إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

سـلاحا الحـرب بين الحـزب السوري القومي واعداء الأمة 1/2

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1940-02-10

إقرأ ايضاً


كل حرب تنشب لا بد لها من سلاحين: معنوي ومادي. ولما كانت القوة الأساسية الفاعلة في حركة الحزب السوري القومي هي القوة الروحية فنوع الحرب، في هذا الطور الأوَلي، لا بد أن يكون روحياً. فأقتصرت الحرب حتى الآن على السلاح المعنوي. يمثل الحزب السوري القومي في هذه الحرب القوة المهاجمة وسلاحه المناقب القومية التي ولـّدها وبثـّها في الشعب السوري ورفع مقدرته الروحية إلى درجة عالية جداً. وبهذا السلاح صار الحزب السوري القومي قوة عظيمة يحسب حسابها ويخشى فعلها متى ابتدأت تستخدم السلاح المادي. ويمثل أعداء الأمة السورية الخارجيون والداخليون القوة المدافعة وسلاحهم المثالب الأجنبية واللاقومية.

منذ البدء أدرك الفرنسيون، الذين تولـّوا التحقيق في قضية الحزب السوري القومي، ان هذا الحزب يختلف بطبيعته عن كل ما عرفوه من الأحزاب قبله، أي أنه حزب ذو فعالية روحية عظيمة وقوة مناقبية لم يكونوا يحلمون بتولدها في سورية التي كانوا يرونها صريعة انحطاط مناقبي عام. وكان أول سؤال تبادر إلى أذهان الجواسيس الفرنسيين: أيجوز أن تكون القوة الروحية التي أوجدت هذا النظام وهذا الترتيب سوريّة أو أنها قوة أجنبية معادية لفرنسة؟

وقد رجّح الفرنسيون الوجه الثاني من السؤال المتقدم، لأنهم كانوا يحتقرون الشعب السوري ويزدرون نفسيته ومقدرته ولا يعدونه جديراً بالقيام بأعمال هي من شؤون الشعوب الحرة ذات المطالب العالية. وجارى الفرنسيين في هذا الترجيح كل الذين احتقروا أنفسهم وازدروا شعبهم في قلوبهم من السوريين!

بناء على هذا الاستعداد الذهني عند الفرنسيين وعلى العقلية الانحطاطية في أوساط واسعة من الشعب السوري وبين "المثقفين" منه في المدارس الجزويتية اتجهت الأنظر للبحث عن "المصدر الأجنبي" لنشوء الحركة السورية القومية.

وساعد على ترويج هذا البحث ما نشرته جريدة "الرابطة الشرقية" البيروتية التي يقوم على انشائها شاب ينتمي إلى الشيوعية او الاشتراكية ويقول بهدم القومية اسمه ابرهيم حداد وكله تلفيق لحوادث خيالية حاول المنشىء المذكر أن يجد صلة بينها وبين ظهور الحزب السوري القومي، ويمكن تتبع بداءة هذا البحث عن "المصدر الأجنبي" في الخبر الأول الذي نشرته جريدة "صوت الأحرار" في عددها الصادر بتاريخ 23 نوفمبر 1935 أي بعد كشف أمر الحزب السوري القومي بسبعة أيام كما يلي:

"وقد راجت في أروقة دار العدلية اشاعات مختلفة عن هذه القضية (قضية الحزب) فقيل أن أوراقاً وجدت تثبت علاقات الحزب باحدى القنصليات الأجنبية وان هناك اتصالاً مالياً ليست هذه القنصلية بعيدة عنه. وراجت إشاعة أيضاً أن المحققين عثروا على أوراق تدل على وجود مخابرات بين الحزب واحدى المؤسسات الأجنبية في الخارج".

وارسل خبر هذ الاشاعات إلى جريدته مكاتب "المقطم" في بيروت فنشرت المقطم الخبر هكذا: "ويقال أنهم وجدوا في أوراق الحزب السوري القومي أوراق نقد من دولة أجنبية".

ولما كثر اللغط حول هذه الاشاعات وظهر القلق في أوساط الشعب وابتدأت عين القوميين تحمر، اضطرت المصادر الحكومية لإصدار بيان أو تصريح رسمي في هذا الصدد فنشرت جريدة "صوت الأحرار" في عددها الصادر في 25 نوفمبر 1935 الخبر التالي: "صرّح مصدر رسمي لمندوب "صوت الأحرار" قائلاً: "لقد ثبت لنا انه لا علاقة للأجانب أو لأية قنصلية أجنبية بهذا الحزب ويمكنكم تأكيد هذه الحقيقة رسمياً" ومع أن هذا التصريح رسمي ومنشور في جريدة شبه رسمية (ان جريدة "صوت الأحرار" هي الجريدة التي تعبر عن رأي الحكومة وموقفها) فهو لم يمنع استمرار هذه النغمة خصوصاً في الصحف التي تخدم المطامع الأجنبية. ففي حين ان التحقيق الافرنسي الدقيق الذي استمر شهرين ونيف ومطالعة النيابة العامة الفرنسية ودراسة هيئة المحكمة وحكمها الأخير برّأت الحزب من كل نفوذ أجنبي وبرهنت أن الحزب أنشأه الزعيم على مسؤوليته فالجرائد المأجورة للطعن في الحركة القومية ظلت مستمرة في استغلال الشائعات المغرضة إلى آخر حَد. مثال ذلك ما نشرته جريدة "الهدى" وكان الأصح أن تسمى "الضلال" في عددها الصادر في الحادي عشر من ابريل 1936 وهو كما يلي من رسالة لمكاتبها في بيروت:

"بلغني من مصادر عالية ان الحزب السوري القومي على اتصال وثيق بزعماء الفاشستي في ايطالية الذين أرسلوا الى أحد قناصلهم مبلغ 350 ألف ليرة سورية لتنفق عل الدعاية الايطالية، بمناسبة اعلان الحرب على الحبشة. وقد قام القنصل في بيروت بتوزيع المال على الصحف اللبنانية، كما دفع المبالغ الطائلة للحزب السوري القومي. وكان فريق من أعضائه يتقاضون كل واحد أربعين ليرة سورية في الشهر. أما كيفية اتصال الحزب السوري القومي بفاشست ايطالية فهي أن الغيور موسوليني اتصل بأحد اللبنانيين الذين كانوا في ايطالية وطلب إليه ان يعرفه بالأمير شكيب ارسلان ثم ذهبا معاً الى روما واجتمعا بالسنيور موسوليني فكان ما كان".

وهذا الخبر هو غاية في الخلط والنفاق. فالمصادر العالية هي التي اثبتت ان الحزب السوري القومي هو حركة اصلية ناشئة نشأة سورية مستقلة، وهي التي أثبتت، بواسطة التحقيق والمحاكمة، ان الحزب السوري القومي كان يفتقر إلى المال لتنفيذ خطته الاستقلالية وان الحاجة إلى المال هي التي جعلت الحزب يهتم بإيجاد مقومات الحركة بواسطة المشاريع الاقتصادية والمالية ضمن البلاد فأنشأ الزعيم "الشركة السورية التجارية" وعيّن لها هيئة ادارية، باشرته جمع الرسمال وانشاء الوكالات الصناعية والزراعية من أعضاء الحزب أنفسهم. وقد صادر رجال الأمن جميع أوراق الشركة التجارية من محلها الكبير في شارع فوش بيروت. ولم تخف أهمية المشروه الاقتصادي – المالي على هيئة المحكمة فكان له نصيب كبير من مطالعة رئيس المحكمة.

ولأمر ما شاء مراسل "الهدى" وعامل "الرابطة الشرقية" الشيوعي ان يوجدا للحزب السوري القومي علاقة بالمير شكيب ارسلان وان يصورا أن الزعيم اجتمع بالمير شكيب قبيل انشاء الحزب مع ان أول تعارف جرى للزعيم مع المير شكيب كان في صيف 1937 في فندق القاصوف في ضهور الشوير وكان ذلك بطلب بعض الصحافيين الموجودين وكان حاضراً مندوب جريدة "النهار". وكان ذلك التعارف كل العلاقة التي نشأت مع المير شكيب الذي كان اتصاله وثيقاً "بالكتلة الوطنية" وعلاقاته السياسية كانت معها لا مع الحزب السوري القومي. وإذا كان المير شكيب قد أدرك الآن أن سياسة تلك الكتلة لم تكن سوى سياسة نفاق ومتاجرة بالوطنية فهذا الادراك مبني على انفضاح أمر أولئك "الوطنيين" وقبل هذا التاريخ كانت سياسة المير شكيب "العربية" الاسلامية متفقة كل الاتفاق مع سياسة "الكتلة الوطنية" في المسائل السورية. وكان سعدالله الجابري وزير الداخلية والخارجية ووكيل رئيس الوزارة مدة غيابه في اوروبة، صديقه الحميم وشريك الكثير من أفكاره. أما مسألة المال الايطالي فقد أظهر التحقيق العلني والسري أن الحزب السوري القومي لم يعتمد إلا على موارده الخاصة من اشتراكات الأعضاء وتبرعاتهم وتضحيات فريق منهم وعلى مشاريعه الاقتصادية – المالية. وأما الدعاوة لايطالية أو لغيرها فلم يستطع واحد من خصوم الحزب السوري القومي أن يأتي بدليل واحد على أن الحزب قام بشيء منها. ووثائق الحزب القومي تدل على أنه حارب ولا يزال يحارب وسيظل يحارب كل دعاوة أجنبية يقصد منها وضع سورية تحت سلطة دولة أجنبية أو اخضاعها لمصالحها السياسية والاقتصادية. وقد أثبت الحزب موقفه هذا مراراً وأفـْهَـم الفرنسيين أثناء المخابرات التي دارت بينه وبين المفوضية الفرنسية في بيروت أن كل ما يطلبه هو أن تعترف فرنسة بحق الأمة السورية في الحياة وأن تحترم هذا الحق.

يتبع


سورية الجديدة، العدد 51 في 10 شباط 1940.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2022