاستثمار ما قد يحصل لحفظ مصالح الغرب و«إسرائيل» في ضوء المستجد المرتقب.

في مواجهة هذا المشهد و الحراك العسكري في المنطقة وحولها يكون مبرّراً طرح تساؤلات من قبيل:

هل المنطقة والعالم بصدد التحضير فعليا لمواجهة عسكرية تذكّر بالحروب الكبرى؟

وهل بات العالم بالفعل يرى في الحرب مخرجاً من أزماته؟

وإن لم تكن الحرب هي ما يُحضَّر له فلماذا المناورات إذن وبهذا الحجم والطبيعة؟

لإجابة موضوعية وعلمية نرى أننا ملزمون بالعودة الى القواعد العامة التي تُفهم المناروات العسكرية على اساسها، و فيها نجد ان المناورات تنفّذ من أجل:

اختبار القوى العسكرية في ادائها و جهوزيتها، وهو اختبار يأتي عادة تكليلاً لبرنامج تدريبي، او يكون سنوياً دورياً من اجل المحافظة على لياقة القوى العسكرية وتنمية مؤهلاتها العملانية وافساح المجال لها من اجل التمرّس بالتعاون بين الاسلحة في الميدان وتنسيق القدرات والجهود بما يؤمّن فرصاً اعلى للنجاح في تنفيذ المهام العملانية أو اللوجستية. اي تكون المناورات جزءاً او الجزء الاخير والاهم من العملية التدريبية الدورية او الظرفية التي تحتاجها الجيوش لحفظ جهوزيتها ورفع قدراتها العسكرية.

«الاظهار وعرض القوة» امام الخصم لإعلامه بمدى الجهوزية التي باتت القوى العسكرية عليها. وهو عرض ترمي به جهة معينة الى رفع سقف هيبتها وتراكم القوة الردعية لديها، وهو أمر يلجأ اليه سواء كانت المناورات من أجل غايات دفاعية وعندها يؤمل منها ردع الخصم عن الهجوم، أو ذات أهداف هجومية فيؤمل منها إفهام الخصم بعدم جدوى المواجهة والدفاع ودفعه إلى الانصياع والاستسلام امام الضغوط والاملاءات التي توجّه اليه.

جمع اوراق القوة التي تلزم الدولة في عملية تفاوضية تنتظرها او تستعد لها، او تدفع اليها إثر مرحلة من الصراع، أو للخروج من حالة عدم استقرار و تبدل في البيئة السياسية و الاستراتيجية التي تتحرك فيها.

على ضوء هذه القواعد نفهم ما ذكر من مناورات وعلى الوجه التالي:

اولاً: بالنسبة إلى ايران:

نعلم ان ايران لا زالت عرضة لتهديد مستمر من قبل «إسرائيل» خصوصاً والغرب عموماً عبر التلويح بعدوان عسكري عليها من اجل «وضع حدّ لنشاطاتها النووية السلمية» والتي تعتبرها أميركا خروجاً عن قواعد النظام العالمي الذي أُرسي بعد الحرب الثانية التي تحصر التقدم التقني والقوة العسكرية الفاعلة بيد مجموعة المنتصرين في الحرب الثانية. كما إنّ ايران تتعرض لتهديد استراتيجي جدي من خلال العدوان الغربي على سورية باعتبارها القطب الأوسط في محور المقاومة، و هي ترى أن المساس بسورية وبموقعها سيرتد حتماً عليها خسارة استراتيجية بالغة، و أخيراً نعلم أن ايران تعمل على ايجاد مجموعة القوى الدولية الصاعدة المستقلة بعيداً عن الارتهان للقوى العظمى التي احتكرت النفوذ وتتقاسم المغانم على المسرح الدولي، وان ايران ترى ان ما لديها من امكانات وطاقات وقدرات يمكنها المنافسة لتكون قوة ندية للقوى الدولية الكبرى.

وبالتالي وفي قراءة للمناورات الايرانية نجد ان ايران تخطّت و للمرة الاولى المألوف من سلوكها العسكري التدريبي على صعيد المناوات في وجوه عدة: فمن حيث المكان، غطت مناوراتها كامل الشواطئ الايرانية وفي العمق تخطت المنطقة الاقتصادية الخالصة ووصلت الى البحر العام او ما يسمى اعالي البحار، ومن حيث الاسلحة ادخلت صاروخين فاعلين للعمل ضد الاهداف البحرية يطلقان من اليابسة او سطح الماء («قادر»: مداه 200كلم ، و»نور»: مداه 120 كلم) اضافة الى ارتقاء عام في المجال الالكتروني والحرب الالكترونية (وهنا تبرز اهمية الاعلان عن السيطرة على الطائرات الاميركية من دون طيار وانزالها الى الارض سالمة للاستعمال). و اخيراً يكون الوقوف عند توقيت المناورات حيث انها جاءت في ظلّ نجاح الجيش السوري في تحقيق انجازات ميدانية هامة ألزمت الجماعات المسلحة والقوى الارهابية بالتراجع والسقوط في خط انحداري واضح. كل ذلك يؤشر على ان المناورات الايرانية كانت من اجل:

توجيه رسالة ميدانية الى كل من يهدد ايران، تفهمه عبرها انها تملك من القدرات ما يمكّنها من خوض حرب دفاعية ناجحة و ان ايران مطمئنة لذلك وبالتالي يكون من مصلحة المهاجم ان لا يتورط في عمل خاسر.

ارسال اشارة واضحة إلى من يعنيه الامر بان ايران تملك القدرة على التدخل باكثر من صيغة عسكرية لحماية تحالفاتها الاستراتيجية وانها لن تفرط قيد انملة بما هو قائم لديها من تحالفات وفي طليعتها الحلف الاستراتيجي مع سورية. وهنا تكون الرسالة إلى المعنيين بأن اي تفاوض دولي للخروج من الازمة السورية لن يكون على حساب الشعب السوري ونظامه القائم ولن يكون من غير حضور ايراني فاعل، وهنا نفهم كيف ان الابراهيمي التقط الرسالة وطرح مباشرة مع انتهاء المناورات «ضم ايران الى مجموعة الخمسة» التي التقت في جنيف للبحث في الازمة السورية.

الدخول الى نادي القوى الدولية. حيث ان دخول البحرية الايرانية الى اعالي البحار مع ما رافقه من اعلان عن استعدادت لتوسيع الانتشار البحري الى ابعد من ذلك هو أمر ذو دلالة قاطعة على قرار ايراني بصعود ايران على المسرح الدولي من موقع الدولة الاقليمية الفاعلة، و الدخول في نادي الدول الكبرى ذات الامتدادات والتأثير العالمي. و من المعلوم هنا ان اقتحام اعالي البحار انما هو طرق لباب هذا النادي الذي لا نرى في داخله اكثر من 8 دول على مساحة المعمورة.

ثانيا: بالنسبة إلى روسيا، و مناوراتها التي ستشترك فيها اربعة اساطيل، وتغطي اربعة بحار، فاننا نلاحظ ان الاعلان الروسي عنها جاء مترافقا مع عبارة غير مسبوقة في وصف المناورات وهي القول «ب» منقطعة النظير للدلالة على اهمية هذه المناورات ثم كان الاعلان عن حجم القوى و مسارها للدلالة على الاهداف المتوخاة منها.

واذا عدنا إلى المبادئ التي تحكم فهم المناورات وخلفيتها، فاننا نجد ان روسيا ليست موضع تهديد عسكري اجنبي جدي من احد حتى تقوم بمناورة دفاعية، ثم انها ليست بصدد التحضير لهجوم ما حتى نقول بأن مناورتها هجومية فروسيا ليست في واقعها القائم ذات استراتيجية توسعية أو هجومية كما هو حال الحلف الاطلسي

لكن وفي المقابل نجد ان روسيا ومنذ ايلول 2011، عادت الى الحلبة الدولية من البوابة السورية كلاعب اساسي وخلال اكثر من عام مارست دورها حتى باتت موسكو مركزاً اساسياً لحركة السياسات الدولية، خصوصاً في اخطر مسألة اليوم: الازمة السورية التي بات لروسيا فيها دور هام وموقف يقوم على رفض التدخل العسكري الاجنبي ورفض تسليح الجماعات الارهابية التي احترفت اعمال القتل والتدمير وانتهاكات الحرمات والمقدسات وإجراء الحوار لحلّ سلمي.

و لهذا ترى روسيا ان مواقفها من الازمة السورية بحاجة الى قوة تحصنها خاصة ان مواكبتها لحركة المواجهات القتالية على الارض السورية ولمواقف الاطرف بشكل عام جعلتها على يقين بان الارهاب لن ينتصر وبأن المخرج من الازمة السورية لن يكون الا سلميا و بقناعة الجميع (بات ينادي به حتى من سلح الإرهاب وموّله واحتضنه أمثال تركيا والسعودية وقطر)، لكل ذلك تقوم روسيا بهذه المناورات من أجل:

تحصين موقعها الدولي المستعاد وصيانته بعد ان تعطل لعقدين من الزمن، وها هو يعود اليها وتعود اليه وهو بحاجة الى الهيبة العسكرية التي تحميه، و ليس كمثل المناورات «المنقطعة النظير» طريقاً لتثبيت هذا الموقع و حمايته.

2) تحشيد اوراق القوة قبل الدخول في التفاوض الجاد للخروج من الازمة السورية التي باتت في مراحلها الميدانية الاخيرة بعد ان قهر الجيش العربي السوري جماعات الارهاب، وفتح الطريق لمن يواكب الشأن للدخول في حوار او تفاوض جديّ لحل سلمي مقبول.

وعلى هذا نجد أن مناورات ايران وروسيا تتقاطع عند امرين يجعلانهما في تماثل وتجانس: الاول له علاقة بالموقع على الخريطة الجيوستراتيجية في نظام عالمي قيد التشكل، والثاني له علاقة بالازمة السورية ويتضمن القول بأن «حليفتنا سورية انتصرت وأن انتصارها بحاجة الى حماية على طاولة التفاوض وان المناورات جزء من هذه الحماية» وفي هذه النقطة بالذات تتقاطع المناورات في دلالاتها مع خطاب الرئيس الاسد الخطاب الذي رأيناه بمثابة إعلان النصر الآتي يقيناً.

اما القول أو التكهن بأن المناورات نذر حرب او مواجهة عسكرية دولية او اي شيء من هذا القبيل، فاننا لا نرى له محلّاً في هذا المجال، وبالتالي لا نرى في الافق حرباً اقليمية ولا حرباً عالمية ولا استعدادات لها بل فقط صيانة لمواقع دولية مستجدة وتحضير لتكريس انتصار سورية ومحورها وتحالفاتها انتصار أدى الى رسم معالم المخرج الحقيقي من الازمة السورية وفقاً لما حدده الرئيس الأسد بالثوابت الثلاث:

القرار في سورية لشعبها وسيادته لا تمسّ وهو يقرّر نظامه ويختار حكامه.

سورية ثابتة في موقعها الاستراتيجي وهي الركن في محور المقاومة ومتمسكة بالحقوق الوطنية والقومية.

لا تسليم ولا تهاون امام اي عدوان وارهاب بل حرب لا هوادة فيها ولا دور للخارج الا في المساعدة في هذه الحرب لتقصير أمدها.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017