إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

لهذا يرفضون تسليح الجيش بالهبة الإيرانية

العميد د. أمين محمد حطيط - البناء

نسخة للطباعة 2014-10-23

الارشيف

تنشئ الدول الجيوش وتتعهدها باعتبارها القوة التي يعول عليها لحماية الكيان والدفاع عنه والمحافظة على النظام الذي اختاره الشعب بإرادته أو قبل به بعد أن تكون إرادة خارجة عنه فرضته أو أوحت به، بالتالي يكون الجيش الأداة التي تحفظ الشعب في أرضه وتؤمن احترام إرادته في نهائيتها، وتضمن للشعب حرية في خياراته. ولهذا استوجب الأمر أن يكون الجيش قوياً بما يناسب الخطر الممكن أن يتهدد الدولة.

والحديث عن قوة الجيش يعني بشكل أساسي عقيدته القتالية وتسليحه وتدريبه، ويتحكم بقوة الجيش من يتحكم بهذه العناصر الثلاثة، ولهذا نجد أن أحد المداخل الرئيسية للتحكم بالدولة يكمن بالتحكم بقوة الجيش من خلال هذه العناصر جميعها أو بعضها، وبهذا المنطق يلاحظ أن الدول التي تجنح إلى الهيمنة على سواها تتخذ من الجيش معبراً رئيسياً لقرارها، فتصوغ له عقيدته بما يناسبها وتفرض عليه التسليح الذي تراه وتدربه بما يوافق سعيها، وتمنع عنه كل ما تخشى منه من عقيدة أو سلاح أو تدريب يجعل منه قادراً على صياغة الموقف المستقل عنها.

وفي لبنان كان بديهياً أن ينشأ للدولة بعد استقلالها جيش يضطلع بالمهام التي ذكرت، وعلى رغم التأخير أصبح للبنان المستقل جيشه الوطني بعد مضي ما يقارب السنتين على استقلاله، لكن الجيش اللبناني المولود عام 1945 اصطدم ابتداء بنظرية عجائبية تقوم على القول إن «قوة لبنان في ضعفه»، نظرية أطلقت لتبقي لبنان في حال يوافق مصالح الغرب الاستعماري، ويبقيه في دائرة سيطرته إن من حيث العقيدة أو التسليح أو التدريب، وقد أوكل أمر الترويج لهذه النظرية لطبقة سياسية فرضت على لبنان ضمن منظومة حراس المصالح الأجنبية ممن يسمون حكاماً.

لقد سادت نظرية «القوة في الضعف» وعمل بها في لبنان من أجل تبرير التقصير أو التخلف أو الإحجام عن بناء الجيش القوي خصوصاً بعد أن أقامت الحركة الصهيونية دولة على أرض اغتصبت من فلسطين وراحت تتطلع إلى الجوار ومنه لبنان طامعة في الأرض والثروة والوظيفة.

وعلى رغم تعاظم الخطر الصهيوني على لبنان، وعلى رغم وضع التهديد الإسرائيلي للبنان موضع التنفيذ باحتلال الأرض وانتهاك السيادة وتعطيل الاستفادة من الثروة المائية، على رغم كل ذلك لم تتراجع الطبقة السياسية المتحكمة بلبنان عن خيارها «قوة لبنان في ضعفه» ما أدى إلى إطلاق «إسرائيل» استخفافاً بلبنان قولها الشهير أن «فرقة موسيقية عسكرية إسرائيلية تكفي لاحتلال لبنان» وتأكيدها بأن «لبنان سيكون ثاني دولة عربية توقع اتفاقية سلام استسلام معها»، قول وجد تطبيقه الفعلي عام 1982 حيث كان احتلال العاصمة اللبنانية، وفي عام 1983 حيث كان توقيع اتفاقية الإذعان الاستسلامي – استسلام لبنان لـ«إسرائيل»، ولأن الجيش اللبناني كان محاصراً بالقرار السياسي المترجم حرماناً من السلاح والقوة العملانية فإنه لم يمنع الاحتلال ولم يحل دون اتفاقية الاستسلام.

وفي رد فعل شعبي على عجز السلطة، ورفضاً من فئة من الشعب للاحتلال وللإذعان، ظهرت المقاومة في لبنان مقاومة تطورت إلى أن امتلكت السلاح والتقنية والخبرة من دون أن تكلف الخزينة قرشاً واحداً، مقاومة امتلكت من القوة ما مكّنها من إسقاط اتفاق الاستسلام أولاً ثم تحرير الأرض تدريجاً، ثم إرساء «معادلة الردع مع إسرائيل» وتسفيه ما كان العدو يعتقد به من ضعف لبنان، لا بل جعلت الصورة تنعكس ومكّنت قائد المقاومة من وصف «إسرائيل» وعلى بعد بضعة كيلومترات من حدود فلسطين المحتلة، وصفها بأنها أوهن من بيت العنكبوت وصف سلم به مسؤوليها ولو بعد 14 سنة من إطلاقه.

لقد كسرت المقاومة القيد الغربي على لبنان الذي يمنعه من امتلاك القوة، فناصبها الغرب الاستعماري العداء وشن الحرب عليها مستخدماً في الداخل الفئة نفسها من دعاة الضعف الذين ما زالوا هم عبر ورثتهم أو بدلائهم من الطبقة ذاتها ليكونوا رأس الحربة ضد المقاومة، فكانت الحرب على المقاومة قاسية لم يوفر فيها سلاح من مادي ومواجهة في الميدان إلى إعلامي وحرب نفسية، إلى مالي وحصار وعقوبات، إلى سياسي وقضائي ومحاكم جنائية، لقد استعمل كل ذلك من أجل أن يجرد لبنان من قوته التي امتلكها خلافاً لقرار الغرب… لكنهم فشلوا وكانت المقاومة الأقوى في المواجهة فاستمرت في الميدان واستمر تعقبها من قبل رافضي القوة للبنان.

وفي سياق خداعهم، سوّق أعداء المقاومة لرفضهم بأنهم يريدون الدولة وأطلقوا شعار العبور إلى الدولة ما جعل البعض من حسني النية يظنون بصوابية مواقف هؤلاء، ولكن كانت الفضيحة مدوية عند ما أطلق أعداء المقاومة أنفسهم المواقف السلبية من الجيش اللبناني وعلى أكثر من صعيد، فكانت مواقفهم تلك مناقضة كلياً لطرحهم العبور إلى الدولة، لأن السؤال البديهي هنا: هل من دولة من دون جيش؟ وهل من استقرار وطمأنينة وأمن في دولة من دون جيش قوي؟

ويتابع أعداء منطق القوة للبنان استهدافهم للجيش، وتتعدد جبهات استهدافهم له، ويتوزعون الأدوار في ما بينهم بإشراف السيد الخارجي الذي لا يريد جيشاً قوياً في لبنان كما لا يريد مقاومة، لأن في الأمرين إزعاجاً وضيقاً لإسرائيل وللإرهاب الذي اتخذته أميركا أداة استثمار رئيسي لتدمير المنطقة تمهيداً لوضع اليد عليها وإعادة صياغتها بالشكل الذي يضمن المصالح التي وضع المشروع الصهيوأميركي لتحقيقها.

إن الجيش اللبناني يتعرض الآن من قبل «تيار المستقبل» الممثل الحالي لمصالح الخارج في لبنان، لأعتى موجة استهداف وحصار متعدد العناوين والجبهات، فهذا وزير داخليتهم يشكك بمديرية المخابرات التي يشهد الخبراء بحرفيتها ويقرون بقدراتها في إنجاح العمليات العسكرية وتفكيك الخلايا الإرهابية والخلايا «الإسرائيلية»، ولم يكفه ذلك بل حرض بشكل غير مباشر على عدم الاستجابة الشعبية للمتطلبات الأمنية ما يعقد عمل الجيش ويعرضه للفشل في مهامه العملانية، وهذا نائب عكاري مستقبلي ينافس زملاء له في التحريض على الجيش والدعوة الطائفية ضده التي استدرجت إطلاق النار على العسكريين، مواقف اتخذت بعد أن كانت كتلة المستقبل «أبدعت» في مشروع سلسلة الرتب والرواتب في التضييق على رواتب العسكريين.

لكن الأدهى من كل ما تقدم هو الموقف من تسليح الجيش، في ظرف عصيب يعلم فيه العاقل المتتبع كما الرجل العادي البسيط بأن لبنان بات في عين عاصفة الإرهاب وأن انفجار القنبلة الإرهابية على حدوده أو حتى في الداخل أصبح مسألة وقت وظرف فقط، في ظل هذا الخطر الداهم يخرج تيار المستقبل بموقف فاجر معطل لتسليح الجيش ما يحرمه من الذخيرة والسلاح اللازم لمواجهة الإرهابيين وحماية لبنان.

لقد أرهق اللبنانيون طيلة سنة كاملة في متابعة موضوع هبة الثلاثة مليارات السعودية لتسليح الجيش ـ ثم كان إعلان آخر عن هبة مليار إضافي تبين أنه مليار حاجب للأولى ولكن يبدو أن الثانية كالأولى قول بلا فعل لتبقى مخازن الجيش اللبناني تنتظر السلاح الذي لن يأتي كما يبدو لأن هذه الهبات لن تصرف بل هي وعود قاطعة لطريق التسليح الجدي الذي لا تتحمله الخزينة التي نهبها رافضو القوة الوطنية.

في ظل هذا الوضع المخيف والخطر، يأتي عرض إيراني واضح وفعال، لأنه بكل بساطة يعرض تقديم هبة مجانية تتضمن مبدئياً سلاحاً ناجعاً في محاربة الإرهاب وبفعالية، ففيه السلاح الموتر الخفيف والمتوسط والثقيل، وفيه السلاح المنحني المتوسط وفيه الصواريخ المضادة للدروع وللتحصينات و يه الذخائر المناسبة للأنفاق والخنادق، أي ببساطة انه تماماً ما يلزم الجيش في حربه ضد الإرهاب مع استعداد إيراني لتقديم أسلحة أخرى فيها طائرات الهليكوبتر وطائرات من دون طيار حاملة الصواريخ، تسلم إلى لبنان إذا قبل ومن دون أي شرط أو قيد. هبة تعطى من دون عمولة ومن دون سمسرة بل هي هبة تحت شعار «من مخزن إلى مخزن» من دون وسيط أو مصرف أو يد أو جيب.

كان منطقياً أن يتلقف لبنان هذه الهبة تلقف الأرض العطشى للماء، لكن عرض – الهبة التي تبينت جديتها وفعاليتها أرعب رافضي التسليح فسارعوا إلى رفضها متذرعين بذرائع واهية، والحقيقة هي أن الرفض هو رفض للقوة وإصرار على ضعف الجيش، لأن قوة الجيش اللبناني المتكامل مع المقاومة تعطل الاستثمار الأميركي في الإرهاب، وتؤلم «إسرائيل» التي تجرعت معادلة توازن الردع مع لبنان، بعد أن بلور لبنان معادلة الشعب والجيش والمقاومة التي رجمتها أيضاً فئة تابعي أميركا ذاتهم.

إن رفض الهبة العسكرية الإيرانية غير المشروطة هو في الحقيقة رفض لامتلاك لبنان القوة التي تجعله قادراً على حماية مصالحه بعيداً عن تحكم الغرب الاستعماري بها، وإن الرافض الحقيقي للهبة هو هذا الغرب أما وظيفة الأتباع في الداخل فلا تعدو تمثيل الغرب في رفضه، فالغرب بقيادة أميركية وتبعية فرنسية يرفض أن يخرج لبنان من دائرة تحكمه الحاضرة، فإذا كانوا عجزوا عن تغيير العقيدة الوطنية للجيش على رغم سعيهم لعقد من الزمن لذلك فإنهم يصرون على بقاء مفاتيح التسليح والتدريب بيدهم.

ومع هذا نرى أن الشعب اللبناني الذي اجترح مقاومة كسرت قيودهم وأذهلت العالم، مقاومة جاءت نتيجة التضييق على الجيش في مواجهة إسرائيل، وكما أن رفضهم للتنسيق مع الجيش العربي السوري لم يمنع الأخير من القيام بما يلزم للدفاع عن لبنان وسورية ضد الإرهاب، فأننا نرى أن عراقيلهم لن تحول دون الوصول إلى حل يحمى به لبنان نفسه في مواجهة الإرهاب الذي يطرق الأبواب، حل نرى انه لن يكون في مصلحة مانعي القوة عن الجيش اللبناني الذين باتوا يخافون من وعي الشعب وقراره ولهذا يستميتون الآن من أجل التمديد لمجلس النواب حتى لا يحتكموا للشعب ويفتضح أمرهم.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017