إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

بعض من مواقف العز

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2021-06-10

إقرأ ايضاً


هذه النبذة كنت نشرتها، حينما كنت أتولى مسؤولية عميد شؤون عبر الحدود، بتاريخ 14/10/2009، وكانت وردت من الدكتور عيسى حاماتي، وفيها يقدّم مرويات جديرة بأن تُقرأ، فنتعرّف أكثر كيف كان رفقاؤنا في الشام يتحدّون أجهزة المكتب الثاني ويحتفلون بالأول من آذار، ومثلهم فعل رفقاؤهم في لبنان بعد الثورة الانقلابية، وكان جبل "صنين" أحد قمم لبنان التي وصل إليها الرفقاء والأشبال وأشعلوا النيران.

*

وردنا من الرفيق الدكتور عيسى حاماتي، وهو غير رفيقنا عيسى حاماتي المسؤول في أوتاوا، تلك المرويات عن احتفال رفقائنا في الأول من آذار، في أواسط خمسينيات القرن الماضي، جديرة بأن تُقرأ وأن يُحتذى بها في كلّ صراعنا المرير، إلى أن ننتصر.

*

في الأول من آذار ضيّع والدي فردة صباتو

عدتُ إلى الوراء أكثر من خمسين سنة، فتشتُ في مستودع ذاكرتي، فماذا وجدت؟؟

صيف 1955 كان عمري عشر سنوات، وكانت حدود مملكتي لا تتجاوز ضيعتي "تنورين"(1)، وأظن أنّ ما كان يجري في ضيعتي كان يجري في ضيع الوادي الأخرى.

ذلك الصيف كان قاسياً ومؤلماً في نفس الوقت، لقد سُجن الكثير من أقربائي، والكثير من أبناء ضيعتي، كما أنّ الكثيرين منهم سُرّحوا من وظائفهم بعد سجنهم وتعذيبهم.

كان الكثير من أبناء ضيعتي ينامون في الأحراش، وكل ليلة يبدّلون مكان نومهم، خوفاً من الوشاة، وخوفاً من زوّار الصبح. كانت الشرطة العسكرية تأتي تقريباً كلّ يوم، تفتّش البيوت وتطارد المطلوبين.

كانت النساء تخفين الطعام تحت ملابسهنّ، وتذهبن للكروم لإيصال الطعام للشباب الهاربين من وجه الشرطة. في تلك الأيام لمع اسم "عبدو حكيم" (لا أدري إن كان مساعداً أو ضابطاً في الشرطة العسكرية) وكان بارعاً في التعذيب.

كان التوتر يخيّم على ضيعتنا، وخاصة بين الواشين والموشى بهم.

في هذا الوقت، كان يعمل في ضيعتنا، في بناء الأقبية، اثنان من شيوخ المعسرجية هما: بو نيدر (والد المرحوم الأستاذ عيسى النيدر) ويوسف الحبقة (والد الأستاذ حنا سعادة)، وكنت أحسّ تعاطفهما مع أقربائي.

بعض الذين سُجنوا كانوا حزبيين، فزادهم السجن تمسّكاً بعقيدتهم، وبعضهم لم يكن حزبياً فجعله السجن حزبياً.

أحد أقربائي كانت زوجته حامل عندما دخل السجن، وعند خروجه ولدت زوجته طفلة سمّوها "نجاة"، (نجاة عندها الآن ثلاث بنات كلّهن طبيبات).

كان أستاذاً من "تنورين" اسمه: ديب ديب، وكان يجيد الفرنسية (كونه بقي في الدير في لبنان عدة سنوات، على أساس أن يصبح كاهناً، وهو خال الدكتور مروان ملوحي)، هذا الأستاذ سُرّح من عمله، فعاد إلى الضيعة، وعمل مقلعاً للحجارة. وفي أحد الأيام، أثناء تفجير الصخور، أُصيب العامل الذي يعمل معه بجروح، فأركبه على الجحشة وأخذه إلى مشفى "عين العجوز"، وكان يعمل في المشفى طبيب ألماني اسمه فيشر، (وكان الأستاذ ديب يرتدي ثياب العمل العتيقة الممزقة)، وبدأ الأستاذ ديب يتحدث الفرنسية بطلاقة، فقال له الدكتور فيشر: لماذا تعمل في هذه المهنة الشاقة ولا تتوظّف؟!، أجابه الأستاذ ديب: كنت موظّفاً وسُرّحت من وظيفتي.

- ولماذا سُرّحت من وظيفتك؟؟

• من أجل عقيدتي وانتمائي الفكري.

هنا بدأ الدكتور فيشر ينظر إليه باستغراب وتعجّب... هذا الرجل عنده عقيدة وانتماء فكري؟!

كان والدي عسكرياً (أو لم تكن له ميول سياسية)، وفي بداية عام 1957 سُرّح من الجيش وعاد إلى الضيعة وصار يقضي وقته مع أقربائنا.

في شباط من ذلك العام طلبوا منه المساعدة، فقال لهم: أنا جاهز.

في منتصف شباط داروا ليلاً على تنانير الضيعة وجمعوا ما استطاعوا جمعه من الصفوة، كما ذهب أحدهم إلى "مرمريتا"، عند عبدالله الخربيش واشترى تنكة كاز (قاموا بهذه الأعمال دون أن يعلم بهم أحد)، وليلة الأول من آذار جلبوا الصفوة بالكاز ووضعوها في عدة سطول، وعندما عتّمت الدنيا انطلقوا إلى جبل المخوزق (من دون أن يدري بهم أحد، وكان والدي معهم)، وكان الخوف يرافقهم وكانوا يحسّون أنّ الشرطة في انتظارهم، وذلك لشدّة خوفهم، لم يمشوا على الطريق المعتاد بل ساروا بين البساتين، وكانت الظلمة حالكة.

كانوا يحملون السطول الملأ بالصفوة المجبولة بالكاز. وعندما وصلوا إلى قمة جبل المخوزق، وزّعوا كبابيش الصفوة على عدة أحجار، وأشعلوا فيها النار احتفاءً بذكرى الأول من آذار.

في هذه الأثناء كانت مجموعة أخرى (قد تكون من مرمريتا) تقوم بالعمل نفسه.

عندما أحسّوا بحركة جانبهم (لم يكونوا يعلمون بالمجموعة الأخرى) ظنّوا أنّ الشرطة بانتظارهم، فبدأوا بالركض إلى أسفل الوادي وكان الظلام حالكاً.

والدي خرجت فردة صباطو من رجله، تابع الركض بفردة واحدة، وعندما وصل إلى البيت أخبر والدتي بما حصل. بعد أسبوع، أخبرتني والدتي كيف أنّ والدي قد ضيّع فردة صباطو، وطلبت مني أن لا أخبر أحداً بما حصل، لأنّه لو علم الناس بالقصة لوصل خبر للشرطة، ولعرفت الشرطة من أشعل الزينة على "المخوزق" احتفاءً بذكرى الأول من آذار، ولذهب إلى بيت خالتو.

كتمت هذا الخبر ومع الأيام نسيته، والآن عندما بحثتُ في مستودع ذاكرتي، وجدته، فقصصته عليكم.

هوامش:

(1) تنورين: تقع في "وادي النضارة"، وهي غير بلدة "تنورين" في أعالي قضاء البترون. لمراجعة النبذة عنها الدخول إلى الموقع التالي: www.ssnp.info.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021