إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

ثقافة العِلم والعقل الأمين الدكتور ادمون ملحم

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2021-06-25

إقرأ ايضاً


من حضرة الأمين د. ادمون ملحم تلقيت دراسته اللافتة بعمقها ومحتوياتها الغنية، اذ ننشر عناوين الدراسة، نكتفي بإيراد المقطع بعنوان "العودة الى التاريخ"

الدراسة من 36 صفحة، ويمكن إحالتها لمن يرغب.

ل. ن.

*

1- أهمية العقل

2- نهضة الغرب

3- العصر العلمي الحديث

4- واقعنا الإجتماعي

5- العوامل المساهمة في إنحطاطنا الحضاري

- أوهام مهترئة ومعتقدات موروثة

- فقدان الثقة

- التخطيط الصحيح

- المؤسسات القومية الصالحة

- الثقافة النهضوية

- القراءة

6- من حالة اللارشد إلى الأخذ بأسباب العلم

7- إصلاح حياتنا

- إيقاظ عقولنا

- بناء المجتمع المحصّن

- التخطيط القومي

- التفكير العملي-العلمي-المنطقي

- رؤية إنسانية مستقبلية

- التربية القومية الصحيحة

8- التفكير العملي-العلمي

9- التربية القومية

10- العودة إلى التاريخ

*

1- العودة إلى التاريخ:

لا بد لنا من العودة إلى تاريخنا لا لنفاخر بالماضي وأمجاده ولا لنهرب من الواقع المؤلم خوفاً من مواجهة الحقائق القاسية السافرة، بل من أجل أن نستلهم منه الأفكار الحية - النافعة وكل ما يبعث هممنا ويجدّد أملنا ويشعل روح الحماسة في نفوسنا ويساعدنا في إعداد العدة اللازمة للإقدام والسير للأمام.. لذا لا بد من الرجوع إلى تاريخنا المضيء واستكشاف الإتجاه العملي- الصراعي الذي امتازت به بلادنا على مر العصور والذي نجد البرهان عليه في "الطابع العمراني الذي نشرته سورية في البحر السوري" ، وفي حضارتها العريقة في القدم وفي إنتاج رجالها الفكري والعملي وفي كل فنونها وعلومها ومآثرها الثقافية المعبّرة عن نفسية صراعية عملية مقتدرة للإضطلاع بالحياة ومتاعبها وساعية دائماً للسيطرة على ظاهرات الكون ونواميسه وإلى تحقيق الوجود المجتمعي السامي الجميل. هذا هو الإتجاه الذي نحتاج إليه لكي نواجه مشاكلنا الراهنة وننهض من كبوتنا ونسير إلى الأمام.

ألم تنتج بلادنا المعارف والعلوم والشرائع والفلسفات؟ ألم تُظهر المكتشفات الأثرية أن سورية هي مهد الحضارة الإنسانية وهي منبع العطاءات والإنجازات في كل ميدان من ميادين المعرفة؟ يقول سعاده في معرض نقضه للمدعو زكي قنصل الذي "يجهل تاريخ الشعب السوري كل الجهل، إذ هو يجهل أنه أول شعب حكّم العقل في شؤونه فنفض عنه الأوهام الشرقية، وابتكر واخترع ونظّم في الاقتصاد والسياسة من زراعة وصناعة واستعمار وملاحة. وفي العلم من بحث وتنقيب واكتشاف وتدوين. وفي الفنون من موسيقى وحفر ونقش ورسم." فلماذا لا نعود إلى آثارنا وتاريخنا القومي- الثقافي وننهل من تراثنا الغني بالمآثر الثقافية وبالعلم والفن والإبداع؟

نحن أمة اخترعت الكتابة والأبجدية السورية الأولى وأنشأت المدارس الأولى في وادي الرافدين وأعطت الشرائع الأولى وأهمها شريعة الملك حمورابي التي عمّت بابل وجميع البلاد التي دانت لها. ومن المعروف ان الكنعانيين (الفينيقيين) القادمين مع قدموس للبحث عن شقيقته أوروبا التي خطفها زيوس ومضى بها إلى أثينا، حسب ما كتب هيرودوت في القرن الخامس، علّموا الأبجدية السورية الأولى للإغريق وأصبحت أبجدية أثينا، ثم تحوّلت إلى الأبجدية اللاتينية عندما نقلها السوريون المعروفون بالإتروسكيين (نزحوا من الساحل السوري وكيليكيا واستقروا في شمالي إيطاليا) حوالي عام 800 ق.م. إلى الرومان كما نقلها الإغريق إلى البلدان الأوروبية الأخرى عبر الأحرف اللاتينية. والأبجدية، كما هو معروف، اكتشفها الفينيقيون في أوغاريت، وطوّروها في بيبلوس جبيل. وهي تعتبر أساس التمدن الحديث والثقافة العقلية. وكما يشير سعاده: "قادت الأبجديّة العالم في طريق المعرفة والعلم وتفوّق القوى العقليّة على صعوبات الطّبيعة إلى الآلة الاقتصادّية.. إلى عصر الآلة الصناعية الذي هو عصر التمدن الحديث."

نحن أمة العقل والحكمة، أمة التفكير الفلسفي والعقلي- المنطقي، أمة المعارف والإبتكارات العلمية والمنجزات الحضارية.. ألم يعطِ السوريون أثينا عقائدها وعباداتها بحيث أصبحت الآلهة الكوكبية هي المثل العليا والمصدر الأساس لقوى الخير والحب والخصب والثواب؟ فماذا يمنعنا من أن نكون مجتمعاً مستنيراً ومتقدماً علمياً وقادراً على ترتيب أوضاعه الإجتماعية على هدي العلم والمعرفة والعقل؟ ماذا ينقصنا لكي نحترم أسلوب التفكير العلمي ونأخذ به في حياتنا فنعتمد النظرة العقلانية المنطقية في تدبير شؤون حياتنا؟ وماذا يمنعنا من بناء إنساننا بالفضائل والقيم والمناقب الجديدة، وتنقية عقله وتنمية مواهبه وإمكاناته الإبداعية وتوجيه مشاعره واهتماماته وتعزيز ثقته بنفسه وشعوره بالمسؤولية ليكون إنساناً حراً قادراً على العمل والمثابرة وبذل الجهد من أجل نجاحه وتفوقه وتقدمه وتحقيق إنسانيته؟

لنقرأ عن تاريخنا المضيء ونستلهم منه الإشعاعات التي تنير دروبنا إلى العلم والتقدم والإرتقاء، إلى البحث عن الحقائق ومعرفة الحق والدفاع عنه، وإلى التحرر من قيود الجهل والخرافة والإنعتاق من أغلال العبودية والهوان.. إن اللحاق بركب العصر لا يتم إلا بالعلم والتخطيط والإيمان بالعقل. لذا يجب علينا ان نحترم العلم ونتبع طريقه لنكتسب المعارف الجديدة. فالعلم لا يشكّل تهديداً أو قوة معادية لأحد، بل هو سبيلنا لإحراز التقدم ولفهم أنفسنا والعالم المحيط بنا.

لنقرأ عن الحفريات والمكتشفات الأثرية الحديثة في أوغاريت (راس شمرا) وإيبلا (قرب بلدة سراقب) وماري (قرب مدينة "أبو كمال") وغيرها من المواقع الهامة التي كشفت عن حواضر قديمة حدّدت بدايات التاريخ التي أظهرت أن الحضارة السورية هي "الينبوع الغزير الذي غرفت منه الأمم كل علم وفن وفلسفة حتى قال أحدهم وهو العالم "اندره بارو" مكتشف مدينة "ماري": "إن كل إنسان في العالم له وطنان :وطنه الذي يعيش فيه وسوريا."

لنقرأ عن أوائل رموز الفكر العلمي والفلسفي أمثال طاليس الفينيقي، أبي الفلسفة، وانوكسيمندر البابلي، وبيتاغورس المولود في صيدا، والمهندس المشهو أبولودور الدمشقي Apollodor المتفوق في الفن المعماري السوري الذي استدعاه الإمبراطور "تراجان" إلى روما لبناء فورم روما الذي ما زالت آثاره واضحة حتى اليوم في العاصمة الإيطالية. كما بنى قبة "البانتيون" وهي أشهر قبة في العالم.

لنقرأ عن زينون الفينيقي الذي جاء بالفلسفة الرواقية الأخلاقية التي نادت بالأخُوّة بين البشر، والتي أحدثت ثورة فكرية - عقلانية ذات أثر بليغ في تسيير الحضارة لأنها حررت الإنسان من عبودية التقاليد ودفعته إلى تحكيم العقل المستقيم والفكر المتحرر لتحقيق الخير والسعادة ومطالب الرقي. لنتعمّق بأفكار هذا الفيلسوف العبقري الذي قال انه ينبغي على الإنسان أن يحيا وفقاً للعقل لأن "العقل لا يختص بالإنسان وحده، بل هو أيضاً من خصائص الوجود الكلي.. فبالعقل نحيا على وئام مع أنفسنا، كما نحيا على وئام مع العالم أجمع.." وعلَّمَ الناس ان يُحَكموا العقل والحكمة في جميع الأمور، لأن العقل هو الحاكم الوحيد القدير على التحكم بعواطفنا ولجم إنفعالاتنا الهوجاء.

لنقرأ عن كروسيوس الرواقي، السوري الأصل، الذي ابتدع منطقاً دقيقاً محبوكاً تميّز فيه بمهارته في الجدل والمحاججة وإثارة الشكوك، بغاية معرفة الحق والوصول إلى اليقين. لنتعمّق في أفكار هذا الرجل لعلّنا نجدّد طريقة تفكيرنا ونعتمد التفكير العلمي والعقلاني. هذا الرجل هو آخر ممثلي "الرواقية القديمة" وأكثرهم إطلاعاً وأكبرهم إنتاجاً عقلياً، وإليه يعود الفضل في إختراع الجدل الرواقي الذي يعتبر اليوم الأساس الذي قام عليه المنطق الرياضي الحديث والعلوم الهندسية والتطبيقات العلمية في مجال التكنولوجيا الحديثة بالإضافة إلى العلوم الطبيعية من فيزياء وكيمياء.

لنعُد إلى تاريخنا ونقرأ عن أنطاكية وامتداداتها كمركز ثقافي خصب شمل إشعاعه سوريا كلها وعن أفامية كمركز علمي بالغ الأهمية.. ولنقرأ عن العراق ومدارسه الفلسفية وعن بيت الحكمة في بغداد الذي أنشئ بمبادرة من الخليفة العباسي المأمون (813-833) والذي لمعتْ فيه طائفة من المترجمين ، وعن سوريا ومدارسها في حرّان، التي اشتهرت بالعلوم الكلدانية الفلكية وبعلم الرياضيات، وفي نصيبين وقنسرين والرّها التي لعبت دوراً كبيراً في نقل الفلسفة والعلوم الهلنستية إلى العربية.

لنفراً عن المفكرِين والمشرّعِين والمصلحِين الذين آمنوا بالعقل ودعوا إلى الإسترشاد به.. وعن التيارات الفكرية والفِرق الدينية التى دعت إلى اعتماد المنهج العقلي، كفرقة المعتزلة مثلاً، التي صاغت علم الكلام الإسلامي وقالت بتغليب العقل على النقل وقالت بالفكر قبل السمع، ورفضت الأحاديث التي لا يقرها العقل؛ وكجماعة إخوان الصفا الذين بحثوا في شتى معارف عصرهم من فلسفة وعلوم وإلهيات، وقالوا في رسائلهم بمذهب أخلاقي يعتمد أولاً، التوفيق بين الأديان والمذاهب لأن في كل منها جانباً من الحقيقة، وثانياً، التوفيق بين الأديان وفلسفات العصر وعلومه، أي التوفيق بين الإيمان والتفكير العقلي، وكان قصدهم "سعادة الإنسان في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى؛ وهذه السعادة تبتدىء باستلام طريق المعرفة" وطلب المعارف الحقيقية التي تقود إلى تصديق العقل.

ولنعُد إلى رواد النهضة في القرن التاسع عشر الذين آمنوا بالعلم والعقلنة ودعوا للإصلاح والتجديد والعصرنة وتحرير العقل من موروثات عتيقة أمثال:

بطرس البستاني، الذي تبنى مذهب العقلانية القائم على سلطان العقل متأثراً بديكارت، محرّك الفلسفة الحديثة الذي وضع القواعد الضرورية لعصمة العقل من الزلل في إدراك الحقائق؛

وعبد الرحمن الكواكبي، الذي بحث في الإستبداد كاشفاً عن معانيه وأنواعه وأشكاله ومراتبه وصوره العديدة ورأى أن "من أسوأ أنواع الإستبداد، استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل" ودعا إل هدم النظام المستبّد القائم واستبداله بنظام ديمقراطي جديد يعتمد العلم والتبصر وتحكيم العقل والتسامح، كما دعا الأمم المنحطّة إلى مداواة نفسها من الإستبداد "عن طريق إحياء العلم وإحياء الهمة" واعتماد العلوم للفوز على الطغيان.

والمفكر الموسوعي الصحافي فرح أنطون، صاحب المشروع العلماني- العقلاني، الذي فصل بين الدين والعلم وأكد على ضرورة اعتماد قوة العلم العظيمة لتنظيم شؤون الحياة الإنسانية دون التخلي عن الإسترشاد بمبادىء الدين وفضائله، لأن العلم كفضيلة عملية يقود إلى تقدم المجتمعات وعمرانها. وبرأي فرح أنطون، إن الأمم المتمدنة لا تتوقف على الدين، بل على العلم. "فليس ثمة مجتمع متقدم ومتطور بغير علم على نفس المقدار من التقدم والتطور." لذلك فهو يهاجم رجال الدين ويتهمهم بالكفر لمنعهم الناس من التفكير الحرّ ولإطفائهم نور العقل الذي خلقه الله ووضعه في الإنسان. "إن مصلحة الحياة تقتضي وقف مقاومة رجال الدين لإبداع العقل وفعل الذكاء البشريين اللذين هما منبع كل رقي."

وشبلي الشميل الذي آمن بالعلم وحرية الفكر وبالمنهج العلمي في التفكير معتبراً ان المستقبل هو للعلم العملي وحده.. وأن إحياء العلوم الطبيعية، أم العلوم الحقيقية، واحلالها محل العلوم النظرية هو السبيل الوحيد إلى التقدم والتحرر وتحقيق آمال الإنسانية.

لنقرأ عن أنطون سعاده الذي آمن بالعقل واعتبره "الشرع الأعلى والشرع الأساسي". فالله، يقول سعاده، "أعطانا عقلاً نعي به ونفكر ونقصد ونعمل فهو لم يعطنا هذا عبثاً." ويضيف: " لم يوجد العقل الإنساني عبثاً. لم يوجد ليتقيد وينشل. بل وُجد ليعرف، ليدرك، ليتبصر، ليميز، ليعين الأهداف وليفعل في الوجود." هذه الموهبة، إذن، أو هذه القوة المميزة المدركة، أعطاها الله للإنسان "لينظر في شؤونه ويكيفها على ما يفيد مصالحه ومقاصده الكبرى في الحياة."



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021