إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

اعادة صدور البناء عام 1969

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2022-02-18

إقرأ ايضاً


من المعروف ان امتياز جريدة البناء التي كانت تصدر يومية قبل الثورة الانقلابية قد توقفت بفعل الاحكام التي كانت صدرت بحق القوميين الاجتماعيين. اما كيف عادت البناء الى الصدور بعد العفو الذي صدر في 13 شباط 1963(1) فيروي القصة الامين غسان عزالدين في الجزء الخامس من "حوار مع الذاكرة".

يورد في الصفحة 178 ان الامين د. عبدالله سعادة استدعاه بعد حوالي الاسبوع من انتخابه رئيساً للحزب وابلغه قراره بوضعه (اي الامين غسان) تحت تصرف رئاسة الحزب، وطلب منه الاستمرار في ملاحقة وانجاز الاعمال التي كان مسؤول عنها، واضاف عليها مهمات جديدة:

 متابعة موضوع الرفقاء الذين شملهم العفو العام والذين لا يحملون الجنسية اللبنانية.

 الحصول على رخصة من وزارة الداخلية لعقد مؤتمر قومي عام.

 موضوع الحصول على رخصة رسمية للحزب .

 درس امكانية استرجاع امتياز جريدة "البناء".

 موضوع الرفقاء الذين لا يحملون الجنسية اللبنانية تم حله من خلال تجاوب مدير عام الأمن العام. وقد تمّ فيما بعد تأمين سفر اكثر هؤلاء الرفقاء من خلال مكتب عبر الحدود الى افريقيا وبعض دول اميركا اللاتينية واستراليا.

 موضوع رخصة المؤتمر ايضاً حصلنا عليها من خلال تجاوب وزارة الداخلية ومديرية الامن العام .

وكذلك بالنسبة الى رخصة الحزب حيث كان وزير الداخلية الاستاذ كمال جنبلاط قد قرر الترخيص لجميع الاحزاب المحلولة.

ويضيف:

" اما موضوع استرجاع امتياز جريدة "البناء" فكانت امامنا عقبات قانونية كثيرة اذ ان الحكم بإلغاء امتياز البناء لا علاقة له بالاحكام التي شملها العفو العام.

" ولكن ولحسن الحظ أن صديقي الأستاذ عثمان ألدنا كان في تلك المرحلة وزيراً للأنباء، وللحقيقة والتاريخ أقول، ان الوزير ألدنا رغم كونه آنذاك من أركان العهد الشهابي.. والشهابية... قدم لي خدمات كثيرة خلال مرحلة العمل السرّي.

" قمتُ بزيارة الوزير ألدنا وعرضت عليه موصوع رغبتنا في استرجاع امتياز جريدة البناء. فاستدعى فوراً السيد محمد مرعي رئيس _ أو مدير _ دائرة الشؤون الادارية في الوزارة وطلب منه احضار ملف البناء معه. وعندما حضر عرّفه بي بصفة لم اكن احملها، وهي المسؤول السياسي في الحزب السوري القومي الاجتماعي.. وقال له: رغبتي كبيرة في ان اسهّل مهمة الاستاذ عزالدين وان اقدم كل مساعدة ممكنة للحزب في موضوع استرجاع امتياز جريدة البناء. فكيف نبدأ ؟...

كان جواب الاستاذ مرعي: لا بد في البداية ان نكوّن ملف طلب الاسترجاع ... عندها طلب منه الوزير تزويدي بكافة المعلومات، وما هو مطلوب منا لتكوين الطلب.. فزوّدني بما هو مطلوب منا كخطوة أولى... وبعد مغادرته الى مكتبه قال لي الوزير.. حضر كل ما طلبه منك السيد مرعي وسلّمه الملف وسجّله رسمياً ودعنا نبقى على اتصال وأعدك بأنني سأبذل اقصى جهدي وضمن صلاحياتي لتأمين عودة الإمتياز الى صاحبه.

" غادرت مكتب الوزير شاكراً له موقفه وتوجهت لمقابلة رئيس الحزب حيث اطلعته على لقائي بالوزير. وكان مسروراً بالنتائج الأولية وأوعز لي أن اطلب من محامي الحزب تحضير الملف المطلوب وتقديمه للوزارة ومتابعة الموضوع مع الوزير.

" بعد تقديم الملف وتسجيله رسمياً مررتُ على الوزير وسلّمته نسخة عنه.. فقال لي: لقد طلبت دراسة مفصلة من دائرة الشؤون القانونية في الوزارة عن موضوع البناء... اعطني بعض الوقت، وكما قلتُ لك دعنا نبقى على اتصال واذا احتجتُ اليك سأتصل بك.

" وكنت اقوم اسبوعياً بزيارة الوزير، وفي آخر زيارة له قال لي بالحرف الواحد... اعدك بأنني (سأعجّل) قدر الامكان في اتخاذ القرار المناسب. وفي مطلق الاحوال اعدك بأنني سأوقع قرار اعادة امتياز البناء لكم ولو قبل ساعة من تركي الوزارة !!..

" وبالفعل كان الوزير الدنا عند وعده.. إذ اتصلت بي سكرتيرته الخاصة صباح ذات يوم قائلة لي: الوزير يريد مقابلتك اليوم لأمر هام... أجبتها: حاضر، ساعة واكون عندكم.. وعندما وصلتُ الى مكتب السكرتيرة أدخلتني فوراً الى مكتب الوزير حيث استقبلني بكثير من الترحيب وطلب من السكرتيرة عدم دخول أحد الى مكتبه خلال وجودي معه.

" بعد ان جلستُ، قلت له: خير ان شاء الله. أجابني: كل خير، وتابع قائلاً: عثمان ألدنا عندما يعد يفي. وقبل ان اجاوبه ناولني مغلفاً باسم الوزارة قائلاً هذا قرار السماح للبناء بالصدور من جديد. فوقفت وتوجهت نحوه مقبلاً جبينه شاكراً... وعندما عدت للجلوس قال لي هذا آخر قرار اوقعه كوزير للأنباء، وآمل ان يبقى الامر سراً بيننا الى ان يعلن رسمياً عن استقالته.

" لم اعد اذكر بالضبط فيما اذا كان قد حدثني عن اسباب استقالته ام استقالة الوزارة ككل. المهم شكرته ثانية وقلت له: لن انسى طيلة حياتي هذه الخدمة.

" غادرت الوزارة متوجهاً الى مكتب رئيس الحزب.. وعندما دخلت قلت له: احمل لك معي هدية، طلب مني تسليمها لك يداً بيد... فتفرّس في وجهي لحظات وضحك قائلاً "هات" امتياز البناء.. تعجبتُ وسألته كيف عرفت؟ ضحك ثانية واجابني: مجرد تقدير، لأن افضل هدية تقدم لنا في هذه المرحلة هي امتياز البناء وصدورها من جديد. سلّمته المغلف واعلمته بما طلب مني الوزير. فقال اذا دع الموضوع حالياً بيننا فقط.

" بعد ان سلّمت رئيس الحزب الأمين الدكتور عبدالله سعادة قرار وزير الانباء الاستاذ عثمان الدنا بإعادة الامتياز الى صاحب الجريدة الأمين نسيب عازار، وحق العودة الى اصدارها من جديد، وقفت مستأذناُ بالمغادرة طالباُ اجازة لعشرة ايام اسافر خلالها الى خارج لبنان للراحة والاستجمام لأنني اشعر بالتعب والارهاق... ولكن الرئيس فاجأني بجوابه، إذ اجابني: اجلس، اجلس يا رفيقي لم ننه حديثنا بعد، قائلاً: " أولاً: الاجازة ممنوعة، ثانياً، ولو يا رفيق غسان اذا كان امثالك من الشباب تعبون ويطلبون اجازات، فماذا نقول عن من هم في عمرنا؟ ثالثاً: لم تنته مهمّاتك بالنسبة للبناء... الآن جاء دور العمل الجدّي.. انت منذ هذه اللحظة مكلّف رسميّاً من قبل رئاسة الحزب بالتحضير العمليّ الاداري لاصدار البناء من جديد، ومعك مهلة عشرة ايام لتقدّم دراسة مفصّلة عن متطلبات الاصدار في كافّة المجالات، وبعدها نعقد جلسة يشارك فيها عمد الاختصاص: المالية والاذاعة والثقافة، للاطلاع على الدراسة ومناقشتها واتخاذ القرار النهائي لعملية البدء في العمل والتحضير لإصدار البناء.

" اجبته ولكنّ الامر يتطلّب الخبرة والاختصاص وانا لست بالشخص المؤهل لهذه المهمّة، ولا املك الا القليل القليل من الخبرة والتجارب والممارسة في هذا المجال. فأجاب اعرف ذلك، ستزوّدك رئاسة الحزب برسالة تسمح لك بالاتصال المباشر بمن تشاء من اصحاب الخبرة والاختصاص للاستعانة بهم في إعداد الدراسة وتكليفهم، ببعض المهمّات.. أنا اصرّ على ان تكون انت المكلّف رسميّاً من قبل الرئاسة بإعداد الدراسة والاشراف على اصدار البناء وتسلّم مسؤوليّة مدير ادارتها، في بداية اصدارها.

" غادرتُ مكتب الرئاسة متضارب الافكار لا اعرف من اين أبدأ. فتوجّهت من المركز الى مقهى "الهورس شو" في منطقة الحمراء، وجلست افكر واستعرض في ذهني الأسماء التي يمكنني الاستعانة بها في هذا المجال، وفجأة تذكّرت ان السيّد مرعي مدير الشؤون الادارية في وزارة الأنباء كان قد قال لي إن المطلوب الآن، كخطوة أولى، ان يعيّن الأستاذ عازار (الأمين الشهيد نسيب عازار)، صاحب الامتياز، مديراً مسؤولاً وتبليغ الوزارة رسميّاً بهذا التعيينمع موافقة الشخص المعيّن. ومن المعروف انه لا يحق لغير أعضاء نقابة المحرّرين المسجّلين رسمياً والقائمين بواجباتهم النقابية تسلّم مسؤولية المدير المسؤول .

" رأساً، ورد في ذهني اسم الرفيق المناضل القدوة زكريا اللبابيدي(2)، فهو من جهة يملك جميع المتطلبات القانونيّة لتحمّل مسؤولية المدير المسؤول، ومن جهة ثانية هو صاحب خبرة واختصاص، فقد عمل لسنوات طويلة في الحقل الصحفيّ، وبصورة خاصة في الصحف الحزبية، إضافة الى كونه كان يملك مطبعة قبل دخوله السجن بسبب مشاركته في الثورة القومية الاجتماعية الثانية.

" قبل ان اتابع، اودّ ان أشير الى ان الرفيق زكريا أمضى اربع سنوات في الاسر، وفور خروجه وضع نفسه تحت تصرّف هيئة مفوّضية لبنان خلال العمل السريّ وفترة الملاحقات، وفيما بعد شارك في عضويّة هيئة المفوّضية ودخل السجن من جديد بتهمة العمل بجمعيّة مُنحلّة، وأحيل الى المحكمة العسكريّة أكثر من مرّة. وعلى الرغم من فارق السن بيننا، فقد ربطتني به علاقة صداقة مميّزة، وكنّا معاً في نفس الغرفة خلال الاعتقال الأول بعيد المحاولة الانقلابية.

" شعرت بالارتياح واعتبرت بأن تكليف الرفيق زكريّا بإدارة الجريدة ومسؤولية مديرها المسؤول يسهّل عليَ كثيراً في اعداد الدراسة التي طلبها الرئيس. وفي مساء اليوم نفسه، قمت بزيارة الرفيق زكريا في منزله حيث اطلعته على كافة التفاصيل، منذ بدء المراجعة والعمل لاستعادة امتياز البناء لغاية لقائي ظهراً الرئيس وما كلّفني به. فكان جوابه: اسمي تحت تصرّف الحزب، وانا على كامل الاستعداد لأن اتحمّل رسمياً أمام الدولة مسؤولية المدير المسؤول، ولكنّني ارفض اقتراحك بتسلّم مسؤولية مدير الإدارة، فأنت أصبحت تحمل هذه المسؤولية وأنا تحت تصرّفك.. وبعد حوار طويل معه، أقنعته خلاله إنني مكلّف بصورة مؤقتّة وأن المصلحة الحزبية، نظراً لخبرته وإمكاناته، تتطلب ان يكون هو المدير المسؤول ومدير الإدارة في آن، وأنني سأتعاون وإياه في هذا المجال.

" صباح اليوم التالي ذهبت لمقابلة الرئيس، وعندما دخلت مكتبه وبعد التحيّة بادرته بالقول، جئت حضرة الرئيس للاعتراف بأنني ارتكبت خطأ ولأعتذر منك لأنني تصرّفت دون العودة لاستئذانك... أجاب خير ان شاء الله، ماذا فعلت؟ فرويت له ما حدث منذ مغادرتي مكتبه أمس، وتفاصيل لقائي مع الرفيق زكريّا، فضحك وقال لا بأس، انه طبعاً خطأ، ولكن ليس بجريمة!! وأن اختيارك جيّد.

" بدأت والرفيق زكريا في اعداد الدراسة، وقد أشركنا معنا الأمين انيس فاخوري(3) والرفيقين سعيد صعب(4) ونقولا قباني(5)، والرفيق مالك الصيداوي(6) الذي كان يملك مطبعة، وتولى فيما بعد طباعة البناء في المرحلة الاولى من اصدارها.

انهينا الدراسة ضمن المهلة التي حددها لنا الرئيس، وأذكر بعض البنود التي جاءت كشروط أساسيّة نتحمّل على اساسها مسؤولية اصدار البناء من الناحية الادارية والمالية:

1. طلب مهلة ثلاثة اشهر كحد أدنى للبدء في اصدار البناء من جديد.

2. فصل ميزانيّة البناء وشؤونها المالية وإدارتها عن عمدة المالية... دون ان يعني هذا الفصل تجاوزاً لصلاحيات العمدة في حقّ الاطلاع على حسابات الجريدة ومراقبتها.

3. أن لا نبدأ في اصدار البناء قبل ان نكون قد أمنّا حساباً خاصاً باسمها يؤمن متطلبات إصدارها لمدة ستة اشهر على الأقل، حيث لا تكون تحت رحمة الروتين وميزانيّة الحزب .

4. أن تؤمن عمدة المالية في البداية متطلبات التحضير لإصدارها، التي حدّدناها في الدراسة دفعة واحدة.

5. سنعمل على تأمين متطلّبات إصدار البناء لستة اشهر بصورة مستقلّة غير معتمدة على عمدة المالية، وذلك من خلال العمل على جمع تبرعات واشتراكات رمزيّة وعاديّة، تدفع سلفاً عن مدّة في الوطن وعبر الحدود.

وعندما سلّمنا الرئيس الدراسة دعا الى عقد جلسة خاصة حضرها عمد الاذاعة والثقافة والمالية. وبعد الاطلاع عليها ومناقشتها، حيث تمّت بعض التعديلات الطفيفة عليها، وبدأنا أنا والرفيق زكريا في الإعداد لما يختص بنا في الخطّة، وبدأت العمدات المختصّة في التحضير أيضاً لما هو مطلوب من كلّ منها.

وصدرت البناء في الموعد الذي حدد في الجلسة المذكورة.

هوامش :

(1) بتاريخ 13 شباط 1969، اقرّ المجلس النيابي بالاجماع العفو العام عن الرفقاء المشاركين في الثورة الانقلابية مستثنياً العسكريين: النقيب الامين فؤاد عوض، النقيب الأمين شوقي خيرالله والملازم اول الشهيد علي الحاج حسن. وشمل العفو الرفقاء الذين كانت صدرت الاحكام بحقهم في 5 تشرين الاول 1968 )الامناء عبدالله محسن، لبيب ناصيف، بهيج ابو غانم، جميل عساف، كمال نادر، انطون حتي، والرفقاء سهيل عبد الملك، جان نادر، غانم خنيصر، محمد السعدي ونقولا نصر).

وبتاريخ 19 شباط 1969 خرج الرفقاء الذين شملهم قانون العفو من "سجن القلعة" (بالنسبة للذين شاركوا في الثورة الانقلابية) ومن سجن "الرمل" (الذين كان حكم عليهم في 5 تشرين الاول 1968).

(2) زكريا لبابيدي للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول الى موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية ssnp.info

(3) انيس فاخوري: انتمى في اوائل الثلاثينات وتولى العديد من المسؤوليات المحلية والمركزية. تعرّض للسجن مراراً، نقل الى معتقل "المية ومية" ثم الى راشيا، وفيها مارس دوراً نضالياً هاماً في سبيل الاستقلال، الى جانب الأمين جبران جريج ورفقاء آخرين. تحدث عنه الأمين جبران في كتابه "حقائق الاستقلال – أيام راشيا". سننشر نبذة عن الأمين فاخوري في وقت غير بعيد.

(4) سعيد صعب شميط: للاطلاع عن النبذة المعممة عند الدخول الى الموقع المذكور آنفاً.

(5) نقولا قباني كما آنفاً.

(6) مالك صيداوي: عمل في حقل الطباعة. اسس في السنوات الاخيرة من عمره "معرض الكتاب الدائم" في شارع السادات. كان يقطن المصيطبة، واستمر على ايمانه بالقضية القومية الاجتماعية.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2022