إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

المرأة التي ركضت ضد الموت

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2022-10-21

إقرأ ايضاً


شكراً للرفيق غسان الخالدي(1) الذي شرّفني بزيارته مع الكاتبة السيدة كوليت صليبا، مقدماً لي مؤلفها الصادر عن "دار ومكتبة التراث الدبي"، بعنوان المرأة التي ركضت ضد الموت" .

تصفحت الكتاب بنهم واهتمام وتوقفت عند الكثير من اقسامه على ان اقرأه مرة ثانية.

الكتاب من الحجم الوسط من 288 صفحة وهو من عشرة فصول موزعة على اقسام وفقرات التقديم للمؤلفة

*

غالبا ما يستهل كتّاب الرويات أعمالهم السردية بالقول ان أبطال رواياتهم هم من نسج الخيال، وان أي تشابه بين هؤلاء الابطال وبين أناس حقيقيين يظن القارئ بأنه قد عرفهم او التقىيهم على ارض الواقع، هو محض توّهم، او ضرب من ضروب المصادفة. لكن ما سأرويه في هذا الكتاب يتناول، بخلاف ذلك، قصة امرأة حقيقية من لحم ودم، وطبيب حقيقي ومعروف على المستوى العالمي، وبشر آخرين أسهموا بشكل او بآخر في صناعة الحدث الاستثنائي الذي أحببت ان اضعه أمام القارئ، وان لا يطويه النسيان.

ومع ان مرض السرطان ليس حدثاً نادر الوقوع، بل ان المصابين به في أصقاع الكرة الأرضية وقاراتها، يعدّون بعشرات الملايين، إلا أنني وجدت في قصة المرأة الإيطالية الشابة غابرييلا بانتوني التي أصيبت بالمرض في الثانية والثلاثين من عمرها، ما يستحق ان يُروى، لانه يجسد خير تجسيد ملحمة الصراع من اجل البقاء من جهة، ويقدم صورة نموذجية عن العلاقة المثلى التي يجب ان تسود بين الأطباء ومرضاهم، لكي تؤتي ثمارها الملائمة، من جهة أخرى. فحين وفدت غابرييلا الى عيادة الدكتور فيليب سالم في هيوستن، كان الأطباء في إيطاليا قد فقدوا الامل من بقائها على قيد الحياة، بعد ان استنفدوا كل ما لديهم من سبل المعالجة التقليدية. ذلك ان سرطان الثدي الذي أصيبت به المرأة الشغوفة برياضة الركض، كان قد انتشر في العديد من النواحي جسمها، واصابها بالشلل التام. اما المصادفة السعيدة التي قلبت مصيرها رأسا على عقب، قهي تتعلق بمقابلتها لفيليب سالم وإصغائها له بانتباه وهو يتحدث عن المآلات الإيجابية للبحوث التي اجراها حول هذا المرض، خلال برنامج يتعلق بالشؤون الصحية، عرضه التلفزيون الإيطالي في ذلك الوقت.

يومها اقترح الدكتور سالم على غابرييلا، وقد استمع بدوره الى قصتها المؤثرة مع المرض، ان تأتي الى عيادته في هيوستن لكي يتمكن من متابعتها عن كثب، والقيام بما يجب القيام به، من اجل انقاذ حياتها المهددة. وهو ما حدث بالفعل، حيث لم تتردد المريضة اليائسة في السفر الى جنوب وسط اميركا، لتجد نفسها بعد ستة اشهر من العلاج وقد شفيت تماماً، وعادت بما يشبه المعجزة لمزاولة حياتها الطبيعية. اما الهدف من سرد هذه القصة، فهو زرع بذور الامل في نفوس أولئك الذين فقدوا كل أمل بالنجاة، ظنّاً منهم بأن السرطان هو حكم مبرم بالاعدام، ليس من سبيل الى تغييره او وقف تنفيذه. كما ان من بين الأهداف المتوخاة، هو إظهار الإمكانيات الهائلة للبحوث والعلوم المعاصرة في تغيير مصائر البشر، إضافة الى الدور الإيجابي والفعال الذي تلعبه الكيمياء المتبادلة بين الطبيب والمريض، ومدى ما يمكن لتعاونهما معاً ان يحققه من نتائج باهرة.

إن دعم فيليب سالم غير المحدود لمريضته، هو الذي قلّل من حجم مخاوفها، وجعلها تواجه مرضها بمعنويات عالية وبطاقة أكثر إيجابية. ولم يكن ذلك ليتحقق لولا ايمان سالم الراسخ بمبدأ الحق في الحياة، الذي اولاه كل عنايته واهتمامه، وجعل منه الهدف الاسمى لرسالة الطب.

لقد قابلت الدكتور سالم في عيادته في هيوستن عام 2016.

وخلال المقابلة أشار بيده الى صورة معلقة على الحائط، وقال: "تلك غابرييلا التي حدثتك عنها". ثم روى لي بالتفصيل قصتها مع المرض، ومن ثم معالجته لها، وصولاً الى شفائها. وقد ارتأيت، من جهتي، ان ادوّن على طريقتي هذه القصة المؤثرة، وأن اضعها بين يدي القراء، كتعبير رمزي عن التضامن مع غابرييلا في صراعها الضاري مع العدم، وكتحية من القلب مقرونة بالإمتنان للبروفيسور فيليب سالم، بصفته احد أثمن الهدايا التي قدّمها لبنان للعلم وللعالم، على حد سواء.

*

ولدت غابرييلا بانتوني في عام 1984 في مدينة باليرمو في إيطاليا. وقد توفيت والدتها عندما كانت في السابعة من العمر. وبعد مرور عام واحد على رحيل أمها اكتمل يُتمها برحيل ابيها عن هذا العالم، حيث توّلت عمتها لورا دافيد تربيتها والعناية بها.

تتقن غابرييلا لغات عدة بالإضافة الى لغتها الام، ومن بينها الإنكليزية واليونانية اللتان تتولى بانتوني تدريسهما في بعض مدارس باليرمو. كما أنها تحمل شهادة عالية في علم النفس، خوّلتها فتح عيادة خاصة لمعالجة المرضى في هذا المجال.

وهي الى كل ذلك، ذات شهرة واسعة في رياضة الركض السريع في باليرمو.

أما الدكتور فيليب سالم فهو طبيب لبناني – أميركي. كما أنه كاتب وباحث وأستاذ جامعي في طب السرطان، ويعمل مديراً فخرياً لأبحاث السرطان في مستشفى سان لوك – بايلور، ومركز سان لوك الطبي في هيوستن. وهو في الوقت ذاته رئيس مركز سالم للأورام. وقد أعلنت سان لوك عام 2010، من إنشاء كرسيّ للأبحاث باسم فيليب سالم، وذلك تكريماً له وتقديراً لإسهاماته الرائدة في علاج أحد أكثر أمراض العصر، فتكاً وخطورة.

وإذا كانت فصول هذا الكتاب ترتبط بأشخاص عديدين، لعبوا ادواراً متفاوتة على الصعيدين العلمي والإنساني، فإن تركيزي الأساسي ينصّب على شخصيتيّ سالم وبانتوني، لكونهما الصانعيّن البارزين للأحداث، واللذين استطاعا بتعاونهما معاً، ان يوصلا الرحلة الشاقة الى مرفأ الأمان. أما الأشخاص الآخرون، فقد بدت شهاداتهم وأدوارهم بمثابة تأكيد إضافي على الدور الهام الذي يلعبه الأقارب والأصدقاء، في تخليص الانسان من محنته، حين يقع فريسة الأمراض الخطرة والفتاكة.

على ان هذا الكتاب لا يهدف الى سرد قصة غابرييلا بانتوني مع السرطان فحسب، بل اردت أن أكشف من خلاله عن الجوانب المشرقة في شخصية فيليب سالم، وعن المبادئ التي اتبعها في علاج مرضاه، إضافة الى فلسفته الخاصة، وموقفها العميق والمتميز من الحياة والموت. وعليّ أن أشير في هذا السياق الى أن ما أكسب الدكتور سالم المكانة التي احتلها، لم تكن كفاءته العلمية وحدها، ولا قراءاته النظرية فحسب، بل ذلك الفيض من العاطفة والحب الذي كان سالم وما زال يسبغه على مرضاه، وذلك الأمل بالنجاة الذي ظل يزرعه في دواخلهم، وتلك الصداقات الراسخة التي حرص على إقامتها معهم، طالما استطاع الى ذلك سبيلا.

(1) غسان الخالدي: صاحب دار ومكتبة التراث الادبي. ابن الامين المناضل المميّز محمود الخالدي، مراجعة النبذة عنه على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية SSNP.INFO




 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2022