جورج ناصيف... حين يكون «النقاء» مهنة
من كان يتابع مقالات جورج ناصيف في كبريات الصحف اللبنانية، وهي المكتوبة برشا"> SSNP.INFO: بعض ما قيل في شقيقي، الكاتب والصحفي جورج ناصيف
 
 إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

بعض ما قيل في شقيقي، الكاتب والصحفي جورج ناصيف

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2021-11-11

إقرأ ايضاً


معن بشور – "الاخبار" 07/09/2021

جورج ناصيف... حين يكون «النقاء» مهنة

من كان يتابع مقالات جورج ناصيف في كبريات الصحف اللبنانية، وهي المكتوبة برشاقة الموهوب، وأناقة المخضرم، ودقة الحريص، يسأل نفسه: هل أنا أمام صحافي دخل عالم الكتابة من باب النضال، أم مناضل دفعه نضاله إلى أن يدقّ أبواب الكتابة ويحمل رايات القلم؟ بل كنّا جميعاً ندرك أن كتابات جورج ناصيف هي من النوع «الثقيل» الذي لا يتحمّله العديد من صحفِنا، لأن فيها من الصدق والدقة والجرأة والشجاعة ما لا يتحمّله الكثير من القيّمين على الأمور في بلادنا. كنّا ننتظر مقالاته وتحقيقاته التي تصدّرت الصفحات الأولى في كبريات الصحف اللبنانية، لأن فيها نكهة خاصة، فلا موضوعية المهنة أفقدتها حرارة الالتزام بقضايا شعبه، ولا حرارة هذا الالتزام طغت على دقّته المهنية، وهو ما كان يزعج «البعض» الذي لم يكن يحتمل جرأة جورج ولكنه لم يكن يحتمل دقّته وموضوعيته أيضاً. من يعود إلى ما كان يكتبه جورج في ثمانينات وتسعينات القرن الفائت، يكتشف كم كان هذا اليساري مدركاً لما ستؤول إليه الأمور في البلاد محذّراً من مخاطر الاستسلام لمخطط «السلب والنهب» المتوحّش الذي يتعرّض له شعب لبنان، تماماً كما كان يحذّر من قوى الغلو والتطرّف والتوحّش التي حاولت افتراس بلادنا ومعها العالم كله. لبنانية جورج ناصيف لم تبعده عن عروبته، وهو ابن بيروت التي عُرفت يوماً بـ«أم الشرائع» لتُعرف دوماً بـ «أمّ القضايا»، وطبعاً فلسطين هي القضية الأمّ على المستوى العربي والعالمي. و«يسارية» جورج ناصيف ـــ وهو علَمٌ من أعلام الحركة الوطنية اللبنانية، بدأ حياته الصحافية مع رفيقه الآخر الصديق الحبيب الراحل جوزف سماحة على صفحة «الوطن» الناطقة باسم الحركة يومها ـــ لم تبعده يوماً عن الانفتاح على تيارات وعقائد أخرى، بل كان يدرك أنّ انتصار القضية الوطنية، كما الاجتماعية، مرهون بالقدرة على حشد أوسع الطاقات في سبيلها. وحين يُذكر اسم جورج ناصيف بين كتّاب لبنان وصحافيّيه، يقترن اسمه بالنقاء والصفاء والعفّة والصدق المهني، ما يجعله نموذجاً يُقتدى به من كلّ صاحب قلم يدرك أن للقلم كرامته وعنفوانه والتزامه. رحم الله الأخ والصديق والرفيق أبو حسام، وكل أبناء جيله الذي حمل رسالة كبرى لم تزل حيّة رغم كل شيء.

ووري الصحافي جورج ناصيف في الثرى في مدافن العائلة أمس في وطى المصيطبة في بيروت، بعد صراع مع المرض أقعده في السنوات الأخيرة قبل أن يستسلم عن 72 عاماً. الراحل يعدّ شاهداً على حقبة أساسية من تاريخ لبنان، هو الذي بدأ مسيرته الإعلامية في جريدة «لسان الحال»، قبل أن ينتقل إلى جريدة «السفير» عند تأسيسها عام 1974. ومنذ منتصف الثمانينات لغاية 2008، عمل في جريدة «النهار» مسؤولاً عن صفحة «قضايا»، ثم في رئاسة قسم المحلّيات، مواصلاً كتابة مقالاته السياسية وعُرف بمواقفه التقدمية والعروبية. كما عمل في عدد من الصحف الخليجية من بينها «البيان» الإماراتية، إلى جانب عمله أستاذاً محاضراً في عدد من الجامعات من بينها «البلمند». وقد نعى نقيب محرّري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي جورج ناصيف «الذي عرفته الصحافة اللبنانية كاتباً وإعلامياً ومثقفاً من الطراز الرفيع، وناشطاً في «جمعية الشبيبة الأرثوذكسية» و«مجلس كنائس الشرق الأوسط». وكانت صحف «السفير» و«الكفاح العربي» و«النهار»، بالإضافة إلى عدد من الصحف الخليجية، مسرحاً لقلمه الرشيق الديباجة، الشيق الأسلوب، المطلّ بعمق على قضايا الإنسان، بفكره التقدمي وإيمانه المستقيم بحوار الحضارات وتفاعلها"..

*

اللواء – المحامي عمر زين 13/09/2021

جورج ناصيف الملتزم الوطني الذي فقدناه

امات فكرية تغادرنا الى دنيا البقاء ونحن بأمسّ الحاجة إليها، خاصة بالظروف التي يمرُّ بها لبنان والمنطقة، وجورج ناصيف البيروتي المؤمن بمسيحيته والمتمسّك بلبنانيته وعروبته غادرنا بعد أن مارس العمل الصحفي ممارسة الملتزم بقضايا شعبه ووطنه، فلم تغب عن مقالاته وتحليلاته العميقة والشاملة لشؤون وشجون أمته العربية فهو المناضل الصلب الذي صقلته التجارب والأحداث والتطورات الفكرية والسياسية في العالم ليستخلص منها العِبَر والرؤى التي تخدم وطنه وشعبه.

الراحل الصديق إلتزم النزاهة والصدق والشفافية والأمانة في انحيازه لشعبه بكلماته المؤثّرة ودقّته وموضوعيته، فهو بذلك المثل والمثال للصحافي الملتزم.

لقد رأى الراحل بأن العلاقة الاسلامية-المسيحية يجب أن يرعاها قوم هادئون، عقلاء، متزنون لا شبهة كيد أو انتقام أو حقد أو ممالأة في مواقفهم، وإيمانه ثابت بأن الأحقاد تدمّر أصحابها قبل سواهم، وان رئاسة الجمهورية هي الرمز الوفاقي شبه الأخير، فهو بذلك يتوافق مع ما قاله المغفور له دولة الرئيس تقي الدين الصلح «بأن معركة رئاسة الجمهورية باعتقادي هي مشروع وفاق وطني».

الراحل العزيز كان مؤمناً بالسلم الأهلي، عاملاً له من على كل المنابر، كما هو المؤمن الصلب بالديمقراطية، وهو القائل «من ينتصر بحد السيف والقمع خاسر وإن احتل كل مقاعد المجلس النيابي». وكان محرّضاً عنيداً للإنسان بشكل عام وللبناني بشكل خاص حيث يخاطبه «بإنك لست ابن قبيلة ولا حزبياً أعمى لا ترى الصواب إلا عند زعيمك وإمامك وقائد حزبك».

ومن هنا يوجّه جورج ناصيف المواطن اللبناني للانخراط في حركة التغيير حيث يعتبر ان من الواجب الوطني أن تحمل كل انتخابات تنافساً بين برامج ورؤى لا عصبيات شخصية تتناطح بإسم الديمقراطية.

آمن بالعمل المؤسساتي الوطني والقومي والروحي وكان ناشطاً وموجّهاً في كل ذلك بالتوجيه الصائب، المؤمن بالإنسان اللبناني بأنه ذو عقل مغرّد وحرّ وخليقة آلهية، وان عليه أن يعلو بلبنان على كل الشهوات والخيارات ليبقى صالحاً للعيش الكريم الحر.

هذا النشاط قام به في «جمعية الشبيبة الأرثوذكسية» و«مجلس كنائس الشرق الأوسط» و«النادي الثقافي العربي» وما نشره في جريدة «السفير» و«الكفاح العربي» و«النهار» بالإضافة الى عدد من الصحف الخليجية، كان بفكره التقدمي وإنتمائه اللبناني والعربي الأصيل القامة البيروتية الفاعلة في حوار الحضارات والمحترمة والمسموعة.

الراحل العزيز لن ننسى لقاءاتنا معك التي أكدت دائماً عن قناعاتنا بأن الإسرائيلي مجرم وفتاك وعلينا العمل جميعاً لإجلائه عن أرض فلسطين الطاهرة، وهو السبب المباشر لإنهاك العرب وتخلّفهم مدعوماً من الولايات المتحدة الأميركية، ولن ننسى أيضاً رؤيتك الصائبة من ان مستقبل المسيحيين أكثر مصيرية من أن تتقاذفه الأهواء والشهوات.

نأمل أن تستفيد الأجيال من هذا الفكر ليكون زادها في التغيير والنهوض.

رحمك الله رحمة واسعة وألهم العائلة ومحبيك جميل الصبر والعزاء.

*

جودي الأسمر - "النهار" 06/09/2021

الأرثوذكسي العلماني الذي أثرى الصحافة طوى صفحته واستراح... وداعاً جورج ناصيف

حل الزميل السابق في "النهار" والصحافي اللامع #جورج ناصيف عن عمر لم يناهز 72 عامًا، بعد مخاض مع مرض أقعده في السنوات الأخيرة. رحيل بطيء، ثمّ مطلق، فإذًا متداعٍ في لوعته.

خسرت الصحافة اللبنانية والعربية خصوصية لازمت جورج ناصيف، الذي أذاب تناقضات خياره العلماني مع الهوية الأرثوذكسية، حتى شكّل هذا المنظور حبلاً موضوعاتيًا ميّز مقالاته، سواء في السياسة أو الثقافة أو قضايا المجتمع. من "لسان الحال"، إلى "السفير"، ثمّ "النهار" ومساهمات في "البيان" الإماراتية، وعبرها نضال لأجل قناعاته في الوطن والروحانية المنفتحة؛ محطات عريضة لمسيرة انتهت، إلا أن السيرة باقية حين يستذكرها زملاء وأصدقاء، في كلمات عبر "النهار" لـ"الوديع متواضع القلب"، الذي غادر بصمتٍ دوّى عميقًا في وجدانهم.

خيبات وصبر

الوزير السابق طارق متري، سيفتقد جورج ناصيف الصديق منذ أيام الشباب والصحافي والكاتب الحقيقي، فـ"هو صحافي بمعنى البحث عن الخبر وتحليله والاحاطة بالحدث السياسي من كل جوانبه، وكاتب يمتلك لغة صافية. وبفضل ثقافته الادبية واسعة، جذب جورج القارئ ليس بمضمون الفكرة فحسب، بل جمالية كتابته الأدبية والشعرية."

ولدى جورج "رسوخ مزدوج. فهو مشبع بالثقافة العربية، وفي الوقت نفسه متوغل في الثقافة المسيحية المشرقية بما تتضمنه من أدب وتاريخ وفن وترتيل كنسي. وفي سنوات مرضه، حين كنت أزوره في بيت المسنين، كان يستمع للموسيقى الدينية الشرقية طيلة الوقت، وكنت أحيانًا أحضر له الموسيقى الصوفية. انشغاله بالخط الكنسي خصوصًا في سنوات شبابه، وجه حيزا من اهتمامه المعني للعمل مسؤولًا للاعلام في مجلس كنائس الشرق الأوسط."

ويضيف "التزامه السياسي ينتمي لجيل مَن شغلتهم قضية فلسطين فعاش خيبة هذا الجيل. وكان جورج لاطائفيًا وهذا لم يتعارض مع اهتمامه الكنسي، فشغله التغيير السياسي-الاجتماعي لكنه أصيب بخيبة أخرى، منها ما يتعلق بظروف لبنان المحيطة، ومنها ما يتعلق ببنية لبنان وتركيبته، ومنها ما يتعلق بأخطاء الجيل نفسه."

ويصف متري صديقه بـ"الصبور، خصوصًا في سنواته الأخيرة حيث لازم السرير لأن المرض جعله شبه غير قادر على الحركة. وحين أسأله كيف حالك يا جورج، كان يجيبني دائمًا: الحمد لله، نشكر الله."

صاحب الابتسامة والأفكار

مدير تحرير "النهار" غسان حجار، يعتبر أنّ "عبارة "الوديع ومتواضع القلب" أكثر ما يصف جورج ناصيف، لأنه بالفعل يستطيع التعامل مع كل شرائح الناس. كان وجهه يحتفظ بابتسامة دائمة؛ لا يتوقف عند بروتوكل أو اعتبار رسمي"، و "أعتقد أنه اكتسب هذه الصفات الانسانية العميقة بفضل عمقه الروحي المتين، وتركّز بعلاقته مع المطران جورج خضر والكنيسة الأرثوذكسية. وكانت نظرته للدين تقدمية، وغير مطابقة بالضرورة للتفسيرات الكنسية. وهكذا شكّل جورج ميزة قلمه، إذ عادة ما كان يدمج الفلسفة الدينية المنفتحة بجميع الملفات".

ولا يمكن إغفال مهنيته، "كانت الكتابة ملعب جورج ناصيف. قلمه سيال، لم يعجزه موضوع ما في السياسة، ولكن أيضًا في القضايا الإنسانية والاجتماعية والروحية، ولم يستعصِ عليه يومًا أن يبلور فكرة وينجز كتابة المقال بسرعة ملفتة"، فقد "كانت رأسه "محشورة" بالأفكار. هذه الغزارة، كانت تورطه أحيانًا في حالٍ من الضياع والفوضى لأنّه يريد إنجاز كلّ الأمور في وقت واحد، لكنها من نوع الفوضى المحببة".

كان حزينُا

مدير التحرير سابقا في "النهار" الأستاذ فرنسوا عقل يستذكر لقاءهما الأخير، "زرته في بداية مرضه، وكان لا يزال مقيمًا في دار رعاية تابع لمستشفى القديس جاورجيوس، ثرثرنا كثيرًا لكنّني لمست أنّه يشعر بحزن كبير، بسبب وضعه الصحي وعزلته عن عالم الصحافة، لدرجة أنّني فضلت ألا أطيل زيارتي لكيلا أفتح لديه مزيدًا من المواجع".

وأضاف "كان أحيانًا يكتب الافتتاحية، لكنني لم أعرف جورج ناصيف عن قرب، فهو لم يكتب في "النهار" مع الكوكبة التي عملت في مطلع الستينيات في الحمرا وشهدت على ما نسميه "أيّام العز". دخل "النهار" مع الرعيل الذي ضمّه الراحل غسان تويني إلى الجريدة في ثمانينيات القرن الماضي وكانوا كتّابًا في صحف أخرى، أذكر منهم راجح الخوري وجهاد الزين والياس الخوري الذي تولى حينذاك إدارة "الملحق"."

المؤمن العلماني

صديقه الصحافي والمؤلف نقولا ناصيف، يروي أنّ "جورج ناصيف كان يتابع دراسته الجامعية في الأدب العربي وكان يدرس اللغة العربية في عدد من المدارس، وكان أستاذًا لي في عام 1971. وبعد حيازته الليسانس، دخل المجال الصحفيّ من خلال جريدة "لسان الحال"، وانتقل للعمل في "السفير"، منذ تأسيسها في مطلع السبعينيات، فأدار الصفحة الثقافية وصفحة المساهمات في قضايا الساعة، واستمرّ فيها لغاية حرب السنتين، ومنذ ذلك حين عكف على المقالة السياسية".

وخلال حرب السنتين، "دفعته خلفيته الحزبية في الحزب القومي السوري الاجتماعي إلى إنشاء "تجمع المسيحيين الديمقراطيين"، فميّزوا أنفسهم بما يمثلون كمسيحيي المنطقة الغربية عبر خياراتهم المنافية للأحزاب الانعزالية، فنشط في المقلب الآخر الذي انضوى تحت "الحركة الوطنيّة"".

ويضيف "منذ منتصف الثمانينيات لغاية عام 2008، انتقل جورج للعمل في "النهار" مسؤولًا عن صفحة "قضايا"، ثم رئيس قسم صفحة "المحليات"، وعمل لمدّة أستاذًا محاضرًا في جامعة "البلمند"".

في أفكاره تناقض ظاهري، إلا أنها تشابك في عمق إنسان مؤمن وغير طائفي، فـ" بقدر ما كان جورج ناصيف عقائديًا في تجربته ضمن حزب علماني، كانت تشغله الاهتمامات الروحيّة؛ إذ كان مقربًا من المطران جورج خضر، وشارك في تأسيس حركة الشبيبة الأرثوذكسية في المصيطبة، وانخرط في مجلس كنائس الشرق الأوسط ممّا مهّد له معرفة البطريرك الراحل إغناطيوس الرابع هزيم."

ويشير إلى "تجربة حزينة لجورج مع المرض، الذي أعاق انتاجيته، فقد أصيب بجلطة دماغية منذ نحو عشر سنوات، وتدهورت صحته إثر جلطات عديدة إلى أن فقد القدرة على الحركة، فسلخه مرضه عن بيئته وأصدقائه وكتبه وهو في ريعان العطاء."

*

روزيت فاضل – النهار العربي 08/09/2021

جورج ناصيف: النّاسك والمحبرة

لم تسمح الظروف أن أتعاون مهنياً مع الصحافي والمفكر جورج ناصيف في جريدة "النهار". لكننا كنا نتبادل السلام الودي جداً عند انتظارنا المصعد للتوجه الى مكاتب الجريدة في شارع الحمراء، أو عندما كنت أكلف بتغطية إحدى محاضراته في معارض الكتب، أو خلال مشاركته في أي نشاط للحركة الثقافية إنطلياس.

ما أدركته عند إعلان وفاته منذ أيام عدة، أن جورج ناصيف لم يمت في حينها. في الحقيقة، توفي ناصيف على مراحل عدة. فقد مات قسم منه يوم أجبرته الظروف على مغادرة الجريدة، ومات قسم آخر منه يوم أدرك فعلياً أن صفحة " أديان ومذاهب"، التي كان يرأسها في الجريدة، لم تهداً من ثقل وقع الطائفية والمذهبية على عقول أبناء الوطن الواحد.

ما يعرفه الكثيرون أنه نجح في تفعيل صفحة " أديان ومذاهب" لترتقي الى حوار نخبوي بين رجالات الحوار الإسلامي المسيحي، الذي بقي بعيداً عن أرض الواقع، أي ميدان الخيبات...

مات جورج ناصيف يوم علم أن لا مكان للمفكرين النخبويين أمثاله في وطن تخلى فعلياً عن الثقافة والفكر في ظل طبقة حاكمة فاسدة ومتواطئة على شعبها...

لا يمكن أن نكشف تفاصيل موته البطيء ومراحله، لأن سيجارته كانت وحدها الشاهد على وجعه وخيباته وألمه الشديد من واقع لبنان.

مات جورج ناصيف يوم أيقن فعلياً أنه سيبقى في ذاكرة محبيه عند رحيله وبعض الأقلام التي ستنصفه أو تحاول إنصافه. مات جورج ناصيف يوم غدره المرض فتحمل أوجاعه بصمت الكبار.

المهم أيضاً أنني كنت أنا وكثيرون نشعر دائماً خلال إلقائنا التحية عليه أنه لا يتوقف عن التفكير، حتى وهو يحادثك.. كنت أخشى أن يكون في تفكير دائم حتى وهو نائم...

لطالما حاول جورج ناصيف أن يتنسك في عمله الصحافي، معطياً للمهنة حقها، وربما أكثر. كان يقبل الاختلاف مع الآخر، ولا سيما خلال تطرقنا بسرعة الى أمور السياسة ونحن في رواق أحد طوابق الجريدة... تمايز بلباقته في وضع حد لحوار عقيم ببسمة أو بمحاولته أن يتفادي أي تشنج، بحجة أن عليه متابعة صفحته...

وكان يعمد في اليوم الثاني الى أن يلقي السلام ويسأل بسرعة عن أحوالنا، كأنه يحترم بذلك حرية الرأي في السياسة أو في شأن آخر، وهذا ما لمسته شخصياً...

إذا كانت الصحافة قد خسرت أحد أقلامها برحيله، فمن المؤكد أن المهنة تغيرت كلياً في لبنان والعالم. المهنة فقدت بريقها جزئياً أو حتى كلياً في ظل وطن مهدد بكيانه ووجوده بل مهدد بكل شيء...

ما يبقى هو أن نفرح للأستاذ جورج ناصيف لأنه حمل محبرته وغادر الى ذلك المكان، حيث لا وجع، ولا خيبات ولا ألم...

المهم أننا فقدنا فعلياً جورج ناصيف الإنسان، الذي تملّكه التواضع طيلة حياته المهنية، وهذه " عملة نادرة" عند غالبية صحافيّي هذا الزمن الرديء ...

*

"ملتقى فلسطين" - نبيل السهلي 13/09/2021

عن جورج ناصيف الصحفي الكاتب والمفكر والإنسان

غيب الموت والكاتب والمفكر الانسان جورج ناصيف في يوم الاحد الخامس من ايلول /سبتمبر 2021 ، بعد صراع مديد مع المرض؛ وكان لي شرف زيارته ولقائه والتعرف عليه عن قرب في مبنى صحيفة النهار في شارع الحمراء في بيروت التي احبها ؛ في بداية التسعينيات من القرن المنصرم. عرفته عن نفسي وسيرتي؛ بأنني كاتب مبتدئ في بعض الدوريات الفلسطينية وأود الكتابة في صفحة قضايا النهار التي كان يديرها؛ وافق صاحب الابتسامة العريضة على ذلك مرحباً، ومذاك انطلقت في الكتابة في صحيفة النهار بشكل اسبوعي حتى عام 2009. كنت ازور الراحل الانسان جورج شهرياً واستمع لنصائحه حول المطبات التي كنت اقع فيها وكيفية تجاوزها ،حتى خصصت كراساً لاسجل ملاحظاته المنهجية والتي اعطتني دفعة متقدمة لادخل عالم الصحافة من أوسع أبوابه واساهم في كبريات الصحف العربية وفي مقدمتها؛ صحف ؛النهار والحياة والشرق الأوسط والسفير والاتحاد الظبيانية، فضلاً عن صحيفة الخليج .كل ذلك كان برعاية منذ البدايات من قبل أستاذي ومعلمي وقدوتي الراحل الباقي فينا الاستاذ جورج ناصيف .

سيرة الراحل

ثمة اجماع بين كل الذين عملوا مع الراحل الحاضر دائماً جورج ناصيف، وكذلك الذين تتلمذوا على يديه بأنه شفاف ومتفاني وصاحب نظرة ثاقبة وموقف واضح ، وخاصة عند الحديث عن حرية الشعوب، ودفعه الى ذلك حبه لوطنه لبنان وفلسطين ووطنه العربي الكبير الذي أحب . عمل الراحل في عدد من الصحف اللبنانية والعربية، لا سيما صحيفتي النهار والكفاح العربي ؛فضلاً عن صحيفتي البيان والخليج الإماراتيتين ؛وكان أحد أبرز الكتاب والمحللين السياسيين، وقد أجمع محبوه على جرأة ووطنية مواقفه، وبلاغة لغته العربية التي شغف بها كثيراً ودرسّها في سلك التعليم أيضاً. ومن أهم كتبه ؛كتاب الجرح صادر عن دار النهار في بيروت عام 2005 ،وفيه يشير الراحل الحاضر دائماً “بأن السنوات تختصر الكلمات تاريخاً حافلاً لرجل ولمجتمع أبى إلا أن ينطق باسمه المؤلف الذي خبر الحياة بكل ألوانها وآثر أن يكون فرداً حزيناً ومقهوراً كي لا يتلوث بدنس السياسيين والمدعين والمقامرين؛ وهو شأن القديسين ؛ وكان جورج منهم كما لمست اثناء زيارته الدورية التي كنت اتوق اليها باستمار لاستمع لنصائحه وانهل منه الكثير من المعرفة وصفاء الروح والصدق . ومن كتبه أيضاً كتاب الوحدة العربية وإسرائيل؛ الصادر عن معهد الإنماء العربي في بيروت 1985؛ حيث ركز فيه على اهمية الوحدة العربية وترسيخها لنصرة فلسطين التي ستنتصر بأمثال جورج ناصيف الذي كان منحازاً على الدوام لقضية الشعب الفلسطيني المكلوم .

في وداع الايقونة جورج

قبل التهجير الكبير من مخيم اليرموك في 16/12/2012 ، وبالتحديد في بداية شهر تشرين ثاني /نوفمبر من العام المذكور ، سبقنا الى بيروت صديقي وابني اشرف بعد ان اشتدت عملية الاعتقال والمطاردة من قبل اجهزة الامن في سوريا ،التي طالت العديد من ابناء جيله وخاصة الجامعيين منهم وقضى العديد منهم في المعتقلات السورية. استطاع اشرف الوصول الى منزل جورج ناصيف وزوجته نجات نعيمة في حي المصيطبة ، ليصبح كأحد ابنائهم ؛حسام وروان ويونيل، في وقت اشتد فيه مرض الغالي جورج، وفي نهاية 2012 وصلت وعائلتي الى لبنان بعد الهروب الكبير من اليرموك ، في اليوم الثاني زرت الراحل جورج ناصيف ومن سوء حظي كانت زوجته نجات قي عملها ؛ والاهم انه احتضني وعرفني بالاسم وبكى على حالنا بعد الرحيل الثاني من اليرموك ، كررت زيارتي عدة مرات لبيت جورج خلال نزوحي وعائلتي في لبنان (2012 -2017)، وازدادت حالته الصحية تردياً ، وكان واجب علي الاتصال بزوجته بين فترة وأخرى للاطمئنان على صحة جورج ؛ إى أن وافته المنية ، رحم الله جورج ناصيف الصحفي الكاتب والإنسان الأيقونة واسكنه الجنة ، والهم زوجته نجات وابنيه حسام ويونيل وابنته روان ذكرى.

وإن وارى ضريحك الثرى اخي الغالي والكبير؛ ستبقى حاضراً بين كل من عرفك وتتلمذ على يديك كأمثالي ؛ وليتني احمل في جعبتي كما حملت جعبتك من انسانية وشفافية وصدق وتفاني من أجل ابتسامة الاخرين .

*

جورج ناصيف .. رحيل قلم كبير

"الاهرام" الصحافي نبيل عبد الفتاح 09/09/2021

منذ عقدة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى، كانت بيروت شقيقة القاهرة مركزاً رئيسا فى إنتاج الثقافة العربية، فى نشر الكتب السياسية الجريئة التى لم يستطع كتابها نشرها فى بلادهم، نظراً للقمع، واعتقال العقول، وسجن الأرواح. أو نشر الكتب بأسماء رمزية وغير حقيقية ولا وجود لها فى الحياة، أو كتب أخرى تعبر عن أحزاب سياسية سرية، ومحجوب عنها الشرعية القانونية.

كانت بيروت، ولبنان، مركزا للصحف الكبيرة والمجلات الأسبوعية اللامعة، حيث السفير، والنهار بليبراليتها تضج كل منهما بالأقلام والعقول الكبيرة، من كتاب، وصحفيين، وكان الغالبُ على السفير الرؤى الجديدة، والانفتاح على مدارس الفكر والفلسفة والعمل السياسى اليسارى، فى ظل وجود المقاومة الفلسطينية، وكل صحيفة وراءها من يمولها، ومن يدعمها من نظم سياسية عربية، وبعضها الآخر وراءه من القصص والروايات والسرديات السياسية المدهشة إلا أن كل صحيفة ومجلة كانت تحاول أن تبدى قدرا ما من استقلالية ما، فى العمل الصحفى والاحترافى، والمتخصص، لاسيما فى النقد الأدبى، والسينما، والمسرح، والتحقيقات الصحفية، والانفراد بالأخبار المتميزة التى لا تجدها فى الصحف العربية الأخرى.

كان التخصص سمت السفير، والنهار، وكانت السفير تعبيراً عن التوجهات اليسارية، والعروبية حيث تجاور الكتاب الماركسيين من الأحزاب الشيوعية العربية واللبنانية، الحزب الشيوعى اللبنانى، ومنظمة العمل الشيوعى التى كانت بيروت منبرها فى نشر المقالات والدراسات والبيانات.

فى قلب هذه العوالم المنفتحة على عالمها العربى، ومع أوروبا وأمريكا تطورت الصحافة اللبنانية، وازدهرت ثم جاءت صدمة الحرب الأهلية اللبنانية بكل ما فيها من دراما سياسية، وتدخلات إقليمية، وتحولات اجتماعية، وهجرات كانت المنافى الجديدة، فى قبرص، ولندن، وباريس، ورحلت الأقلام اللبنانية إلى المراكز الجديدة، وبعضها ظل فى لبنان، وحول بيروت واستمرت فى أوضاع بالغة الدقة والحساسية فى ظل الصراع السياسى الطائفى الممول بالسلاح والأموال، لتغدو بيروت ولبنان مسرحاً لحروب الآخرين فى المنطقة وخارجها.

فى نهاية الحرب الأهلية، عادت بعض الأقلام، واستوطنت أخرى فى بلاد الهجرة. فى قلب هذه الأجواء المترعة بالصراعات، والتمويل، وبعض الأقلام والبنادق المأجورة للآخرين. كان بعضهم رمزاً على النزاهة والاستقامة ومنفتحا على طموحاًت واسعة فى تحول لبنان إلى دولة ديمقراطية وعلمانية، تنشد العدالة والحريات والتسامح والعقلانية على أنقاض البيوتات الطائفية التى تتوارث السلطة والثروة والمكانة والنفوذ والفساد السياسى . كان صديقى جورج ناصيف الصحفى النابة، والقلم اللامع بالذكاء، والتحليلات، وعمق المعالجات، واحداً من أبناء السفير –وقبلها من الشبيبة الأرثوذكسية، ثم منظمة العمل الشيوعى اللبناني-، ومن خلال السفير بدا وجهه اليسارى، والعروبى النبيل، وتكوينه الثقافى الرصين مع الحبيب المغفور له، جوزيف سماحة، وصحبه. كانت السفير روحا مختلفة فى الصحافة والثقافة، ورئة للأقلام العربية الكبرى المهاجرة إلى الحرية وسلطان العقل، والمعرفة . فى قلب. هذه الفضاءات الواسعة، كان عقل جورج ناصيف يحلق فى كتاباته وتحليلاته السياسية، ثم تحول جورج إلى عالم النهار، وأصبح مديراً لتحريرها فى ظل رئاسة غسان توينى، الذى مثل مدرسة أخرى، بمهنيته واحترافيته، وذكائه اللامع.

ذات مساء فى تسعينيات القرن الماضى، هاتفنى فى الفندق بشارع الحمرا جورج ناصيف لمقابلته فى النهار، وذهبت فوراً، واخدنى لمقابلة غسان توينى فى مكتبه، وكان معه صديقى الغالى المرحوم المفكر البارز السيد هانى فحص رجل الدين الشيعى العربى، وكانت ليلة من المعرفة والجدل تتناسل منها الأفكار النيرة، وغير المألوفة، وانضم إلينا الصديق من أيام باريس واليوم السابع سمير قصير، وكان مسئولا عن الليموند ديبلوماتيك الطبعة العربية. كان الجميع مشغوفين بأحوال مصر وتحولاتها السياسية والاجتماعية والثقافية آنذاك,.

كان لقائى الأول بجورج ناصيف، فى أيانابا بقبرص فى ندوة للحوار الإسلامى المسيحى، أعدها مجلس كنائس الشرق الأوسط، ودعيت لها من نبيل منير حبيب المحامى واللاهوتى المتميز، وذهبت إلى هناك، وكان معنا د. سليم العوا، وبعض من المصريين الأرثوذكس، ورجل دين معروف محدود المعرفة والذكاء لايعرف الحديث. كان الحوار والجدل جاداً، وحاداً، بين رجال البحث، ورجال الحوار، وهو أمر عادى. ما أن انتهت الجلسة الأولى، حتى جاء جورج بوجهه الصبوح، وابتسامته الجميلة التى تفيض من قلبه المحب، وعقله المفتوح على الاختلاف. جاء محيياً، ومعه الحبيب السيد هانى فحص، وكان بيننا من الألفة المودة الكثير منذ نهاية الجلسة الأولى، ونسجت جلسات الحوار اواصر الصداقة والحب، وتوطدت من خلال جلسات الطعام، والحوار الليلى فى مقاهى أيانابا، وعلى شواطئها الفاتنة!. ظلت حواراتنا وصداقتنا ممتدة من بيروت إلى أيانابا، ونيوقوسيا، والقاهرة، والإسكندرية . فى الندوات والمسامرات الليلية، كان يشيع فيها المحبة والضحكات الصاخبة والابتسامات المترعة بالأمل. كان ذكاؤه حادا، وبصيرته التى تسبُر الأغوار، للبشر وللسياسيين، وللأفكار مشعة.

ظل جورج ناصيف محمولاً على الأمل فى عالم عربى أفضل، ولبنان مختلف، وكان نظيف السيد، متقشفاً، يعانى بلا شكوى، ويستثمر روحه وعقله فى تعليم أولاده فى أفضل المدارس، وبالجامعة الأمريكية فى بيروت. فى آخر زيارة لبيروت سألت عن جورج ناصيف، قيل لى إنه ألم به المرض وسكن جسده النحيل، ويقيم فى أحد الأديرة لمراعاته صحياً. حاولت الحصول على هاتفه النقال الجديد لمكالمته وأشد من أزره، لم أستطع الحصول على رقمه، وغادرت وجاء خبر رحيله مؤخراً، وكان صادماً للقلب، وللذاكرة!.

ربما رأى أطلال الصحافة الورقية التى عاش عوالمها بعد خروجه من النهار والتى تغادر حياتنا، ومعها عالم بيروت وصخبها الثقافى لحياة مظلمة، وانهيار عوالمها الجميلة، ودورها، فى ظل هيمنة بعض بيوتات دينية ومذهبية طائفية، تعزف ألحان معزوفتها للموت! ذهب إلى المملكة الغسقية محفوفا بالمحبة والسلام الداخلى.. السلام لروح الحبيب الصحفى اللبنانى الكبير جورج ناصيف بالقرب من الروح القدس. وداعاً لكنك ستظل فى العقل والقلب ساكناً. وداعاً!.

*

الاب الياس كرم – "النشرة" الاثنين 06/09/2021

في بهاء القديسين يا جورج ناصيف

غيّب الموت الكاتب والصحافي جورج ناصيف، هذا الرجل المغوار، الذي عاش ومات سيدًا حرًا مستقلًا.

عرفته منذ مطلع التسعينات، حيث قصدته لتنظيم ندوة حول الإعلام في حركة الشبيبة الأرثوذكسية. رحّب بالفكرة، وطرحناها على الشهيد جبران تويني، فكانت من أنجح الندوات، ضمن سلسلة، حول التوجيه المهني، التي احتضنتها، يومها، قاعة كليّة البشارة في الأشرفية.

هذه الندوة كانت المدخل للتواصل والتفاعل مع هذا الرجل، الذي امتاز بقوة الإيمان واستقامة الرأي والعقيدة.

جورج ناصيف، لم يساوم ولم يهادن، ولذلك دفع ثمنًا غاليًا من صحته ووظيفته وحياته، لكنّه أبى أن يتنازل قيد أنملة عن المبادئ التي تربّى عليها في عائلته، وفي صفوف حركة الشبيبة الأرثوذكسية.

صحيح أن بعض نزوات الحرب خطفته من رحم الحركة لسنوات، إنما عاد إلى مبادئها، وهو الذي غرف من فكر وأدب ولاهوت جورج خضر الشيء الكثير.

أيها الحبيب جورج، نستودعك ملكوت الله، أنت الذي فهمت إلهك، سيدًا وحيدًا على حياتك. عاشرت القديسين، فادخل إلى بهائهم، وتمتع بنور المسيح، البازغ من قبر المسيح.

بغياب جورج ناصيف، تخسر الصحافة قلمًا جريئًا، تناول كافة المواضيع، السياسيّة والإجتماعيّة والدينيّة والأدبيّة، فكان محلّقًا بكل ما كتب ودرس. والأهم من هذا كلّه كان رافضًا للرشوات. رفض جورج أن يكون من أتباع السياسيين وأصحاب النفوذ والأموال. وأذكر هنا سالفة، باح بها لي في مكتبه، حيث أهداه، أحد الأشخاص النافذين، قلمًا قيّمًا، حمل يومها هذا القلم وتوجّه إلى عميد النهار، المغفور له المرحوم غسان تويني، فبادره تويني بالقول: "إجعل من هذا القلم وسيلة للتصويب على أغلاط وسقطات، مَن أهداك هذا القلم".

جورج ناصيف، مهما قلنا في رحيلك، نبقى مقصّرين، وأنا شخصيًا مديون لهذه القامة، في مسيرتي الإعلامية. فتح لي أبواب الصفحات التي كان مسؤولًا عنها في صحيفة النهار، ولا سيما صفحة القضايا. وجّهني، أعطاني الملاحظات القيّمة والمفيدة، ولم يحبطني، أو يقلل من قيمة ما أكتب، حتى لو كانت دون المستوى، فبلباقة ومحبة كان يمتنع عن نشر الأمور التي كانت كذلك.

امتاز باللطف والمحبة والتواضع، ولم يتأخر يومًا عن المشاركة بالندوات الدينيّة، في الرعايا وفي فروع الحركة، وحتى في المؤتمرات التي نظّمتها حركة الشبيبة الأرثوذكسية. وقد كانت لشاشة التيلي لوميار محطات كثيرة معه، ومقابلات قيّمة.

لم يتأخر عن النصح والتوجيه من أجل أن تكون كنيسته منزّهة عن كل عيب. والتزامه الكنسي الإرثوذكسي، لم يمنعه من الإنفتاح على الآخر، مسيحيًا كان أم مسلمًا.

زرته منذ فترة، وهو على سرير المرض، فشعرت نفسي في صومعة راهب متعبّد، عاجز عن الكلام، لكن نظراته وحركات عيونه، كانت أجوبة صارخة على الأسئلة التي طرحتها عليه.

نعم جورج ناصيف، فضّل السكوت والصمت، ودخل في سكون الأديار، وعاش معنى الهدوئية، بغية التأقلم مع الحياة الأبدية، فدخلها في أرض غربة، ونادى ربّه، فخطفه يوم الأحد (يوم الرب) ليشترك معه على المذبح السماوي، حيث أجواق الملائكة تهتف أناشيد القيامة.

هنيئًا لك يا استاذ جورج، هذه الراحة الأبدية، حيث تلاقي صديقك المناضل الأب جورج مسّوح، وأنت السامع في لحظات وداعك، صوتًا سماويًا يقول: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ." (مت 25: 23).

المسيح قام حقا قام.

***

وفي عقيلته الدكتورة نجاة نعيمة

عبير حمدان 05/11/2021

رافقت الدكتورة نجاة نعيمي عام ٢٠٠٢ إلى العراق للمشاركة في مهرجان المربد، قبيل العدوان الأميركي على بلد انهكه الحصار تمهيدا للاستيلاء على خيراته. الدكتورة نجاة كانت رفيقتي الاستثنائية منذ انطلقنا من بيروت حيث سافرنا برا ومنحتني الأمان والدفء كونها غربتي الأولى وانا في أوائل العشرينيات وخلال ايام المهرجان كانت الشخصية الابرز في حضورها وثقافتها..

حين أعتلت الدكتورة نجاة المنبر في إحدى قاعات جامعة البصرة تحدثت عن لبنان وفلسطين والعراق كثالوث للصمود وكان صدى كلماتها كافيا ليتحلق حولها الطلاب من كافة فروع الجامعة وأذكر اننا لم نستطع الخروج من الحرم الجامعي بسهولة...

حينها كان التواصل واقعيا دون عالم افتراضي، اسبوع في العراق ضم وفود من كل الدول العربية كانت رفيقتي الكوكب الساطع في فلك اختار خطابا شعريا تقليديا فيما هي اختارت المواجهة وحثتني على قراءة الحب حين اطلعت على قصائدي بعين المعلمة...

عدنا بعدها إلى بيروت نحمل الكثير من الحكايا ونحن اللتين زرنا الكوفة والنجف وكربلاء وقطعنا وادي السلام ليلا ومن بابل حفظنا الوجه المشرق للتاريخ، وحملت في قلبي وذاكرتي وجهها وحنوها وألق حضورها...

لعل مشاغل الحياة باعدت بيننا لكنها بقيت في البال روحا جميلة وساحرة

دكتورة نجاة لروحك السلام الأبدي واثقة انك حللت في مكان اجمل يليق بك

*

جهاد شاهين "الاخبار" 08/11/2021

نجاة نعيمه... رحلت إلى الضوء

قالت لي: ألا تريد أن تزورنا؟ أما تبغي أن تعود جورج وهو على فراش بين موت وحياة؟ أما تحب أن تتصفح وجهه في المقلب الثاني من جريدة «السفير»؟ لقد أخبرتني أنك عشقت صفحته وهي تلامس السياسة بأصابع من أدب، وتخوض تحليلاً لا يمنع النحو من الصرف..

قادتني من يدي، أصعدتني في سيارة أجرة. من مرآته، كان السائق يرنو إليها متبسماً. نظرت إلى وجهها، تأملت شعرها المشتعل بالنقاوة. على طريق الذهاب، عدت بالذاكرة إلى قصر الأونيسكو ... إلى حفلة توقيع الأستاذ عبد الغني طليس كتابه «فوق رؤوس العالمين»، حين نهضت نجاة فجأة متلحّفةً البياض، معتمرة قبعة النقاوة وراحت تتنقل راقصة على وقع الكلمات ونقراً على أوتار ليست من هذا الزمان. قلت لها: أنت؟. قالت: ما بك؟ قلت أنت ذياك النغم من خطوات؟ ابتسمت، قالت أنا.

وصعدت بي درج عتيق، تفوح من حفافيه عبق المصيطبة، كنت أشم رائحة البرودة والغرابة وزمناً حلواً... أتلمس بيد نجاة الأمان، وزمناً ليس موصولاً بزمن، كأنه الفجر ووسن وليس من رقاد.

فتحت الباب، دخلت إلى ردهة، عبرت أمامي، ممرّ تحيط به أبواب، وجدران رمادية يزينها لون الخشب الأزلي ولوحات وصلبان، ينتهي الممر بغرفة، وقفت نجاة على بابها وأشارت لي بأن اقترب.

دخلت الغرفة، يحدوني شوق لرؤية جورج ناصيف، من كتب تحليلاً سياسياً، ونقداً لاذعاً بأسلوب سردي هو أقرب إلى أقصوصة وجدانية منه إلى مقال. وقد استقيت منه أسلوبي في الكتابة. مسحت بيدي الوحيدة جبينه المتعب. أمسكت يده العاجزة عن الحراك. قبّلت وجهه. ابتسم لي راضياً.. تمتم لي ببضع كلمات وصلني منها رضا وشكراً ودعاء... ودّعته وخرجت.

في الردهة، قالت نجاة لي: لن تذهب بلا غداء. قادتني إلى طاولة سفرة وكانت معدة، أكلت، وكأس نبيذ من يدها شربت. كان النهار مختلفاً.. بديعاً في تساقط الضوء متسللاً من فتحات النوافذ العالية لتلك العمارة العتيقة. اليوم رحلت نجاة نعيمه إلى الضوء والحنين من الذكريات...

*

زياد خير الله

رحلت المرأة البيضاء... المشرقيّة المتجذّرة بإيمانها وكنيستها وأرثوذكسيتها والمنفتحة على كل الثقافات والديانات... عاشقةُ الكلمة... صانعةُ الفرح... زارعةُ البسمة والثقافة والرقيّ أينما حلّت... الراقصةُ الصوفيّة، التي رفعتنا دوماً، برنّة صوتها وعُمق كلماتها وغِنى معلوماتها ورهافة حسّها وسحر بسمتها وصفاء وجهها وتعابير رقصها، إلى عالمٍ، لا يُشبه عالمنا... لم تكن نجاة ناصيف من هذا العالم ولا من طينة سيّداته... لقد غزلت نسيجاً، لا يُشبِه أحداً، جعلت كلّ عارفيها، عشّاقاً لصوتها وكلماتها وإلقائها وشَيّبتها...

رافقتنا نجاة مراراً في تجوالنا وكان لحضورها بصمة لا تُمحى... أحببناها وأَدْمَنّا حضورها وعَشِقَها ميكروفون الباص وها هي غازلةُ العشقِ تحمِلُ سِجلّها الذهبيّ وتلحق بمعشوقها الأبدي، الصحافي المبدع جورج ناصيف، بعد اسابيع معدودة على رحيله...

المسيح قام ونجاة ترقص منذ اليوم رقصتها الملائكية في ملكوته السرمدي..



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021