إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الأمين الشهيد توفيق الصفدي عن المجلد الخامس "حوار مع الذاكرة" للأمين غسان عز الدين

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2021-11-04

إقرأ ايضاً


سمعت عنه، ثم عرفته جيداً في نشاطه الحزبي متولياً مسؤوليات مركزية، فكان يلفتني فيه عفويته، جرأته، اندفاعه، وتفانيه في العمل الحزبي،

يصح ان يُكتب الكثير عن المناضل القومي الاجتماعي الأمين توفيق الصفدي الذي سقط مع الأسف الكبير في احدى مراحل المعارك الحزبية الداخلية، المدانة.

عن الجزء الخامس من "حوار مع الذاكرة" يورد الأمين الصديق الراحل غسان عزالدين هذه المعلومات التي تضيء على مسيرة الأمين الشهيد توفيق الصفدي.

ل. ن.

*

من حيفا الى بيروت رحلة تشرّد... وفي السجن تعلّم القراءة

العميد الأمين توفيق الصفدي

من هو توفيق الصفدي

هذا المؤمن بالانتصار رغم كل الهزائم... من شاطئ حيفا حيث ولد عام 1943 امتطى الموج يحمل وجع فلسطين، قضية الامة، كان صغيراً جداً عام النكبة فحملته مع طوف البشر النازحين المشردين من الأرض المحتلة واستقر بالقرب من صيدا يتصارع مع الفقر والعمر.

انتقل توفيق الفتى الى بيروت عساه يتعلم مهنة فعمل بالتجارة، كان فتى عندما تعرف على الحزب وانتمى عام 1961 ستة أشهر ودخل السجن! كان في السادسة عشرة من عمره... اصغر السجناء وأكثرهم حماساً... هو الفتى الذي ما كلّت يده عن أداء التحية لرئيس الحزب آنذاك الدكتور عبد الله سعادة... "تحيا سوريا حضرة الرئيس" واذا لسع سوط الجلاد ينبهه فلا يمتثل، فقط لامر رئيس الحزب.

توفيق الصفدي قبل انتمائه الى مدرسة النهضة لم يكن "يفك الحرف" وفي السجن علّمه الأمين جبران جريج القراءة والكتابة، في مدرسة السجن التي أصبحت نموذجاً لما صنعه القوميون الاجتماعيون "طموح دون حدود"... هكذا قال عنه "اساتذته في السجن" لذلك انصرف يثقف نفسه، كل لا يكون دون المستوى المعهود بين تلامذة سعادة من وعي وثقافة.

هذا الفتى الطري العود... حكم بالاعدام اربع مرات كما الجميع ولكنه خفف "لصغر سنه" وبقي في السجن حتى العفو العام 1968 فخرج الى الحياة أكثر وعياً وقدرة على تحمل المسؤوليات...

عام 1975 تسلم مسؤولية منفذ عام منفذية الضاحية الشرقية، أي في بداية الحرب مع الانعزال... كان كتلة من العمل الدؤوب دون كلل او راحة، مسؤوليته لم تكن حاجزاً امام ان يكون مع رفقائه دوماً في مواقع القتال المتقدمة مع كافة القوى الوطنية... حيث حظي بمحبة واسعة من الجميع... ودوماً كانت صفاته ثابتة، الاشجع والاقدر والأكثر محبة وعملاً وتسامحاً... حسب لسان القوميين الاجتماعيين والوطنيين اللبنانيين والفلسطينيين، قاتل مع رفقائه قتال الابطال في النبعة واختطف من قبل القوات اللبنانية.

*

محطات مضيئة في حياة الشهيد الأمين توفيق الصفدي

يوم غادرنا مكرهاً، يوم انسلخ عن حب كبير حمله بين اضلاعه وعانى الكثير من اجله. اضطربت صور كثيرة في الذاكرة واهتزت قيم إنسانية ومثل عليا.

ليس لما حدث ولن نعود الى هذا الموضوع _ فالحديث قد طال غيه _ بل لما يمثل هذا الرجل الرفيق العميد الأمين الشهيد.

فهي المرة الأولى التي يرحل فيها رجل "القاعدة الحزبية" بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لقد غدت حملة ممزقيّ الثياب في اذهان معظمنا _ الذين تعاطوا مع الأمين توفيق الصفدي _ مرادفة لاسمه.

لكثرة اهتمامه بالفقراء والمشردين والمهجرين وممزقي الثياب الخارجين من صفوف العمال والفلاحين.

لم يتعلم في ارسالية اجنبية ولا يحمل شهادة دراسات عليا من جامعة حكومية او خاصة. لا يتقن اللكنة الأجنبية. ما تعلم الا لغة واحدة، لغة الثورة ومصطلحات النضال، عاينها معاينة مضبوطة "فنضجت" في رأسه كل وسائلها.

وعندما رفضت هذه الوسائل وضّح لي أحد الأمناء في الحزب إن ما ارفضه هو ما قاله الزعيم وليس توفيق الصفدي، ولكن تربية خاطئة نشأت عليها جعلتني لا أفهم سعادة كما يجب، واتاني بخطاب الأول من أيار وقال:

"هذه المانفيست" التي وضعها المعلم لنسير على هداها. لم يكن عنده القدرة على الاقناع الا بالقدوة الحسنة. انه خريج اهم مدرسة في القرن العشرين مدرسة النهضة القومية الاجتماعية وشهادته العليا ختمها مرات عديدة بوقفات عز... حتى استشهاده القسري".

في ذكرى الأربعين يوماً لاستشهاده ذهبت ازور بعضاً ممن رافقه في رحلة الحياة ورحلة الحزب علني استطيع ان اسجل كلمة حب ووفاء للعميد الشهيد.

الشقيقة، ودمعة تحترق في الحدقة...، ولدنا في فلسطين وانتقلنا صغاراً الى لبنان، مع والدي وشقيقيّ توفيق وشفيق. ربتنا جدتي وعشنا معها بعد ان تزوج والدي مرة ثانية.

توفيق لم يدخل المدرسة الا لسنتين او ثلاث، وانصرف الى الحياة العملية كان يعمل نجاراً، وعندما اصبح صبياً صار يتلكأ عن عمله، ولكن لا ادري لماذا لم يكن يلهو كما يلهو الصغار او الشباب الطائش. كان دائماً اكبر من سنه يحمل هماً لا نعرف له تفسيراً. في الثورة الانقلابية توضحت الصورة امام عيني وعيني جدتي، ولوحق اخي وهربناه وبعد أسبوع جاء لزيارتنا متخفياً ولكن ما وصل حتى داهموا البيت وقادوه الى السجن وبقينا اشهراً لا نعلم عنه شيئاً وبعد ان سمح بزيارة القوميين زرناه في السجن فقابلنا بابتسامته التي ولدت معه ولم تفارقه، كان يحكم بالاعدام تلو الإعدام، وعندما نزوره يضحك ويقول "بكرا بنطلع براءة ونعود اقوى واحسن مما كنا". يشجعنا وكأننا نحن السجناء. طالت مدة السجن وذات ليلة فاجأنا توفيق بعودته سالماً، وكم كانت الفرحة كبيرة، قدم لي ولابنتي الهدايا وهو سجين. كان كبير القلب محباً وفياً في حبه.

ماري زوجة العميد الشهيد، تبتسم بحرارة وتخنقها العبرة. لتروي كم كان اهتمام توفيق كبيراً بها وكم كان يدفعها لان تقرأ وتتثقف وتعوّد ان يقدم لها الكتب وكانت تدهش كيف استطاع ان يقرأ كل هذه الكتب وقد دخل السجن لا يحسن القراءة ولا الكتابة.

احبها توفيق واحبته وعارض أهلها هذا الزواج لانه حزبي والحزبي "دمه على كفه" سجن وتشرد وعذاب لا يعرف الاستقرار ابدا. وصمدت في وجه الاهل واقترنت بتوفيق بعد ان خرج من الاسر الثاني على يد الكتائب. توفيق ابن هذا الحزب كان هاجسه الأكبر، حمل همه من منطقة الى أخرى، لاحقته الشعبة الثانية. وعندما دخل اليهود بيروت داهموا منزلنا وكسروا محتوياته ووضعوا متفجرة فيه. كنت اشعر بأنه مهجر جوال لان هموم المهجرين كانت دائماً هاجسه، والعمل الوطني والنضال المطلبي كان حلمه.

علمني كلمات ومفردات لم اسمعها طيلة حياتي. غادرني اليوم ولم اغادر مطارح عطائه ومحبته. فقد كان رجلاً نظيفاً محباً لم يعرف الحقد يوماً لم يستعد احداً كان جاراً غيوراً وصديقاً وفياً ورفيقاً معطاء وزوجاً مخلصاً وأباً حنوناً . يتدخل رامي "أريد ان اراه لمرة واحدة كيف سألتقي به" ؟!

العائلة الكبيرة

في عائلته الكبيرة الحزب، عائلته الحقيقية التي من اجلها عاش ومن اجلها نصرتها استشهد. يقول احد رفقائه ومرافقي مراحل نضاله: قبل دخوله السجن كان انضباطياً واصغر القوميين الذين عرفتهم سناً فوجئت بدخوله الى السجن. ودهشت لشجاعته وجرأته فكم مرة أصر امام الجلادين على انه المسؤول عن عملية لم يكن على علم بها ولكنه أحب التضحية من أجل رفقائه.

خرج من السجن أصلب عوداً وبدأ معركة جديدة في حياته الشخصية.




 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021