إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

عمان يا عمان بقلم الامين سمير رفعت

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2020-12-08

إقرأ ايضاً


كان شارع الحمرا في بيروت ملتقى المثقفين والصحفيين والأدباء والفنانين، فمن أضاع صديقاّ كان يجده في شارع الحمرا او في مقهى الهورس شو الذي كان "بؤرة" ثقافة وسياسيبن وشعراء... كنا نمشي أخذين الشارع من أوله وحتى نزلة أبو طالب في آخره ثم نعود لنحتسي قهوة الهورس شو وندردش مع هذه الطاولة وتلك، الجميع يعرف الجميع فلا غريب بينهم، وكانت بيروت في بداية السبعينيات تعج وطنية ومقاومة خاصة بعد ان وفد اليها رجال المقاومة الفلسطنية من الاردن بعد أحداث أيلول الاسود-عمان.

كنت أتمشى و زهير الوزير شقيق خليل الوزير أبو جهاد القائد الفلسطيني الذي فجر انتفاضات الضفة الغربية فيما بعد.. أبو جهاد ، أهداني مسدسه الذي رافقني من عمان الى بيروت فدمشق حتى تعرض بيتي هناك للسرقة فكان بين المسروقات مع المال والحلي العائد لزوجتي. وحين إتصل بي اللواء محمد خضور مدير إدارة الأمن الجنائي في سوريا يعلمني انهم أمسكوا بأحد السارقين ، ذهبت و زوجتي للتعرف عليه، أحضروا شاباّ في مقتبل العمر وقد أعترف بأنه و اثنين من اترابه قاموا بسرقة منزلي، نظرت الى زوجتي فوجدتها وقد إمتلأت عيناها بالدموع، ووقفت وقالت للواء خضور: نحن نسقط حقنا في الادعاء على هذا الشاب ... وقفت مستغرباّ موقفها الذي لم افهم دافعه، حتى خرجنا من مبنى إدارة الأمن الجنائي وسألتها لماذا قامت بهذا العمل ؟ أجابتني ودموعها ما زالت تنهمر: قبل أيام قام الشهيد وجدي الصايغ بعمليته الإستشهادية البطولية، هذا الشاب يشبهه كثيراّ تخيلته أمامي فلم أستطع الإستمرار في الإدعاء عليه، ثم لو اننا وصلنا بأفكارنا اليه ما كان مشروع سارق، بل قد يكون كوجدي مشروع رفيق او شهيد

وبعد فترة ليست طويلة زارني اللواء محمد خضور مدير ادارة الأمن الجنائي في منزلي بدمشق يرجوني ان نلغى إسم ابن أخته من قائمة الإستشهاديين القوميين الإجتماعيين، اذ كان رفيقا وتقدم ليقوم بعمل إستشهادي ضد عدو الوجود في لبنان، قال لي: انه وحيد أمه ويرجو ان نتجاوزه الى رفيق آخر.

بعد هذه الحادثة بأيام قلائل وقف شاب أمام سيارتي قاطعا طريقي وكانت زوجتي بجانبي، قال معرفا بنفسه انا الرفيق فلان لقد سجلت إسمي في عداد الرفقاء المتأهبين للاستشهاد و أرى ان دوري لم يأت بعد، وأخاف ان تنسحب "اسرائيل" قبل ان أقوم بعمليتي... أقسم بسعاده انني سأنتحر عند ذلك.. هدأت من روعه وعرفت انه الرفيق إبن أخت اللواء محمد خضور وعلمت انه بقي وحيدا لأمه .

أعود الى شارع الحمرا.. وزهير الذي درس الطب في رومانيا، ويوم تخرجه من الجامعة ولحظة توزيع شهادات التخرج، نودي على زهير الوزير يتسلم شهادة تخرجه وحين قرأها وجد ان وطن الطالب المتخرج زهير الوزير هو "اسرائيل" اعترض امام الجميع على التسمية مصرا على ان وطنه أسمه فلسطين.. لكنهم أجابوه ان فلسطين اليوم هي "اسرائيل" بنظر العالم أجمع... حينها أجابهم بكل ثقة: انا بالنسبة لي فهي فلسطين وستبقى فلسطين، لذلك أرفض تسلم شهادتي طالما انها تحمل اسم "اسرائبل". وبالفعل عاد من رومانيا بعد دراسة سنوات طويلة دون ان يحصل على شهادة التخرج.

أعود الى شارع الحمرا، وبينما كنا نتمشى زهير وانا، فاجأني في الشارع الضابط الاردني الذي لقيني امام مبنى المخابرات في العام 1970 بصفعة على وجهي وصفة كلب بعد ترحيبه بي ظناّ منه اني آت من التلفزيون الاردني، كان بلباس مدني وبجانبه سيدة تقابلنا وجهاّ لوجه، فتسمر هو في مكانه بينما السيدة رحبت بي بمودة زائدة قائلة لي :اهلاّ بمذيعنا المحبوب آراك هنا.. ترى هل تركت عمان؟..

التفتت الى الشخص الذي يرافقها قائلة له: يوسف الم تتذكر الاستاذ سمير إنه المذيع في التلفزيون الأردني .. اما هوفلم ينبس ببنت شفة.. عندها وجهت كلامي اليهما مرحبا باحترام وعارضاّ خدماتي عليهما ظناّ مني انهما يزوران بيروت.. قلت لهما أنا أضع نفسي بتصرفكما وسيارتي كذلك حتى تنهيا زيارتكما السياحية الى لبنان.. شكرتني السيدة ثم غادرا.

التفت لزهير الوزير أكمل مشواري معه.. قال متسائلاّ هل تعرف الملحق العسكري الاردني قي لبنان!.. أجبته بالنفي.. و لكني رويت له حادثتي معه أمام مبنى المخابرات ساعة اعتقالي. استغرب بل استهجنزهير لطفي الزائد معه ومع زوجته بينما كنا نستطيع ان نسمعه أسوأ الكلمات ان لم يكن اكثر من ذلك.. خالفت زهير في موقفه قائلاّ له: عند ذلك سأكون مثله تماماّ..

مرت السنوات وطلب مني الاستاذ أحمد اسكندر أحمد وزير الاعلام الشامي خلال فترة المصالحة الشامية – الاردنية ان أذهب الى عمان لإجراء برامج للتلفزيون السوري.. ووجد وزير الاعلام صعوبة في إقناع وزير الاعلام الاردني عدنان أبو عوده بالموافقة على استقبالي لما لي معه من تاريخ حافل خلال احداث أيلول 1970.. ذهبت الى عمان وصورت فيلمين تلفزيونيين الأول عن الجامعة الاردنية والثاني عن مدينة الحسين الطبية.

خلال وجودي في عمان قال لي ابن اختي الدكتور طالب الرفاعي وكان عميداّ لكلية الهندسة في الجامعة الاردنية ان زوجة أحد الأساتذة تدعونا الى العشاء في منزلها في عمان.. والدعوة على شرفي.. ولم اكن اعرف السيدة او حتى زوجها زميل طالب في التدريس بكلية الهندسة.

ذهبنا الى العشاء في فيلا جميلة في عمان وكان المدعوون من اصدقاء وزملاء طالب كل مع زوجته، كان العدد كبيراّ. بعد العشاء توقفت السيدة صاحبة الفيلا مطالبة الجميع بالاستماع اليها عن سبب اقامة هذه الدعوة على شرفي و بسبب وجودي في عمان، قالت ان الاستاذ سمير قد أعطى اخي درساّ في الاخلاق لم يستطع نسيانه، فأخي كما تعرفون هو العميد فلان تصرف مع الاستاذ سمير رفعت خلال أحداث أيلول الاسود تصرفاّ لا اخلاقياّ أمام مبنى المخابرات.. وبالمصادفة التقيا في بيروت حين كان ملحقاّ عسكرياّ هناك.. و من دون ان يعرف الاستاذ سمير سبب وجود اخي في بيروت، ظنه سائحاّ او زائرا عادياّ، قدم له و لزوجته كل الترحيب وعرض عليه ما يستطيع من خدمات وهو القادر ان يرد له سوء تصرفه.. لكن أخلاقه منعته من ذلك.. وحين عرفت بوجود الاستاذ سمير خال الدكتور طالب زميلنا في عمان أردت ان اعبر له عن اعتذارنا الشديد.. وحاولت اقناع اخي بالحضور الليلة لكنه قال لي انه لا يستطيع مواجهة الاستاذ سمير .. لذلك فأنا اعتذر نيابة عنه..

شكرتها على دعوتها وعلى محاولة تصحيح ما فعله غيرها، ثم حاولت ان اغير جو الدعوة بعد ان حاول البعض معاودة الأحاديث السطحية التي كانت تطرح قبل مبادرة صاحبة الدعوة بشرح سبب الدعوة.. إذ كانوا يتحدثون عن موديلات السيارات والفيلات الحديثة التي شيدت و آخر صرعات الموضه النسائية.. سألت الجميع، وقد كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد اندلعت، من منكم يعرف سبب الصراع الذي تشهده المدن اللبنانية بين الأهل، هل يعرف أحدكم دور العدو الاسرائيلي في إذكاء الصراعات الطائفية والمذهبية بين أبناء البلد الواحد.. كما في الاردن.. وقبرص.. ولبنان ، ورحت أشرح للجميع مدى الدور التخريبي والتأمري الذي يقوم به من إرتبط بهذا المشروع.. وطال الحديث حتى ساعات الصباح وغادرت بعدها شاكراّلأهل البيت دعوتهم..

في الثامنة صباحاّ، بينما كنت أهم بالاستيقاظ بعد سهرة طويلة اتصل بي موظف الاستعلامات في الفندق الذي انزل به قال لي: هناك سيدة تريد محادثتك.. تحدثت معها فعرفت بنفسها: اني أمينة بزوقه مديرة مكتب رئيس الجامعة الاردنية كنت أمس في العشاء الذي اقيم على شرفك.. رأيتها، وتذكرت انها كانت مستمعة جيدة لحديثي عن أحداث لبنان والمنطقة، قالت لي :أتيت أسألك لماذا تختلف بأهتماماتك عن الآخرين.. كانت اهتماماتهم بموديلات السيارات الحديثة، فلان اشترى تلك السيارة وفلانه انهت الفيلا العائدة لها، وثالثة راحت الى اوروبا لشراء آخر صرعات الموضه.. وانت تتحدث عن الصراع مع العدو الاسرائيلي، وكيف أنه صراع وجود لا صراع حدود.. وما دور هذا العدو في صراعاتنا المحلية.. أجبني لماذا تختلف عن الاخرين؟

فاجأتني بسيل الأسئلة التي ذكرت بعضاّ منها: و سالتها الا يوجد مكتبة عامة في الجامعة الاردنية.. اذهبي اليها وفتشي عن اي مؤلف للزعيم انطون سعاده، المحاضرات العشر، نشوء الامم، الاسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية، وغيرها، وباشري بقراءته حتى تتعرفي على سبب إختلافي عن الاخرين.

ذهبت الى الجامعة الأردنية لموعد لي في الحادية عشرة من نفس اليوم ذاته مع رئيس الجامعة لأبحث عن فكرة الفيلم الوثائقي عن الجامعة .. سألت عن أمينه بزوقه التي من المفروض ان تستقبلني في مكتب رئيس الجامعة .. فقيل لي انها أخذت إجازة اليوم وهي موجودة في مكتبة الجامعة..

انهيت مهمتي في الاردن وعدت الى دمشق وبعد سنوات جاءني هاتف..انا الرفيقة أمينه بزوقه سآتي الى دمشق لملاقاتك غداّ حضرة الأمين سمير .. تحيا سوريا... انتهى الهاتف.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021